يتمتع إخواننا الشيعة بإحساس مُرهف في حق المستضعفين والمظلومين. ولِمَ لا ووَلاؤُهم مطلق لإمام الزاهدين وقدوة العادلين مولانا علي كرم الله وجهه، ولوعتهم عميقة على المظلوم الأعز مولانا الحسين عليه السلام!

   لكن يا ليتهم! يا ليت! يا ليت! يقتبسون شَمَّةً من تسامح الإمام كرم الله وجهه الذي قال تعليقا على الآية الكريمة: “ونزعنا ما في صدورهم من غِل، إخوانا على سرر متقابلين” (سورة الحجر، الآية 47)، قال: أرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير منهم. ليتهم! ليت! ليت! يكفون عن سخافاتهم في حق أم المومنين وقد أكرم الإمام عليه السلام مقامها بعد وقعة الجمل وشرفها بخدمته الشخصية.

   ذلك الذي بدَرَ بين الصحابة رضي الله عنهم بـلاءٌ ما هو عبث. ومن السقوط في البلاء مداومة تنزيف ذلك الجرح الأليم واشتقاق سلوك الأجيال من أكداره.

   إن الله عز وجل يبتلي العباد بالقبض والبسط، وكل شيء عنده بمقدار،وما من حدَثٍ جَلَّ أو قَلَّ إلا وله مغزى ومعنى كوني وجودي دنيوي أخروي.

   والإيمان السوِيُّ هو الذي يعطي للقَـدَر الإلهي أدبَه، ولسعي العباد ومسؤوليتهم حقهما، في توازن وتعادل وحكمة. “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا تُرجعون؟” (سورة المومنون، الآية 115).

   من بلائه عز وجل التفاوت بين العباد في الأرزاق والقسمة في الدنيا. إن كان المادي، مثل ماركس مثلا، يتصفح التاريخ البشري ليُرَكِّبَ تفسيراً لآليات التظالم الطبقي، أصاب أو أخطأ، فالمومن يهتم قبل التحليل التاريخي الأرضي بِمعرفة المعنى لما يجري.

   لماذا خلق الله البشر الذين استجـابوا وآباؤُهم في النصف الجنوبي من الأرض، فيه الجدب والفقر؟ لماذا فتح أبواب كل شيء على الكافرين وضاقت الأسباب الأرضية بالمسلمين؟ أعبثٌ ذاك وصُدْفةٌ؟ أم دورة تاريخيـة بين مد وجزر لا معنى لها؟

   كلا والله! فالبلاء في الدنيا والحكمة، كشفها لنا أو لا، هي سنته تعالى في الكون والتاريخ، وتداوُل النصر والهزيمة، والموقع الجغرافي للمسلمين، والنفط، وكل ما يتحرك أو يسكن. وكُنْ بعد ذلك ذكيا لبيبا لتفسر جريان الأسباب ما شئت.

   يبتلي الله عز وجل المسلمين بالفقر.قال جل وعلا: “ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات. وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون” (سورة البقرة، الآيتان 155-156). يبتليهم بالرزايا ليرجعوا إليه عبيدا مطيعين متضرعين. ويبتلي الكافرين بالثروة والقوة فيطغَوْن ويستكبرون في الأرض بغير الحق. قال جل جلاله: “أيحسبون أنما نُمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات، بل لا يشعرون” (سورة المومنون، الآيتان 55-56). وقال سبحانه: “إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى” (سورة العلق، الآيتان 6-7).

   “الدنيا سجن المومن وجنة الكافر”. حديث رواه مسلم وغيـره عن أبي هريرة رضي الله عنه. هذا هو الأصل والمعنى. وعلى المومن، وعلى المسلمين، أن يقاوموا ظلم المستكبرين وعلوهم في الأرض ليكسبوا رضى الله عز وجل، لا أن يستكينوا للواقع كما تجر إلى ذلك العقيدة الجبرية التي فعلت بالأمة الأفاعيل. والرجل من يقاوم القَدَرَ بالقَدَر كما يقول الشيخ عبد القادر الجيلي رحمه الله. هو سبحانه قسَم الأرزاق قَدَراً، وهو سبحانه أمرنا أن نقاومَ ما يتظالم العباد ويطغَوْنَ. ويحكم ما يريد فيهم فيظهر من النتائج في الدنيا والآخرة ما استحق هؤلاء وهؤلاء.

   قال جلت عظمته: “نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضُهم بعضا سُخْرِيّاً. ورحمة ربك خيرٌ مما يجمعون. ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمان لبيوتهم سُقُفاً من فضة ومعارجَ عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسُرُرا عليها يتكئون وزخرفا. وإنْ كلُّ ذلك لَمَا متاعُ الحياة الدنيا. والآخرة عند ربك للمتقين” (سورة الزخرف، الآيات 31-35).

   يبسط الرزق سبحانه لمن يشاء ويقدِر، وبسطه لأبناء الدنيا أصل من أصلِ سنته في الخلق وابتلائِهم وامتحانهم. كما أن الجهادَ في سبيل الله والمستضعفين أصل من أصول شرعه. الحكمة الجمعُ في نظرة واحدة، لا تَنَاقُضَ، بين أمره الكوني القدَري وأمره الشرعي الجهادي. وما يُلَقَّاها إلا ذو حظ عظيم. وإلاَّ اتهمْتَ القَدَرَ، وخمُلْتَ في جَبْرِية عاجزة أو تمردت في قَدَريّة مارقة.

   يَفتِن المولى سبحانه أبناء الدنيا بزهرة الدنيا، فيَنْكَبُّون عليها ويقولون كما حكى عنهم الذكر الحكيم: “نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين” (سورة سبأ، الآية 35).

   ويكون أولَ مظهر من مظاهر الاستكبار الأنَفَةُ مِنْ عبـادة الله عز وجل. عِزَّة واستكبار هنا جزاؤهما الذل والعذاب هنـاك. قال تعالى: “إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخـرين” (سورة غافر، الآية 60). ويُكَذِّبُ المستكبرون آيات الله، ويدفعون في صدر رسل الله، ويظلمون عبـاد الله المستضعفين. إن دفَعَتْ بعضهم لإنكار الحق ووجود الله والدار الآخرة فلسفةٌ دهرية، أو تقليد لما كان عليه الآباء، أوْ تعليم في الطاحون الإلحادي، فغالب ما يمنع أبناء الدنيا من العبودية لله عز وجل تَسَرْبُلُهم في أنانيتهم واستكبارهم. قال جل وعلا: “والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون” (سورة الأعراف، الآية 36).

   يتقمصون الأنانية المستكبرة، أو تتقمصهم، فيتألهون ويؤلِّهُـون هواهم ومتاعهم وبضاعتهم وقوتهم. فيسعَوْن في الأرض فسادا، ينازعون الله عز وجل أوصاف الربوبية فيقصِمُهم هنا إن شاء بأيدي المستضعفين القائمين بالحـق، ويدَّخر لهم عذاب الآخرة وهوانها. روى مسلم وأبو داود عن أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال تعالى: “الكبـرياء رِدائي والعظمة إزاري. فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار”.اللفظ لأبي داود هنا.

   يبدأ النزاع والظلم من جانب المستكبرين على عهد الرسل عليهم السلام، ويشتد النزاع والظلم كلما تجددت الدعوة كما هو الشأن في مقاومة المغربين والعالمِ المستكبرِ الصحوة الإسلامية في زمـاننا. قص الله تعـالى علينا نزاع مستكبري ثمودَ قومِ صالح عليه السلام قال: “قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استُضعفوا، لمن آمن منهم، أتعلمون أنَّ صالحا مرسل من ربه؟ قالوا: إنا بما أرسل به مومنون! قال الذين استكبروا: إنا بالذي آمنتم به كافرون” (سورة الأعراف، الآيتان 75-76).

   وينتهي الحوار بين المستكبرين والمستضعفين يومَ الحساب في الدار الآخرة: قال تعالى: “ولو ترى إذ الظالمون مَوقوفون عند ربهم يَرجعُ بعضهم إلى بعض القول. يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا: لولا أنتم لكنـا مومنين. قال الذين استكبروا للذين استُضعفوا: أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟ بل كنتم مجرمين. وقال الذين استُضعفوا للذين استكبروا: بل مكر الليل والنهار إذ تامروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً. وأسروا الندامة لما رأوا العذاب. وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا. هل يُجْزَوْن إلا ما كانوا يعملون” (سورة سبأ، الآيات 31-33).

   لماذا يمنع المستكبرون الناس من الإيمان ويمكرون عليهم بالليـل والنهار ليكفروا، وَيُدخلونهم في الطاحون الإلحادي؟ قصْد المستكبرين في كل عصر أن يحولوا بين الناس وبين عقيدة الإسلام التي تحرر العباد من كل عبودية لغير الله، وتأمرهم شريعته بجهاد كل متأله في الأرض، نفسيّاً كان هذا المتأله داخلياً أو معتدياً أثيماً خارجيّاً.

   لا يصح استعمال المصطلح القرآني التقابُلي مستكبرون/مستضعفـون إلا إذا كان الاضطهاد في الرزق وفي المقومات الأرضيّة مقترنا بالاضطهـاد في العقيدة والشرع، وإلا إذا كان المستضعفون الذين أُمرنا أن نقاتل في سبيل الله وسبيلهم مسلمين أو من أمة الدعوة الذين يُرجَى أن يميلوا إلى الإسلام ثقة ومحبة واقتناعا بإسلام مجاهدٍ ينصرهم في قضاياهم الأرضية الرزقية لتتفتح آذان عقولهم وقلوبهم فيسمعوا كلام الله وبلاغ الآخرة وبيان التحرر من كل عبودية لغير من له الكبرياء والعزة سبحانه.

   هكذا رتبتْ حكمة المولى سبحانه الأمور في التاريخ: أن يكون التفاوت والتناقض والتدافع. وأن يكون ابتلاء المسلمين أكثرَ شيء بالخَصاصة والنقص في الأموال والأنفس والثمرات. وأن تكون فتنة الكافرين أكثرَ شيء بالبسط في كل ذلك، فيطغَوْا في الأرض بغير الحق.

   ورتبت حكمته تعالى في عالم الأسباب عِلِّيَّةً مِعيارُها قيامُ العباد واجتهادهم وإعدادهم للقوة وكسبُهم ونشاطهم الاقتصادي وحِذْقُهُم، أو كسلهم وتهاونهم وتخلفهم وعجزهم. كما رتبت الحكم العَلِيَّة أسبابا أخرى خُلُقية باطنية غيبية تُؤَثر في الواقع الحسِّيِّ للمسلمين وتشكل سوط تأديب يهُشُّ به القَدَرُ العزيز عباد الله ليرجعوا إلى الله.

   قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتُليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخِذوا بالسنين وشدة المُؤْنة وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زَكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمْطَروا. ولم يَنْقُضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل بأسهم بينهم”. رواه الحاكم بسند صحيح وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما.

   تؤول أسباب استضعاف المستكبرين لنا إلى سببيْن:أصْلي عام هو ابتلاء الله المسلمين بالنقص من الأموال والأنفس والثمرات، وفرعي هو العقوبة على ما كسبت أيدينا مما يفصله هذا الحديث العظيم الجدير بالتأمل، الحامل على التوبة والتضرع والإسراع لتغيير المنكر الذي تنصبُّ علينا تبِعاته على شكـل قحط واستعمار وبأسٍ شديد بيننا وفرقة وعداوة.

   إننا بصدد التماس الطريق لسلوك إسلامي يسدد خطانا في الحكم لكيلا تجرفنا السياسة إلى مهاوي الغفلة عن الله عز وجل. حضورنا الدائم مع سنته تعالى، وذكرنا له، واستحضارُنا لحكمته، سواءً كشفها لنا بالوحي وفصلها أو أجْملها، عاصِمٌ من أن نصبح كالناس فيَكِلَنا الله إلى أنفسنا. بذكرنا الدائم لحكمة الله وسنته في الكون ننطلق للجهاد في تحصيل أسباب القوة في دُنْيانا مطمئنين إلى أخرانا.

   بلّغنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بشارة ينبغي أن نعتز بها ونفرح، بشرط أن لا نتخذها سَلْوة وذريعة للاسترخاء. قال صلى الله عليه وسلم: “أمتي أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة. عذابها في الدنيا الفتنُ والزلازل والقتل”. رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي موسى رضي الله عنه.

   ومن حديث أنس عنه صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله لا يظلم المومن حسنة، يُعْطَى عليها في الدنيا، ويُثاب عليها في الآخرة. وأما الكـافر فيعطيه حسناته في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له بها حسنة يُعطَـى بها خيرا”. رواه الإمام أحمد رحمه الله. الحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان.