تقديم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه (وبعد):

فقد وقعت على كتاب للمسمى: “أبو جميل السجلماسي” سماه: “العدل والإحسان من الخلافة إلى الخرافة، أو تنبيه الوسنان إلى منامات العدل والإحسان وبيان ما فيها من الزراية والبهتان”، زعم فيه أن رؤى أهل العدل والإحسان ومشاهداتهم هي منامات ومشاهدات فاسدة، ناشئة عن تلبيسات إبليس، وأن لا ميزة لهم لتكون مناماتهم مبشرات ورؤى صالحات، وأن احتجاجهم بحديث الخلافة ما هو إلا ضرب من الشعوذة والخرافة، ثم راح يؤول ما نشر على المواقع الإلكترونية للجماعة على هواه بأسلوب ساخر متهكم؛ لينهي كلامه مشاغبا على تأليف أخينا الأستاذ “محمد بن الأزرق” الموسوم بـ”الدلائل الواضحة على سنة الاستدلال والعمل بالرؤيا الصالحة”، ثم ما لبث أن ظهر في استجواب مع جريدة الأيام في العدد 198 ليحذر من خطورة الأستاذ عبد السلام ياسين على “عقيدة المسلمين”، موافقا بذلك دوائر المخزن وما كانت تُرَوجه من إشاعات ضد الأستاذ في بداية تأسيسه للنواة الأولى لجماعة العدل والإحسان أي “أسرة الجماعة”، وعلى أساس تلك التهمة وأخواتها حوكم لمرات… فلله در أبي جميل على هاته الموافقة العجيبة.

ولقد كانت جريدة الأيام في جل أسئلتها التي طرحتها على صاحبنا السجلماسي تبحث عن المسكوت عنه في الكتاب المذكور، وتحاول أن تمحص الخلفيات أو الأهداف التي يتوارى خلفها السيد أبو جميل ومن لف لفه, وقد سلك طريقا رخيصا في خلافه مع “العدل والإحسان”، فعِوض أن يرد ما يراه “بدعة في الدين” وما نراه “صوابا يحتمل الخطأ” بأسلوب علمي نزيه، يدحض فيه حجج مخالفيه؛ راح يكيل الشتائم للمؤمنين وينتهك أعراض الصالحين؛ حتى أورد قاموسا كاملا من السباب الفاحش الذي يكشف عن سوء الطوية؛ وانعدام التربية عند أمثال هذه النابتة، التي تأذت منها أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم في كافة بلاد المسلمين، فبئست البضاعة وبئس المورد.

نجزم بداية أن هاته المجادلات تكشف عن عوج في الفهم وزيف في الوعي، أورثه الغرور والعُجب وحب الظهور، والادعاء الكاذب بالدفاع عن الدين والجهاد ضد الصوفية والخرافة والبدعة، وفق منهج يصب الناس في قالب واحد، ويحملهم على فهم واحد ووحيد من الأفهام المختلفة التي تحتملها النصوص.

إن المناقشة التفصيلية لأبي جميل تحتاج إلى إسالة مداد كثير، لكثرة هناته وسقطاته القاتلة، لكن هَمَّ هاته المقالة لا يتغيى ذلك -لأننا بصدد تهييىء دراسة شاملة تفي بالغرض- وسأكتفي هنا بالتركيز على ملمحين اثنين, أُنبه أخي السجلماسي إلى أن الإصرار عليهما يصيبان عقيدته في مقتل:

الملمح الأول: التشكيك في حديث الخلافة واعتبارها مجرد خرافة:

أول ما يثير القارئ، طبيعة العنوان الذي يحمله الكتاب، فقد جاءت صياغته على طريق النكاية والتهكم، وعموما فصياغته تلخص شكل الكتابة ومضمونها عند “الدكتور” من خلال إسقاط كل مثالب وأزمات العقل الخرافي على “جماعة العدل والإحسان”.

نهمس بداية في أذن صاحبنا أن: “حَدَّ ما بين الخرافية التي عاشت عليها أجيال من المسلمين في عصور الانحطاط وما بين الإيمان بالغيب وظهور الخوارق؛ أن الخرافية استرسالٌ في الخيال والأحلام, بينما تمثل الكرامة على يد الأتقياء حافزا على العمل وبرهان صدق وعربون صواب”(1)، ونُعْلِمُه ثانية أن: “من استهان بالمرائي الصالحة واعتبرها من الخرافات, كان مبتدعا ضالا منحرفا، إذ كيف تكون من الخرافات والقرآن الكريم والسنة النبوية ينصان على أنها بشارة من الله تدل على ولاية صاحبها لله عز وجل” (2).

إن صاحبنا يلتقي في ادعاءاته هاته بشكل عفوي مع اليسار الماركسي الذي يتهم بدوره الأستاذ عبد السلام ياسين بالخرافة والتشبع بالميتافيزيقا. وإذا كان العذر لحملة الفكر الماركسي أنهم قليلو الاطلاع على مراجع الفكر الإسلامي ومصادره؛ فتلتبس عليهم الرؤى والمفاهيم؛ فما عذر دكتورنا المحترم في اتهام إخوانه المسلمين بدعاوى لا أساس لها من الصحة؟. إنه ليس من المصادفة في شيء أن يكون عنوان كتاب صاحبنا “من الخلافة إلى الخرافة” مشابها لسلسلة أحاجي سعيد لكحل “عبد السلام ياسين من الدروشة إلى القومة” في الجريدة “المعذبة الحائرة: أ.م” حيث أصبحت جماعة العدل والإحسان موضوعا قارا في جل أعدادها. إنه لأمر ملفت للانتباه حقا، أن تتفق جهات متباينة المشارب, متناقضة التوجهات, وتتوحد في إعمال معاول الهدم والنقض لمفهوم “الخلافة على منهاج النبوة”؛ فهذا يعتبرها شعارا سياسيا طوباويا، وذاك يعتبرها خرافة مضحكة أو خلافة صورية، إلى غير ذلك من الاتهامات الباطلة.

الخلافة يا صاحبي وعد نبوي وبشارة غيبية يستضاء بها في عتمة الجبر والجور الذي أصاب أمتنا في مقتل؛ فشَلَّ منها إرادة العمل, وضيَّق عليها فسحة الأمل. والمؤمن -كل مؤمن- مأمور أن يكون متفائلا لا متشائما، مستبشرا لا يائسا، لأن التشاؤم حالة نفسية لا يرضاها الله عز وجل لعبادة المؤمنين، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن، ويدعو إلى التبشير بدل التنفير، والتيسير بدل التعسير، ويحتفي بالرؤيا الصالحة ويُعظِّم شأنها.

تحقيقا لهاته السنة المباركة, عملت جماعة العدل والإحسان على نشر مجموعة من الرؤى المبشرة بالغد الزاهر للإسلام, والمنبئة بقرب عودة الخلافة على منهاج النبوة كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

من هاته الرؤى التي لم تستسغها حويصلة صاحبنا الضيقة, تلك التي يقول فيها أحد الإخوة “رأيت فيما يرى النائم كأني في سجن ومعي الإخوان السجناء وكأننا في رباط, فقال لي أحد الإخوة احفظ جيدا فلم يبق إلا ست سنوات… ففهمت أن مراده الخلافة”.

بغض النظر عن تأويل هذه الرؤيا وغيرها، فإن إقدام الجماعة على إصدار كتاب “سنة الله” للأستاذ عبد السلام ياسين فيه رد صريح على كل الخائضين في الماء العكر والمنكرين لما أثبتته ودلت عليه السنة الصحيحة المتواترة, لقد جاء هذا الكتاب ليثبت أن الخلافة على منهاج النبوة لا تأتي بالانتظار والاتكالية والتعويل على الرؤى والمنامات, بل إنها لا تتحقق إلا بالعمل الجاد والمسؤول, وحسن التدبير والتصرف وفق السنن الإلهية التي أشار إلى الكثير منها القرآن الكريم وفسرتها السنة المشرفة.

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم موقنا بالنصر، لكنه لم يركن لذلك وحده, بل بذل جهده في الأخذ بالأسباب وتهييئ الشروط اللازمة للتغيير. إن كتاب ربنا يدعونا للسير في الأرض والاعتبار بالأمم السابقة، وذلك ما فعلته جماعة العدل والإحسان، ففي زمن قياسي استطاعت أن تكسب الأنصار, وتحوز ثقة المغاربة, وتتوسط الميدان وتصبح أكبر قوة سياسية في البلاد تروم التغيير من أوسع أبوابه, وتتطلع للخلافة على منهاج النبوة؛ غير مكترثة بتشكيك المشككين أو تثبيط المثبطين. ولقد حذر بعض العلماء مثل الشيخ: “عبد الله ناصح علوان” من دعاة التشكيك في الأحاديث الصحيحة -وحديث الخلافة واحد منها- فهناك من يشكك في قرب زمانها, ويستبعد أوانها باعتبارها مطمحا بعيد المنال يستحسن أن يؤجل عنه الكلام، أو أن معطيات العصر لا تتواءم مع ذلك النموذج والمثال، وكأن الجماعة تروم المحال؛ وبذلك يبرهنون على ضعفٍ في الإيمان ونقص في اليقين بموعود الله ووعده، يبرهنون على أنهم لا يرون أبعد من مواقع الأقدام. أما أهل اليقين, المؤمنون بالغيب, المصدقون بقدرة الله تعالى, يشاهدون فعله عز وجل في أنفسهم وفي العالم من حولهم، يشاهدون فعله في حركة التاريخ ومداولة الأيام, يشاهدون تدبيره في كل صغيرة وكبيرة من هذا الوجود.

إن بشائر الخلافة ليست غيبية فحسب، فما يُحدثه الله عز وجل في واقع الناس من أحداث, وما يتقلب فيه من مفاجآت كلها في قبضته ووفق حكمته ومشيئته, تنبئ عن بداية دورة حضارية جديدة يكون فيها الإسلام قائدا وسائدا، فهذه الأحداث تتوالى والزمان يتقارب, ونداء الحق يخطو بنا إلى موعود الله ورسوله “أتى أمر الله فلا تستعجلوه” (3).

الملمح الثاني: تسطيح مسائل العلم وتعجيز القدرة الإلهية:

يحلو لبعض الناس أن يصوروا مواقف الجماعة وأفكارها بشكل يُفهَم منه أن هذه الجماعة المنصورة بإذن الله، تَبني كل مواقفها على الرؤى والمشاهدات, وعليه فإنها لا تُقدم على أمر حتى يأتيها فيه من الغيب خبر، بل وتوجيه وإرشاد لما يجب فعله وما لا يجب بشكل تفصيلي دقيق, وهذا أمر مثير للضحك فعلا، فالجماعة لم تكِل النصر والعودة الحاسمة للإسلام إلى الرؤى والمبشرات فقط, بل أوكلت ذلك للعمل الذي استغرق منها ما يقارب الثلاثين سنة، قضتها في الدعوة والتربية وتأليف القلوب والتكوين والتأطير, والشهادة على الناس بالقسط, والثبات في الميدان تحملا ومدافعة، وأدت على ذلك ثمنا باهضا من حرية أعضائها وأرزاقهم, وتهشيم عظامهم في المواقف الخالدة التي يشهد بها تاريخ هذا البلد الأمين.

إن نصر الله إنما يتنزل على المجاهدين العاملين لإعلاء كلمة الله في العالمين, المستبشرين بالرؤى الصالحة كما استبشر بها السابقون من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال ابن حجر رحمه الله في شرحه لحديث الرؤيا: “قال المهلب ما حاصله: التعبير بالمبشرات خرج للأغلب، فإن من الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يُريها الله للمؤمن رفقا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه. وقال “ابن التين” معنى الحديث أن الوحي ينقطع بموتي ولا يبقى ما يُعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا”(4), أما حين تتواتر هذه الرؤيا عن مجموعة من المؤمنين, وتتواطأ رؤاهم عليها بحسب ما يستفاد من حديث “التماس ليلة القدر” فإن هذا يدل على صدقها, قال ابن حجر: “ويستفاد من الحديث أن توافق جماعة على رؤيا واحدة, دال على صدقها وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الأخبار من جماعة”(5) ويقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: “وإذا تواطأت رؤيا المسلمين لم تكذب”(6) ويضيف قائلا: “ورؤيا الأنبياء وحي فإنها معصومة من الشيطان, وهذا باتفاق الأمة، ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام بالرؤيا. وأما رؤيا غيرهم فتُعرض على الوحي الصريح، فإن وافقته وإلا لم يُعمل بها, فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقة، أو تواطأت؟ قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي، بل لا تكون إلا مطابقة له منبهة عليه، أو منبهة على اندراج قضية خاصة في حكمه، فيتنبه بالرؤيا على ذلك”(7), ثم يعلق: “فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطؤ روايتهم له, وكتواطؤ رأيهم على استحسانه واستقباحه, وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحا فهو عند الله قبيح”(8).

لقد استعبدت العقلانية فكر النخبة -وجزء عريض من الإسلاميين ضمنهم- وجرفهم تيارها, فأقفرت قلوبهم من الإيمان بالغيب والتصديق به، وهذا لعمري من غربة الدين في زمن تأله المادة وعبادة العجل الذهبي, وإلا ما معنى أن يخصص أهل الحديث دواوين وكتبا للرؤيا والتعبير, ما معنى أن يتكاتب بها العلماء العدول بينهم عبر مراحل التاريخ ويضمِّنوها كتبهم ومذكراتهم؟ ما معنى أن يُكثر السؤال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الصبح من كل يوم؟ و لماذا يوبخ عبد الله بن عمر نفسه, إذ لم ير مثلما رأى غيره من الصحابة الكرام؟ بل وما الداعي إلى أن ينبه الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته للاعتناء بسنن الفطرة بعد أن مُنعوا من الرؤى مدة ؟ وهل كان “أُسيد بن حضير” الصحابي الجليل يهذي لما قرأ القرآن مرة فجالت فرسه, وخشي أن تطأ ابنه, فقام إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسه, فيها أمثال السرج عرجت في الجو ما يراها, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم “تلك ملائكة تسمع إليك ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر عنهم(9). وهل كان “حبيب بن عدي” رضي الله عنه مهلوَسا عندما أُسر من قبل المشركين بمكة فكان “يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنبة” (10)، ثم هل كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه, في حالةٍ من الشطح وهو يتحدث صدفة من على المنبر قائلا لقائد جيشه “سارية” وقد أوشك العدو أن ينال منه: “يا سارية الجبل، يا سارية الجبل”. فأسندوا ظهورهم به -أي بالجبل- فنُصروا وانهزم عدوهم” (11).

إن الله جلت عظمته يسوق الكرامات والمبشرات إكراما لعباده المؤمنين تثبيتا لهم وتأييدا لمسيرتهم. وقد روى النووي بإسناده عن زكريا الساجي: “كنا نمشي في أزقة البصرة إلى بعض المحدثين, فأسرعنا المشي ومعنا رجل ماجن, فقال ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة(12) لا تكسروها كالمستهزئ, فما زال عن موضعه حتى جفت رجلاه وسقط.”(13)

إن من أصول أهل السنة والجماعة, التصديق بكرامات الأولياء وما يُجري الله على أيديهم من كرامات؛ ومنها الرؤى والمشاهدات, وهذا أمر ثابت بالنصوص الشرعية وإقرار علماء هذه الأمة وصالحيها في كل زمان, قال الطماوي رحمه الله: “ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم”(14) فما هو المأخذ الشرعي إذن على الرؤى التي ساقها صاحبنا في كتابه؟ وما المانع أن تكون كراماتٍ لأصحابها إلا الظن السيء بقائليها, والتأويل المتعسف لها, والتنقيص من خبر الغيب.إن الرؤى التي نشرت, منطوقها ومفهومها؛ لا يخالف حكما شرعيا ولا يعارض معلوما في الدين, وكان الأولى بصاحبنا أن يرجع فيما أشكل عليه من أمر الرؤى والمشاهدات إلى أهل العلم والذكر المعتبرين ليبينوا له -إن كان يريد أن يعرف فعلا- جلية الأمر, ويزيلوا ما في نفسه من الشذوذ والشبهة, ولله در الدكتور عبد الله عزام حين ألف “آيات الرحمان في جهاد الأفغان” وكتب عن كراماتهم فهاجمه أتراب صاحبنا, فمن قائل “أن قضايا الكرامات تؤدي إلى التواكل” ومن قائل “إن نشر هذه القصص يؤدي إلى انتشار البدع والخرافات” ومن قائل “إن نشر هذه القصص يثير سخرية أعداء الإسلام(15), وقد رد عليهم رحمه الله, مفحما ادعاءاتهم بالأدلة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم, وأكد “عبد رب الرسول سياف” في تقديمه للطبعة الخامسة من كتاب “آيات الرحمان” هذا الأمر مجيبا عن هذه الشبهات بقوله: “وأما الذين يشككون في هذه الكرامات, فأنا لا ألومهم لأنهم غارقون في نظراتهم المادية, بعيدون عن واقع الجهاد، ولا يعرف الشوق إلا من كابده, ومن ذاق عرف, وليس من رأى كمن سمع”(16). ومعلوم أن الرؤيا المخبرة “أن الخلافة ستكون في 2006” أولتها الجماعة على أن “حدثا مهما سيقع في هذه السنة، فيه مصلحة كبيرة للمسلمين” ولم تدخل في التفاصيل, كما لم يرد على لسان أي مسؤول من مسؤوليها ما يدل على أن الخلافة ستقع في 2006, كما ذهب إلى ذلك صاحبنا ومن شايعه من المغرضين والحاقدين على هذه الجماعة المؤيدة بتوفيق الله ونصره.

إن في القرآن الكريم وتاريخ المسلمين مالا يحصى من الشواهد المنبئة عن احتفال المؤمنين بالرؤى واستبشارهم بها, فمدار سورة يوسف على رؤيا رآها, تتحقق بعد سنوات, يمتحنه فيها الحق سبحانه, قال: “ابن عبد البر” رحمه الله “وقد أثنى الله عز وجل على يوسف بن يعقوب وعدد عليه بعضا من النعم التي أتاه, ومنها التمكين في الأرض وتعليم تأويل الأحاديث”(17), قال تعالى: “ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين”(18). تندرج في نفس الإطار رؤيا “عزيز مصر” وهي من الرؤى الكونية المتعلقة بالسياسة الاقتصادية, والتي كان فيها خلاص البلاد والعباد, حيث حلت معضلة اقتصادية تعدت حدود المملكة, ونشير أيضا إلى رؤيا عاتكة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم, والتي رأت فيها الهزيمة المنكرة لقريش, وهلاك قادتها في غزوة بدر الكبرى, فارجع إلى القصة كاملة في السيرة النبوية لابن هشام (المجلد 1/ ص182-183-184) واقرأ واعتبر إن كنت ممن يصغون السمع لصحيح السيرة وخبرها, فبعد مرور ست سنوات على هجرة الرسول الكريم, رأى صلى الله عليه وسلم رؤيا مفادها أنه سيدخل الكعبة هو وأصحابه محلقين رؤوسهم ومقصرين, وحدثهم بذلك, فاستبشروا وفرحوا, وجاء الوحي بتصديق هذه الرؤيا والإخبار بوقوعها, قال تعالى “لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون, فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا”(19). وهذا ابن تيمية رحمه الله الذي ينتسب إليه السلفيون الوهابيون زورا وبهتانا, لأنهم يفسرونه تفسيرهم الخاص, يتحدث عنه تلميذه ابن القيم مخبرا عن فراسته وكراماته, بشكل لا تكاد معه هذه الرؤى تذكر أمامها قال: “أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة، وأن جيوش المسلمين تكسر, وأن دمشق لا يكون بها قتل عام ولا سبي عام، وأن كَلََب الجيش وحدته في الأموال, وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة. ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام, أن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظفر والنصر للمسلمين, وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا, فقيل له: قل إن شاء الله, فيقول إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. وسمعته يقول ذلك, قال: فلما أكثروا عليه, قال: لا تكثروا، كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكَرة, وأن النصر لجيوش الإسلام, قال: وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو. وكانت فراسته الجزئية في خلال هاتين الواقعتين مثل المطر, ولما طُلب إلى الديار المصرية وأريد قتله, بعدما أُنضجت له القدور، وقُلبت له الأمور: اجتمع أصحابه لوداعه وقالوا قد تواترت الكتب بأن القوم عاملون على قتلك. فقال والله لا يصلون إلى ذلك أبدا قالوا: أفتحبس؟ قال: نعم ويطول حبسي, ثم أَخْرُجُ وأتكلم بالسنة على رؤوس الناس, سمعته يقول ذلك. ولما تولى عدوه الملقب بـ”الجاشنكير” المُلك أخبروه بذلك, وقالوا: الآن بلغ مراده منك, فسجد شكرا وأطال, فقيل له ما سبب هذه السجدة؟ قال:هذه بداية ذله ومفارقة عزه من الآن، وقُرب زوال أمره, فقيل متى هذا؟ قال لا تُربط خيول الجند على القرط حتى تغلب دولته. فوقع الأمر مثل ما أخبر به, سمعت ذلك منه.”(20). ويقول: “وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه, ولم ينطق به لساني وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل ولم يعين أوقاتها، وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقيتها”(21).

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: “وهذا الذي جاءت به النصوص الهادية, أيده ويؤيده الواقع المشاهد، فلا تزال تجارب الناس في كل مكان وفي كل زمان إلى يومنا هذا, تثبت أن هناك رؤى تتنبأ بأحداث وأشياء, ثم ما تلبث أن تتحقق, وما منا إلا من شاهد من نفسه وممن حوله شيئا من هذا الجانب, ومن لم يشاهد ذلك من نفسه، سمعه من كثيرين غيره من الثقات ومن شتى الفئات، ممن لا يعقل تواطؤهم على الكذب…, ولهذا يكون من التهور والتسرع الذي لا يليق بإنسان يحترم نفسه ويحترم تجارب البشر، ويحترم مواهب النوع الإنساني, المبادرة بإنكار الرؤيا الصادقة إنكارا كليا، لا يقوم على أساس ولا برهان, إلا جحد ما وراء الحس والانحصار في قمقم المادة الكثيفة، وعدم الثقة بما وهب الله الإنسان من قدرة على اختراق حاجز الزمان والمكان, واستشفاف بعض ما وراء عالم الشهادة مما يخبئه عالم الغيب”(22). و يقول سعيد حوى رحمه الله: “والسالكون إلى الله عز وجل والسائرون إليه والمقبلون عليه, حظهم من الرؤى المبشرة كبير”(23).

على سبيل الختم:

نتوجه في الختام بالنصح لصاحبنا أن يتعلم قبل أن يتصدر لتعليم أسياده، فسقطاته وزلاته أكثر من أن تحصى, منها ما هو مرتبط بعقيدته, ومنها ما هو مرتبط ببضاعته العلمية المزجاة، ورحم الله من عرف قدره, فإن المتطفل على علمٍ ليس له إليه من سبيل, يعد متنطعا في الدين، وعليه يصدق كلام علمائنا الأجلاء: “من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب”, أما صاحبنا فقد أتى بالعجائب في فن يدعي أنه من فرسانه, فما بالك بالميادين التي ليست في متناوله, ومنها تلك القضايا المرتبطة بالبحث التاريخي, السياسي والاجتماعي, والشأن العام وقضاياه. مقالتنا هاته بداية لرد يأتي على ادعاءاته من القواعد -مادام قد طلب ذلك في نهاية استجوابه- ولنا معه عودة في القريب إن شاء الله.

والحمد لله أولا وآخرا.

الهوامش:

(1) الإحسان 1 عبد السلام ياسين ص 413.

(2) ذكريات من حياتي ص 116 سيدي عبد الله التليدي حفظه الله.

(3) سورة النحل الآية 1.

(4) فتح الباري ج14 ص402.

(5) فتح الباري ج14 ص407.

(6) مدارج السالكين ج1 ص51.

(7) نفسه.

(8) الروح ابن القيم ص9.

(9) انظر الحديث في حياة الصحابة 3/548 والترغيب 3/13.

(10) رواه البخاري عن أبي هريرة.

(11) رواه البيهقي في الدلائل، قال ابن حجر في الإصابة: إسناده حسن.

(12) استهزاءً منه بحديث “إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع”.

(13) فيض القدير ج2 ص393.

(14) شرح الطحاوية 2/745.

(15) آيات الرحمان في جهاد الأفغان ص36.

(16) آيات الرحمان ص6.

(17) التمهيد كما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج1 ص313-314 بتصرف .

(18) سورة يوسف الآية 22.

(19) سورة الفتح الآية 27.

(20) المدارج ج2 ص489.

(21) المدارج ج2 ص490.

(22) موقف الإسلام من الإلهام والكشف والرؤى القرضاوي ص123.

(23) تربيتنا الروحية ص189.