بعد أن طوت الانتفاضة الفلسطينية عامها الثاني وتقدمت بثبات وثقة عالية نحو عامها الثالث، في أي إطار تندرج رؤيتنا إليها؟ نذكر، ابتداءً، أن الانتفاضة، ما إن انعقد شرطها، حتى اندلعت كضرورة لم يكن بالإمكان تجنبها.. فهي لم تكن خياراً بين احتمالين، أحدهما استمرار الحالة الفلسطينية محكومة بمسيرة سبع سنوات من المفاوضات العقيمة بصيغة أوسلو، بل باتت خياراً وحيداً أمام الشعب الفلسطيني، وقواه المناضلة في المعارضة، وكذلك لدى أوساط واسعة في السلطة الفلسطينية، بعد أن وصلت إلى طريق مسدود تلك المفاوضات التي ادعى فريق أوسلو وروج بخفة أنها ستقود إلى إنجاز الحقوق الفلسطينية، موضع الإجماع الوطني.

وإن تبدلت في إسرائيل، مع تبدل حكوماتها، الخلفية البـرنامجية لإدارة المفاوضات أو للتعاطي مع العملية السياسية عموماً، مع ما واكبها من وسائل إكراه وعنف وإرهاب دولة ضد الشعب الفلسطيني، فإن هذه الحكومات، بغض النظر عن تكوينها الحزبي(1)، اشتركت في ما بينها بأمرين رئيسيين: الأول هو المضي في مخططات الضم والاستيطان والتهويد ومصادرة الأراضي، وفي هذا المجال لم يبق حزب العمل دون الليكود بل تجاوزه أحياناً، والأمر الثاني هو طرح مشاريع وأفكار للتسوية(2) نأت عن المطلب الفلسطيني المعلن: دولة فلسطينية مستقلة بحدود 4 حزيران 1967 ذات سيادة وعاصمتها القدس مع ضمان حق العودة للاجئين.

وعند استدعاء ميزان الربح والخسارة للحكم على نتيجة عملية أوسلو، يتضح ما يلي: في الوقت الذي أبـرزت فيه وقائع الشهور الأخيرة بالنسبة للفلسطينيين كم كانت محدودة وعابـرة، إن لم تكن هشة، المكاسب التي نسبت إلى عملية أوسلو، بما في ذلك تولي السلطة الفلسطينية الصلاحيات الأمنية والإدارية لما سمي بمناطق (أ)، التي عاودت إسرائيل احتلالها بالكامل في عملية السور الواقي، أبـرزت وقائع أخرى، في المقابل، أهمية ما جنته إسرائيل من مكاسب ملموسة ومستقرة خلال السنوات الماضية من اتفاق أوسلو: * فبدعوى «السلام الذي انبلج فجره في المنطقة»، شهد العام الأول الذي تلا اتفاق أوسلو (1994) زيارة أكثر من 80 ملكاً ورئيس دولة لإسرائيل، وهو حدث غير مسبوق حتى ذلك التاريخ. كما شهد اعتراف 25 دولة بالكيان الصهيوني للمرة الأولى، وهو العام نفسه الذي افتتحت فيه خمس ممثليات عربية في تل أبيب، ووقعت اتفاقية السلام الأردنية ـ الإسرائيلية في وادي عربة، وألغت الأمم المتحدة سبعة قرارات من أصل 29 وجهت ضد إسرائيل.

* وتوازت هذه المكاسب السياسية مع مكاسب اقتصادية. ففي العام 1994 وحده، جاءت 220 شركة عالمية كبيرة إلى إسرائيل، وانخفضت البطالة إلى النصف وتم استقبال مئة ألف مهاجر ووفد 20 ألف سائح من مصر. وبين 1995 و1999، ارتفع الناتج المحلي الاجمالي للدولة الإسرائيلية بنسبة 54% بينما لم ترتفع نسبة السكان في الفترة نفسها أكثر من 10%. واستفادت صناعات التكنولوجيا المتطورة (هاي تيك) من العملية السياسية الجارية بشكل خاص، فارتفعت صادراتها بين 1993 و1998 بمعدل 15% سنوياً.

* وفي المفصل الدقيق بين السياسة والاقتصاد، حققت إسرائيل مكسبين هامين ينطويان على مدلولات تطبيعية لا تخفى على أحد: رفع المقاطعة العربية في العام 1994 من الدرجتين الثانية والثالثة، مما أدى إلى فتح أبواب عديدة أمام الاقتصاد الإسرائيلي، هذا إلى جانب إطلاق المؤتمرات الاقتصادية السنوية، بدءاً من العام 1993 في الدار البيضاء مروراً بالقاهرة وعمان، قبل أن تتوقف بعد مؤتمر الدوحة عام 1996 في ضوء مجيء نتنياهو إلى السلطة.

* وفي المجال الاستيطاني، وفرت مفاوضات صيغة أوسلو غطاءاً إضافياً لرفع وتيرته وتوسيع رقعة المستوطنات، مما عزز بالنتيجة البنية الأساسية للاحتلال. وفي هذا الإطار، ارتفع عدد المستوطنين من 247 ألفاً في نهاية 1993 إلى 380 ألفاً في نهاية 2001 (أي بـزيادة 54% في غضون 8 سنوات)، وباتت المستوطنات تسيطر على 42% من مساحة الضفة الغربية، وبانتشار تحول خارطته دون إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة (حسب تقرير منظمة “بتسيلم” في 13/6/2002) وبلغ عدد المواقع الاستيطانية العشوائية التي أقيمت (منذ العام 1996) 98 موقعا،ً منها 42 خلال ولايتي نتنياهو وباراك، و56 منذ مجيء شارون إلى الحكم في شباط /فبـراير 2001 (حسب نداف شرغاي في “هآرتس” بتاريخ 1/10/2002).

لقد بات واضحاً، بعد انقضاء هذه السنوات في مسار متعثر، أن المفاوضات التي أطلقت بعد اتفاق أوسلو دينامية حققت مكاسب واضحة لإسرائيل لم ترد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، لا بل أدخلت هذه الحقوق في دوامة تجزئة المجزأ في سلسلة لا تنتهي من الاتفاقات ومذكرات التفاهم الانتقالية، التي لم تقرب هذه الحقوق بقدر ما أبقت على الاحتلال، مع تعديل غير جوهري لشروطه.

اندلعت الانتفاضة، إذن، رداً على هذا كله.. وبهذا المعنى، فهي انعكاس صادق للتناقض العميق بين احتلال استيطاني، من جهة، وشعب يتوق إلى الانعتاق منه نحو الحرية والاستقلال، من جهة أخرى. هذا ما تجدر الإشارة إليه أولاً، رداً على من يشكك بجدوى الانتفاضة وبأهمية النتائج التي حققتها وما تؤسس له للمستقبل القريب، متحججاً بفداحة الخسائر التي لحقت بالشعب الفلسطيني، ومتوارياً خلف نظرية سلبيات «عسكرة الانتفاضة»، وفي هذا السياق يأتي تبني الدعوة (من جهات فلسطينية وغير فلسطينية) إلى إحداث تغيير في استراتيجية الانتفاضة لجهة اختزالها بالتحركات الجماهيرية السلمية بعد التخلي عن المقاومة المسلحة بحجة أن ميزان القوى في المواجهة العسكرية مختل لصالح العدو.

إن هذه الأوساط تتجاهل أن الانتفاضة لم تكن خياراً من بين خيارات، بل كانت ضرورة بعد أن استنفذت هذه الخيارات. كما أنها تتجاهل حقيقة أنه في جميع حروب التحرر الوطني، كان ميزان القوى العسكري مختلاً لصالح المستعمر أو المحتل. ولهذا السبب بالتحديد، تلجأ حركات التحرر الوطني إلى المزج بين تكتيكات المقاومة المسلحة والمقاومة الشعبية.. وقد كان هذا هو الحال بالنسبة للانتفاضة التي انفجرت بعد أن تهلهلت مسيرة أوسلو، فأتت لتعكس درجة النضج الذي بلغته الحركة الفلسطينية من حيث قدرتها على استيعاب أشكال النضال السياسي والجماهيري والمسلح المناهض للاحتلال كافة، كروافد متكاملة في اتجاه عمل واحد لانتزاع الحقوق الوطنية.

والآن، بعد أن طوت الانتفاضة عامها الثاني، ماذا حققت؟ وما هي بالضبط إنجازاتها؟ فالانتفاضة -كما هو معروف- لم تحرر أرضاً، بل خسرت تلك الرقعة الهامة (المدن وغيرها) التي كانت تمارس عليها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية صلاحياتها الأمنية والإدارية، وكانت تشكل «قاعدة ارتكاز» -إذا جاز التعبير- لعموم الحركة الفلسطينية.

والمواجهة المستمرة على مدى سنتين مع عدو متفوق بإمكانياته المادية والعسكرية تسببت بخسائر مادية وبشرية هائلة في صفوف الشعب الفلسطيني، خسائر نجمت عنها معاناة إنسانية قل نظيرها. هذا فضلاً عن الخسائر التي لحقت بالبنية التحتية المتواضعة، التي بالكاد كانت تلبي احتياجات الحد الأدنى لشعب يرزح منذ أكثر من ثلاثة عقود تحت احتلال استيطاني لم يدخر جهداً لنهب خيراته.

وفي عودة إلى السؤال نقول: الإجابة ينبغي أن تنطلق من حقيقة أن الانتفاضة هي حرب استقلال، حرب تحرر وطني، يتمتع فيها العدو بتفوق مادي واضح وراجح. لذلك كان مرئياً منذ البداية أنها ستكون معركة مديدة ومريرة لا يمكن أن تحسم بإلحاق الهزيمة ميدانياً بالعدو أو بإرساء ما يسمى بمعادلة «توازن الرعب» ذات المفاعيل الرادعة للعدو باعتبارها «تغل قدرته على التمادي في العدوان»، كما هو الحال الآن، حيث استباح الضفة الغربية وقطع أوصال القطاع، واستأنف في الوقت عينه مخطط مصادرة الأراضي وتهويد القدس وتوسيع دائرة المستوطنات.

لقد كان واضحاً بالنسبة لنا أن المعركة لن تحسم بإلحاق الهزيمة السريعة بالعدو أو بصياغة معادلة «توازن الرعب» التي تفتقد الحالة الفلسطينية إلى مقوماتها لاعتبارات خاصة بها وبالمحيط الإقليمي وبالحالة الدولية عامةً، بل باستنزاف الإرادة السياسية للعدو وجعلها تتآكل عبـر زيادة الكلفة البشرية والمعنوية والمادية للاحتلال لتبلغ السوية التي لا طاقة له باحتمالها، وإرغامه بالتالي على القبول بحل يستجيب للمطالب الوطنية الفلسطينية.

الانطلاق من هذه الحقيقة هو الذي يحدد معيار التقييم لنتيجة مسيرة العامين المنصرمين من عمر الانتفاضة. وقاعدة التقييم هي: درجة الاستنزاف والإنهاك الذي ألحقته وتلحقه الانتفاضة بالعدو بالتوازي مع درجة الدعم الذي تستنهضه خارجياً للمطالب الوطنية الفلسطينية. وفي هذا الإطار، بإمكاننا أن نحتسب في خانة إنجازات الانتفاضة الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني أمام آلة القمع العاتية، ومضيه، رغم الكلفة العالية بشرياً ومادياً، في احتضان الانتفاضة والمقاومة وتوفير قاعدة متينة تمكن من استمرار المواجهة رغم الخلل الفادح في ميزان القوى. وهذا ما يفسر عجز العدو عن تحويل إنجازاته الميدانية إلى نتائج سياسية، وهي بتعريفه قائمة على: تخلي الجانب الفلسطيني عن خيار الانتفاضة والمقاومة، تسليمه بصيغة الاستتباع الأمني الكامل في إطار ما يسمى بمكافحة الإرهاب، وقبوله بالحل الانتقالي طويل الأمد الذي يجري تسويقه حالياً بصيغة ما يسمى الدولة المؤقتة.

لقد لجأ جيش الاحتلال إلى أقسى الإجراءات في سبيل إنهاء الانتفاضة واستئصال المقاومة. فألحق حملة «الطريق الحازم» (بدءاً من 20/6/2002) بحملة «السور الواقي» (29/3 ـ 28/4)، وشدد ضغطه على قطاع غزة واعتمد أسلوب «الضرب الوقائي»، و«الإحباط الموضعي» (وهي التسمية الكودية لعمليات اغتيال كوادر المقاومة).. دون أن ينجح في إلحاق الهزيمة بالإرادة الوطنية الفلسطينية المتشبثة بخط المواجهة.

من هنا، يعيش المستوى العسكري ـ الأمني في إسرائيل في أجواء الحرب المديدة ضد الانتفاضة ويرتب أوضاعه على هذا الأساس. «فعملية السور الواقي لم تحدث تغييراً استراتيجياً على صعيد المواجهة»، يقول رئيس الأركان السابق شاؤول موفاز (20/6/2002) قاصداً« أن احتلال المدن وتدمير البنية التحتية المواكب لهذا العمل لم يحدث تغييراً على الوجهة الفلسطينية في مواصلة المقاومة المسلحة». ويقول رئيس الأركان الحالي موشيه يعلون (15/7): «النصر سيحرز بالنقاط وبالتأثير المتراكم وليس بالضربة القاضية». والمفارقة هنا أن الاحتلال يستعير من الانتفاضة أسلوبها في حرب الاستنزاف ويتخلى عن أسلوبه العسكري المعهود في حرب الحركة والحسم السريع.

إن هذه المفارقة تعكس مأزق الحل الأمني الإسرائيلي الذي يعيد عدم قدرته على إنجاز الأهداف السياسية بالوسائل العسكرية إلى ما يستلزمه إلحاق الهزيمة «بالوعي» من زمن (!)، حسب ادعاء موفاز: «لقد ألحقنا بهم هزيمة على المستوى العسكري، وعلينا أن نلحقها بهم على مستوى الوعي (والمقصود هنا هو إرادة الصمود التي تنتج مقاومة)، وهذا ما سيستغرق سنوات». وهكذا، يصبح وقف الانتفاضة والمقاومة، الذي بقيت الحملات العسكرية دونه، رهناً بالمعالجة على مستوى غير قابل بدقة للتحديد مما يسمح للأداء العسكري الإسرائيلي بالتخلص من أدوات القياس التي تحكم بوضوح على مدى النجاح أو الفشل.

على الرغم من الصعوبات التي واجهتها الانتفاضة بعد أحداث 11/9/2001 ،حيث محا العقل الأمريكي الحدود الفاصلة بين الإرهاب وحركات التحرر الوطني، وضاقت المسافة إلى حدودها الدنيا بين موقفي واشنطن وتل أبيب حيال الموضوع الفلسطيني، فإن مثابـرة الشعب الفلسطيني على طريق مواجهة الاحتلال وعدم تمكينه من فرض إرادته السياسية أحدث انفراجاً على المستوى الدولي لصالح تبني مواقف أكثر اقتراباً من تأييد الحقوق الفلسطينية. إن القرار رقم 1397 (13/3/2002) الصادر عن مجلس الأمن، والذي يتكلم للمرة الأولى في هذا المحفل الدولي عن إقامة دولة فلسطينية، يؤشر إلى هذا المنحى الإيجابي في الحالة الدولية لصالح القضية العادلة للشعب الفلسطيني. لقد بات الطريق الآن بفضل الانتفاضة وتضحياتها مفتوحاً أمام الإجماع الدولي على حق الشعب الفلسطيني في دولة فلسطينية بحدود 4 حزيران (يونيو) 1967 باعتبار ذلك شرطاً لا غنى عنه لتسوية النزاع في المنطقة.

إلى ما ذكر، لعل أهم ما أنجزته الانتفاضة هو قدرتها على فرض أسلوبها في المواجهة والقائم على استنزاف قدرات العدو بشرياً واقتصادياً. فعندما تتكبد إسرائيل حوالي 650 قتيلاً خلال سنتين، منهم 53% من الجنود والمستوطنين، ما خلا 4500 من الجرحى، نصفهم تقريباً من الجنود، تحتل حرب الاستقلال الفلسطيني، من زاوية الخسائر الإسرائيلية، موقعاً متقدماً مقارنة بالحروب التي خاضتها إسرائيل ضد العرب: فهذا الرقم يقترب كثيراً من خسائر إسرائيل في حرب 1967 التي بلغت 703 قتيلاً. ويتخطى خسائرها في حرب السويس عام 1956 التي لم تتجاوز ال107، وفي اجتياح لبنان عام 82 بلغت 346 قتيلاً، وفي حرب الاستنزاف على القناة (1969 – 1970) خلفت 367 قتيلاً. وفي مرحلة قيادة حزب اللـه للمقاومة في جنوب لبنان على مدار 9 سنوات ( 1992 – 2000) فقدت إسرائيل 260 قتيلاً..

وبحساب الخسائر البشرية ومن بين الحروب التي خاضتها إسرائيل تأتي خسائرها في العامين الأخيرين في المرتبة الثالثة بعد الحرب 1947 – 1948 (6000 قتيل) وحرب تشرين /أكتوبـر 1973 (2800 قتيل). وفي ضوء هذه الوقائع، يصبح مفهوماً الرأي الشائع لدى قادة العدو أن الحرب الحالية من أصعب الحروب التي دخلتها إسرائيل منذ عام 1948 باعتبارها تخاض من داخل الكيان، وكذلك بحجم الخسائر التي لحقت بها.

أما على الجبهة الاقتصادية، فيسهل جرد الخسائر، و يحار المتابع حقيقة بأي رقم يبدأ نظراً لما تزخر به مصادر المعلومات من أرقام معبـرة (3)، أرقام نتجاوزها سريعاً متوجهين مباشرة إلى بعض الاستخلاصات، ومن بينها: لقد دفعت خطورة الوضع إسرائيل إلى إدراك عمق التزاوج بين البعدين الأمني والاقتصادي، وتحولت آثار الانتفاضة على المجتمع الإسرائيلي أرقاماً، بما في ذلك تراجع معدلات الهجرة(4). ومنذ أن وجدت الانتفاضة ترجمة اقتصادية لها صار بالإمكان تحديد المعيار الذي يمكن الاستناد إليه لتحديد الخسارة، وبما أنها غير قابلة للنفي فأقصى ما يمكن التوصل إليه هو إحالة نسبة معينة منها على إنعكاسات ما بعد 11/9/2001 على الاقتصاد العالمي وظاهرة الركود العالمي والتدهور في السوق المالي والأزمة العالمية في قطاع الهاي تيك.. ويبقى الأهم ما خرج به المؤتمرون من فعاليات اقتصادية وغيرها في قيساريا (4/7/2002) وهو: «أنه لا توجد فرصة لتخليص الاقتصاد الإسرائيلي من الأزمة الشديدة التي يمر بها إلا بحدوث تغيير في الوضع السياسي والأمني. ولن تقوم قائمة الاقتصاد الإسرائيلي ما لم تقع انعطافه في المواجهة مع الفلسطينيين».

وهذا ما ذهب إليه أيضاً شارون، لكن من زاوية أخرى، إبان زيارته الأخيرة لواشنطن (20 ـ 21/10/2002) عندما قال: «إن الموضوع المركزي في مباحثاتي (مع الرئيس بوش) كان مشاكل إسرائيل الاقتصادية وكيف يمكن مساعدتها للتغلب على مشاكلها الناجمة عن الحرب في العامين الأخيرين». وفي السياق نفسه، ذهب مدير مكتبه فايسغلاس في مباحثاته مع مستشارة الأمن القومي الاميركية كوندوليزا رايس أبعد من ذلك، عندما أكد أن «المساعدات الاقتصادية المكثفة من قبل الولايات المتحدة هي فقط التي تخرج الاقتصاد الإسرائيلي من الركود العميق ومن الوحل الذي علق به بعد عامين من المواجهات المستمرة مع الفلسطينيين».

قد يقال مقابل الإنجازات التي حققتها الانتفاضة إنها لا تنطوي على نتائج ثابتة أو محسومة غير قابلة للنقض أو لانقلاب وجهتها، وهذا رأي مقبول من حيث المبدأ:

* فعدم قدرة العدو على الحسم العسكري لا يلغي قدرته على ذلك، إذا ما انعقد الشرط السياسي لهذا الحسم طالما كان التفوق المادي معطىً قائماً. وبالحد الأدنى، فإن موجة العمليات ستنكسر في نهاية المطاف على جدار مقاومة الجيش الإسرائيلي إذا لم يتمكن الجانب الفلسطيني من إدامة زخمها.

* وبإمكان العدو أن يتحمل المزيد من الخسائر البشرية طالما صورت المعركة الدائرة أمام الرأي العام الإسرائيلي ـ زوراً ـ بأنها معركة «وجود» (!) تقع في امتداد حرب 48، وهي تدور على «وجود الكيان ومستقبله»(!) وليس كما هو واقع الحال على استخلاص الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، أو على نهج نزعته التوسعية، أو على حدوده (“الخط الأخضر” أو ما يتجاوزه) أو دوره الإقليمي ( هيمنة أو ما دونها).

استشعار المجتمع الإسرائيلي لفداحة الخسائر البشرية هو أمر نسبي ويرتبط بالتحليل النهائي بالقيمة أو بالأهداف التي تبذل هذه الخسائر في سبيلها، ولا جدال بأن سقف القدرة على تحمل الخسائر يرتفع عندما يطرح نضال الشعب ٍالفلسطيني من زاوية أنه يتهدد وجود إسرائيل. ولا جدال، أيضاً، في القيمة العالية التي تحتلها في المسطرة الصهيونية وسلم قيمها تلك الأراضي موضع الصراع باعتبارها تنتمي إلى أرض «إسرائيل التاريخية» (يهودا والسامرة!) فضلاً عن كون هذا الصراع سيحسم بمصير «عاصمتها الأبدية» (!)..

* وللأزمة الاقتصادية أسبابها البنيوية في الاقتصاد الإسرائيلي وفي السياق العالمي ولا تُعزى فقط إلى الانتفاضة. والأهم أمام إسرائيل أكثر من خيار لتحمل تبعات الأزمة الاقتصادية، ليس أقلها الدعم الأميركي، بما في ذلك ما سعت إليه إسرائيل أثناء زيارة شارون الأخيرة لواشنطن: ضمانات لقروض بمليارات الدولارات من بنوك أميركية إلى جانب دور مباشر كي تحافظ تل أبيب على مكانتها في التصنيف الائتماني الدولي.

* أما الإجماع الدولي على حق الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة بحدود 4 حزيران 67، فهو لا يتمتع حتى اللحظة بدينامية وفعل آليات وخطط التنفيذ الملزمة التي بمقدورها أن تفرضه على إسرائيل، التي بدورها وإن سلمت بمطلب الاستقلال الفلسطيني فإنها لن تعدم وسيلة لمداورته وتفريغه من مضمونه الحقيقي..

وقد يقال في مواجهة الإنجازات التي حققتها الانتفاضة ـ أيضاً ـ إن الثمن الذي تكبده الشعب الفلسطيني ومجتمعه المدني ومؤسساته الفتية كان باهظاً.. وهذا أيضاً صحيح، الأمر الذي يطرح في السياق نفسه حدود قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود في سياق تصديه للعدوان. وعلى هذه النقطة نجيب: إن قدرة المجتمع واستعداد الشعب الفلسطيني على الاستمرار في الانتفاضة وتحمل تبعاتها على مستوى الخسائر البشرية والمادية قدرة عالية وإمكانياتها متوفرة انطلاقاً من قناعة متأصلة وفهم شائع للانتفاضة بوصفها الممر الإجباري الذي لا محيد عنه لانتزاع الحقوق والتقدم على طريق الحرية والاستقلال. لكننا نضيف، في الوقت نفسه، أنه لابد من توفير الشروط الداخلية الفلسطينية أولا،ً إلى جانب الدعم العربي من أجل تعزيز مقومات الصمود أمام تمادي العدوان.

إن النسق العام لهذه الملاحظات سليم من زاوية ما يترتب عليها من استخلاصات يؤدي التقيد بها والعمل بموجبها إلى رفع سوية إنجازات الانتفاضة إلى مصاف الإنجازات الثابتة غير القابلة للتراجع عنها. وهذا لن يكون إلا بالمثابـرة على خط الانتفاضة بكل أشكالها لإكساب هذه الإنجازات مضموناً ومدىً يجعلها، مجتمعة، ذات فعل وتأثير متزايدين على الدولة العبـرية، يهزم إرادتها السياسية من خلال ترسيخ القناعة باستحالة تطويع الشعب الفلسطيني. وهذه الهزيمة لن تتحقق إلا بفعل التأثير الاستنزافي المتراكم على قدرات الاحتلال، بما يرغمه بالنتيجة على أن يحمل عصاه ويرحل.

وهذا ما ينقل النقاش إلى مستوى تعيين الثغرات التي يعاني منها الوضع الفلسطيني والتي تكشفه على المخططات المعادية، وفي مقدمتها افتقاده إلى قيادة وطنية موحدة تضطلع بالمسؤولية الوطنية الشاملة استناداً إلى:

* بـرنامج سياسي موحد للانتفاضة يحدد بوضوح هدفها السياسي.

* استراتيجية موحدة للانتفاضة تحدد أشكال العمل والنضال ضد الاحتلال انسجاماً مع البـرنامج السياسي وخدمة له.

* بناء وضع داخلي يؤمن المزيد من مقومات الصمود للاستمرار في المواجهة.

* تحديد متوافق عليه وطنياً لمضمون الإصلاح الوطني والتغيير الديمقراطي للأوضاع الفلسطينية..

إن صياغة الإجابة الصحيحة على هذه القضايا الجوهرية ونقلها السريع إلى حيز التطبيق هو الذي سيحدد بالنتيجة وجهة الانتفاضة، الذي لا يلغي الالتقاء على ضرورتها والثقة بامتلاكها لعناصر القوة الكفيلة بشق الطريق نحو إنجاز الحقوق، الاتفاق أيضاً على ما يسمح بتزخيم فعلها من أجل التسريع بارتياد آفاق الحرية والاستقلال والقدس والعودة. وهذا لن يكون إلا باستحثاث وجهة بناء الائتلاف الوطني المؤسس بـرنامجياً لجميع الاتجاهات الفلسطينية.

أواخر 2002

هوامش:

* قدمت هذه المداخلة في المركز الثقافي العربي بمدينة حلب (سوريا) في 23/10/2002 ضمن سلسلة من الفعاليات بعنوان «الانتفاضة وآفاق التحرير» بمناسبة الذكرى السنوية الثالثة لانطلاقة الانتفاضة.

(1) من حكومة رابين ـ بيريس (العمل) مروراً بائتلاف حكومة نتنياهو (الليكود) وائتلاف حكومة باراك (إسرائيل واحدة) إلى حكومة “الوحدة الصهيونية” بـرئاسة شارون.

(2) وهي بالضرورة محصلة غير مستقرة لمواقف القوى المشاركة في الائتلاف وامتداداتها في الكنيست، فضلاً عن التوازنات في الكنيست نفسه وفي حركة الشارع. هذا إلى جانب موقف المؤسسة الأمنية ـ العسكرية وراءها، وهو موقف مؤثر ورأي راجح بفعل الأهمية المتزايدة لهذه المؤسسة في القرار السياسي وكذلك بفعل التداخل القائم بينها وبين المؤسسة السياسية.

(3) من بينها تدهورت قيمة العملة الإسرائيلية هذا العام بنسبة 16% وتراجعت القوة الشرائية للأجور بنسبة 6%. ورفعت القيمة المضافة إلى 18% لزيادة إيرادات الدولة. وتم تقليص 40% من خدمات التأمين الوطني. وتجاوزت خسائر إسرائيل بسبب الانتفاضة الـ24 مليار شيكل، أي ما يوازي 6% من دخلها القومي. وازدادت نفقاتها الأمنية بحوالي 5.5 مليار شيكل. وتراجعت ايرادات الدولة بما قيمته 5 مليار شيكل بسبب الانكماش الاقتصادي (أي النمو السالب) الذي بلغ 0.6% عام 2001 بينما كان بمعدل 6% في السنوات التي سبقت الانتفاضة ومقدر له أن يتجاوز بـ1.5% هذا العام. وتجاوزت البطالة نسبة الـ10.5% من إجمالي القوى العاملة..

(4) أمام تضافر عاملي الخسائر البشرية والاقتصادية وتردي الحالة الأمنية عموماً، من الطبيعي أن تهبط أرقام الهجرة إلى إسرائيل من 60 ألفاً (عام 2000) إلى 44 ألفاً (عام 2001)إلى أقل من ذلك في العام 2002. وتراجعت الإضافات السكانية إلى المستوطنات من 7100 (عام 2000) إلى 2600 (عام 2001). وحسب نداف شرغاي (“هآرتس” في 1/10/2002) غادر المستوطنات 20 ألفاً خلال عامين.