“قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون” [الأعراف:129]

إقامة الدين

إن ما يُتخوف منه بعد قيام الدولة الإسلامية أن يعيد التاريخ نفسه فتتسلط الأعرابية على ذوي السابقة والغناء، وبعبارة أوضح أن تسيطر الدولة على الدعوة. فُعل ذلك مرات عدة في تاريخ المسلمين، حيث كان يبزغ رجل صالح يخرج من رباط التربية والجهاد، فيقود المجاهدين لتدول دولة ظالمة وتقوم أخرى على تقوى من الله، لكنها سرعان ما كانت تتآكل من داخلها، حتى تنهار قيمها وروحها، ولا يستمر إلا وجه السلطان الكالح البشع الناقض لعهدي الشورى والعدل. إن دروس التاريخ ملأى بالعبر، وإن أكبر التحديات في مستقبل الدعوة ما بعد الدولة أن ينهار رجالها عندما تنفتح أبواب الدنيا أمامهم فيتنافسوها كما تنافسها من كان قبلهم، فتهلكهم كما أهلكت السابقين. إن الله عز وجل هو الناصر للمستضعفين، فإن نصرهم فإنما الأمر ابتلاء في حفظ العهد أو تضييعه، قال تعالى: “ثم جعلناكم خلائف في الارض من بعدهم لننظر كيف تعملون” [يونس:14]. إن إقامة الدولة الإسلامية إنما هي وسيلة لإقامة الدين، فإن أبعد أهل الدين عن دواليب السلطة، أو ألهاهم تكاثر المسؤوليات لتسيير شؤون السلطة، أو التهمتهم امتيازات السلطة فعلى الدعوة السلام.

ملت الشعوب المسلمة حكم اللائكية بعد أن فقس بيضها فلم تخرج إلا فراخ التبعية والتمزق والفقر والجهل والتخلف والفواحش ما ظهر منها وما بطن، فالمستقبل القريب على موعد مع “البديل الإسلامي”، يستوي الشعور بذلك عند السياسي الحذق ورجل الشارع الذي لا يشغله إلا هم قوت يومه. فما يكون مقام الدعوة بعد التمكين؟ إن المستقبل الإسلامي رهين هذا السؤال.

تقحم مكونات من الحركة الإسلامية الواصلة اليوم إلى هوامش من السلطة أبناءها لإدارة البلديات والمقاطعات والمحافظات، تدَّعي في قرارة نفسها أن السابقين الملتحقين بصفوفها هم الأولى لإدارة تلك المؤسسات، فيُستنزف الخطاب والسلوك الدعويين بتحول الدعاة من منابر الجوامع، ومجالس التربية، ومؤسسات الخدمة الاجتماعية إلى إدارة مصالح الناس المتكاثرة المتشابكة المتشاكسة المتناقضة في فضاءات مؤسسات الدولة، فيبذل الدعاة الوعود والعهود، ثم بعدها يُكشف سراب أعمالهم بسبب شح الموارد، أو سوء التقدير، أو عدم كفاءة في التدبير، أو نقص خبرة في التسيير، أو بسبب طمع في متاع الدنيا، فإذا بالدعوة عند عامة الناس هي المسؤولة، وإذا بالناس يشككون في القيم بعد أن سقط المثال مضرجا بالأوحال أمامهم في الميدان. إن الزج بجل الدعاة في تدبير العمل السياسي في غد الدولة الإسلامية، هو إرهاق للكاهل، وتقديم ما لا يجب أن يقدم. ينشغل رجال الدعوة عندها بمطالب التنمية والإقلاع الاقتصادي وتحقيق الرفاه الاجتماعي وتوطين التكنولوجيا، وهي أمور ضرورية في حياة أمة الإسلام اليوم وغدا، إلا أنها لا تجيب عن سؤال المعنى لأمة تروم التمكين الحقيقي المتمثل في تحقيق العبودية التامة لله عز وجل، قال تعالى: “الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة آتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور” [الحج:41].

باب من الفقه عظيم

يدور الجدل ويحتدم النقاش بين الإسلاميين حول الخلافة، ومسؤوليات الخلافة، وكيفية تدبير السلطة. وهي من الأمور المهمة لولا أنه في خضمها يُنسى الأمر الأجل الأعظم في أن الخلافة خلافة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله عز وجل، وهذا يجعل الخلفاء الأسوة للناس، تُرجى صحبتهم، وتطلب بركتهم، ويُتقرب إلى الله بمحبتهم وطاعتهم. ويستحيل تحصيل كل ذلك إن انفرد رجال الدعوة بالدولة غصبا للناس في اختيار من يتولى عليهم، أو كانوا من رقة في الدين، بحيث تصرعهم الدنيا وتفتنهم زهرتها عند أول منعرج، أو قلبوا الأولويات بأن يجعلوا إقامة الدولة مقدم على إقامة الدين.

نستعرض لمواقف من سيرة السابقين بإيمان للإفادة منها إيجابا، ولتبين أي مقام يجب أن تتنزله الدعوة، وأي مهام تؤديها في غد التمكين. نبدأ مع الجابِّ لمظالم بني أمية، محيي السنة عمر بن عبد العزيز الذي كان مثال التربية العلية، أفاد من صحبته للشيخ الصالح رجاء بن حيوة، فما غرته الدنيا وقد حيزت له بحذافيرها، دخلت عليه زوجه فاطمة “فإذا هو في مصلاه، يده على خده، سائلة دموعه، فقالت: يا أمير المؤمنين، ألشيء حدث؟ قال: يا فاطمة، إني تقلدت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب المأسور، والكبير العيال في أقطار الأرض، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم، وأن خصمهم دونهم محمد صلى الله عليه وسلم، فخشيت ألا تثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي، فبكيت”(1)، هذا علم من أعلام الأمة ورث من سابقيه تركة ثقيلة من الظلم، فعاهد الله أن يزيل شأفته، فكان جديرا بأن يدخل التاريخ من بابه الواسع. كان عمر علم من أعلام التربية الإيمانية، فالدرس المستفاد أن صلاح الحكم الإسلامي رهين بمستوى التربية عند الحاكمين غدا. ما قدَّم الناس في عهد الخلافة الراشدة أهل الصحبة والسابقة إلا لأنهم كانوا يرتضون دينهم، وكانوا يرون فيهم إخوان آخرة لا أبناء دنيا، ولن تشرق لغد الخلافة على منهاج النبوة شمس إلا إذا كان أولو الأمر فيها من ذوي الغناء والحض من الله عز وجل، إضافة إلى كفاءتهم التدبيرية. ومن نورانيتهم وصحبتهم يستمد الناس الإيمان، روى الطبري في تاريخه أن “الوليد  بن عبد الملك- كان صاحب بناء، واتخاذ للمصانع والضياع، وكان الناس يلتقون في زمانه، فإنما يسأل بعضهم بعضا عن البناء والمصانع. فولي سليمان  بن عبد الملك- فكان صاحب نكاح وطعام، فكان الناس يسأل بعضهم بعضا عن التزويج والجواري. فلما ولي عمر بن عبد العزيز، كانوا يلتقون فيقول الرجل للرجل: ما ورْدُك الليلة؟ وكم تحفظ من القرآن؟ ومتى تختم؟ ومتى ختمت؟ وما تصوم هذا الشهر؟”(2).

درس آخر نستفيده من سيرة سيدي كهول الجنة، من الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقد كانت سياستهما أن يستعملا على الأمصار غير الأكابر من المهاجرين والأنصار. قيل لأبي بكر الصديق: “يا خليفة رسول الله! ألا تستعمل أهل بدر؟. قال: إني أرى مكانهم، ولكني أكره أن أدنسهم بالدنيا”(3)، وسئل عمر بن الخطاب “ما لك لا تولي الأكابر من أصحاب رسول الله عليه السلام؟ فقال: أكره أن أدنسهم بالعمل”(4)، كان فقه الخليفتين يقوم على حفظ الجلة من الصحابة بالمدينة المنورة لتستمر مدينة رسول الله في إشعاعها بالعلم والإيمان، وكان الخليفتان يخشيان على أهل الصحبة والسابقة إن ولوهم شؤون الأمصار أن تشغلهم الفتوحات وتدبير شؤون الناس عن ذكر الآخرة. كان فقه الإمامين أن يظل رجال الدعوة  وهم الأكابر من أهل الصحبة والسابقة- خارج دولاب التدبير اليومي لشؤون الحكم، دون أن يفقدوا مكانهم التربوي والتوجيهي والشوري والرقابي على العمال والولاة في الأمصار، فقد “كان عمر إذا استعمل عاملا كتب له عهدا، وأشهد عليه رهطا من المهاجرين والأنصار، واشترط عليه ألا يركب برذونا، ولا يأكل نقيا، ولا يلبس رقيقا ولا يتخذ بابا دون حاجات الناس”(5)، والنصوص المشيرة إلى استشارة الخليفتين لهم في مختلف الأمور التي تخص شؤون المسلمين من الكثرة بمكان، فكأننا في عهد الخلافة الراشدة أمام مؤسسة الدعوة التي لها السلطة على مراقبة السلط الإدارية الممنوحة للعمال والولاة، دون أن تتدخل بشكل مباشر في الوقائع التفصيلية للأمصار. وهذا درس ما ينبغي أن تغفله الدعوة الإسلامية، وهو باب من الفقه عظيم، يُحررنا من النسق الديمقراطي الذي يقيم فصلا للسلط يحفظ الدولة من الاستبداد كما يحفظ لها لائكيتها، ونحن نبحث عن نسق يحفظ مجتمعنا من الاستبداد، كما يحفظ له إيمانه. و”الله خير حفظا وهو أرحم الراحمين” [يوسف:64].

قبل الانتهاء من هذه الفقرات، ننتقل للإفادة في الموضوع من تجربة رائد من رواد الحركة الإسلامية المعاصرة وأعلامها البارزين، والذي يعد من مفكريها الكبار المازج بين الفقه في الدين والفقه في واقع الناس المحلي والدولي، المتقن للغة القرآن ولغات حية أخريات، فهو الفقيه والحقوقي والسياسي عن سابق نظر. تغايرت به الابتلاءات وتنوعت، فمضَّى من عمره عشرية بين السجون والإقامة الجبرية، وأخرى قضاها مشاركا في الحكم، وأخرى كان فيها الماسك لزمام السلطة، لكنها تجربة انتهت بالعداوة بين أبناء الصف الإسلامي، فكان الشقاق المودي إلى الانشقاق، بل بلغ الأمر أن أودعه رفاقه الإسلاميون المعتقل، فتراجع المشروع الإسلامي في واقعه بعد أن كان الأمل للناس، ونهضت أحزاب بعد أفول.

سئل عن أهم العبر والأسباب التي أدت بمشروع دولة الحركة الإسلامية إلى الفشل، فأجاب أنهم أوتوا السلطة لكن “ما دخلنا بتربية للتقوى الأخلاقية ضد فتنة السلطة، ولا بهداية كاملة لأحكام السلطة”، يشير، حفظه الله، أن المشروع الإسلامي حمل بذور فشله بسبب ضعف تربية إيمانية، وغياب منهاج نظري متكامل لكيفية إدارة السلطة. ثم انتقد مسابقته وإخوانه لتولي دواليب الحكم، بينما الواجب أن “يتولاها قلة ولكن نحن هُرعنا إليها لأنها كانت جديدة بالنسبة لنا”. فالمستفاد من التجربة أن القلة من أبناء الصف الإسلامي عليها أن تتولى تدبير الحكم تحت أعين كثرة مبتعدة عن الشأن اليومي لتدبير السلطة، أو كما قال: “قلة تضبطهم كثرة في المجتمع “. اليوم يؤكد المفكر حسن الترابي أن كل توجه حزبه “أصبح أن لو فزنا في انتخابات قادمة بغالب المقاعد فيها، ما بعثنا إلى السلطة إلا بعضا قليلا منا وبقينا في مواقعنا في المجتمع، لأننا تركنا  في التجربة السابقة- المجتمع ضائعا، تركناه فارغا تماما”(6). وحول هذا الأمر ندندن، بل ينبغي أن تكون الدعوة سيدة على الدولة في مؤسسات لا تغرق أهلها في العمل المكتبي البيروقراطي اليومي، كما ينبغي أن تبقى في صحبة الشعب وخدمته، حاضرة برفقها ورحمتها وجهود أبنائها مع الناس ووسطهم، وشعارها أن “تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا. والعاقبة للمتقين”[القصص:83].

والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

(1) “سير أعلام النبلاء” 5/131

(2) ابن جرير الطبري: “تاريخ الأمم والملك” دار الكتب العلمية-بيروت. ط1/1407. 4/29

(3) أبو نعيم الأصبهاني “حلية الأولياء وطبقات الأصفياء” دار الكتاب العربي-بيروت. ط4/1405. 1/37

(4) محمد بن سعد “الطبقات الكبرى” دار صادر- بيروت. 3/283

(5) تاريخ الطبري – 2/569

(6) نصوص من حوار للدكتور حسن الترابي مع قناة الجزيرة في برنامج “بلا حدود” بتاريخ: 19/10/2005