أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 25 نونبر يوما عالميا للقضاء على العنف ضد المرأة – قرار 54/134- والذي دأبت المنظمات النسائية العاملة في مجال حقوق الإنسان على الاحتفال به منذ 1981 إحياء لذكرى الاغتيال الوحشي سنة 1961 للشقيقات الثلاث ميربال اللواتي كن من السياسيات الفاعلات في الجمهورية الدومينيكية على يد الحاكم الدومينيكي روفايير تروخيليو.

   ويقوم مركز القيادة العالمية للمرأة سنويا بحملة عالمية ابتداء من يوم 25 نونبر إلى 10 دجنبر اليوم العالمي لحقوق الإنسان تحت عنوان “ستة عشر يوما من العمل للتصدي للعنف النوعي” تهدف إلى التنبيه إلى مخاطر العنف ضد النساء من خلال تنظيم أنشطة متعددة سياسية وثقافية وفنية، وإعداد برامج إذاعية وتلفزيونية، وتقديم عرائض وتنظيم محاكمات، وإنتاج ملصقات وقمصان وغير ذلك مما يثير الانتباه إلى حق المرأة في حياة كريمة، آمنة، خالية من العنف والتعسف.

   والحقيقة أن المرأة تعيش معاناة ومأساة على جميع المستويات، ولا يسع المرء إلا أن يضم صوته إلى كل الغيورين، والجمعيات الفاضلة وغيرها من الذين ينادون برفع الحيف عن المرأة وتحريرها مما حل بها.

   ولا شك أن العدل والإحسان في شخص قطاعها النسائي ومختلف مؤسساتها جادة في مسعاها لإعادة الاعتبار للمرأة والرفع من شأنها، وتنظم من أجل ذلك عدة أنشطة على مدار السنة. كما تحاول إشراكها بفعالية في مختلف المجالات التربوية والثقافية والاجتماعية والسياسية. وتمثيلها في كل المؤسسات المسؤولة لتعطي بذلك القدوة والنموذج الذي ينبغي أن يقتفى أثره، والمستمد من نور وهدي الإسلام الذي حرفته ممارسات واجتهادات خاطئة تراكمت عبر التاريخ.

   غير أن تقاسمنا لهذه الهموم مع فضلاء العالم لا يعني بالضرورة اتفاقنا على نفس المفاهيم والمنطلقات والأهداف. فالمرجعية الإسلامية، وهي غير المرجعيات المادية، سطرت للمرأة طريقا للسعادة تتأسس على نشدان الكمال القلبي الإحساني وتمتد إلى ما بعد الموت، وهي غير السعادة التي ترنو إليها الكثير ممن تحررن من كل دين،منتهى سعادتهن أن تهزم المرأة هذا الرجل الذي تسلط عليها وقهرها وتتساوى معه في كل شيء عساها تضع حدا للعنف الناجم عن علاقات القوة غير المتكافئة بين الجنسين.نظرة توحي بوجود معسكرين متصارعين: معسكر يقوده الرجل الظالم المتعسف، ومعسكر آخر تقوده المرأة الضحية المقهورة. بينما الإسلام يوصي بالتكامل والتعاون. يقول تعالى: “والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض، يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويوتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله،إن الله عزيز حكيم” التوبة: 71.

   فـ”عدل الإسلام وإحسانه يريدان عالما واحدا تسوده الرحمة والمودة لا النزاع والعداوة” – تنوير المؤمنات للأستاذ عبد السلام ياسين ج 1/80 -.

   وهذا لا يمنع أن نتعاون وننسق مع غيرنا من فضلاء العالم فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه. فلكل شعب خصوصيته وهويته لا يجوز تجريده منها تحت أية ذريعة، أو إجباره على تلبية رغبة الأقوياء في الهيمنة على العالم وعولمته على جميع المستويات تحت غطاء الانسجام مع حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا. حقوق مبنية على اتفاقيات وبنود لم يشارك المسلمون حاملو رسالة الإسلام في إبرامها وصياغتها، وإنما تعارفت عليها دول منتصرة قوية تؤمن بتقسيم الدول إلى سيدة ومسودة، والشعوب إلى بدائية ومتحضرة.

   أنتهز إذن هذه المحطة الدولية لأعلن تضامني من وراء القضبان مع كل نساء العالم المضطهدات والمعذبات، وأخص بالذكر المرأة المسلمة التي ما زالت تعيش ومنذ أمد بعيد تحت نير سلطة القهر والعنف بكل أشكاله وألوانه حتى أضحى جزءا من هويتها وحياتها.

   وهي مناسبة أيضا للتحدث عن ماهية العنف ضد المرأة ورصد بعض الإشارات حول موقف العدل والإحسان منه. على أن أتناول في وقت لاحق مظاهره، وأسبابه، ثم المدخل إلى القضاء عليه.

ماهية العنف ضد المرأة وموقف العدل والإحسان منه

   لقد عرفت الجمعية العامة للأمم المتحدة – رقم 48/104 – العنف ضد المرأة في المادة الأولى من الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة بأنه “أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس، ويترتب عليه أو يرجح أن يترتب عليه أذى أو معاناة للمرأة سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية، أو النفسية بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة”.

   وهذا التعريف مهم، وشبه شامل حيث أثار الدافع إلى العنف والنتائج المترتبة عليه وبعض مظاهره ومجاله. إلا أنني أؤاخذ عليه أنه حصر الدافع إلى الفعل العنيف في عصبية الجنس مما قد يفيد أنه نتاج علاقة غير متكافئة بين الجنسين، في حين أن العنف ضد المرأة قد يصدر من المرأة نفسها مثل العنف الذي تمارسه بعض النساء في حق خادمات البيوت لمجرد أنهن مستضعفات ومحتاجات. فضلا على أن الدافع قد يشمل عوامل متعددة من قبيل الإرث التاريخي والتنشئة الاجتماعية والمعتقدات الخاطئة وغيرها. كما أنه لم يشر إلى الآثار البعيدة للعنف المتمثلة في إعاقتها عن أداء رسالتها، ولا إلى مصادر هذا العنف.

   وبناء على هذا، وانطلاقا من الصورة التي رسمها الإسلام للعنف ضد المرأة في نصوص كثيرة أوصت بها خيرا وحرمت معاملتها بسوء يمكن تعريف العنف ضد المرأة بأنه كل فعل أو سلوك متعمد أو غير متعمد موجه إلى المرأة لكونها امرأة أو مستضعفة، ويتسم بالقوة والحقد والعدوانية والكراهية مما يسبب لها أضرارا مادية أو معنوية تكون لها آثار سلبية على مكانتها ومستقبلها وأداء رسالتها، ومساهمتها في البناء سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع. وقد يصدر هذا العنف من قبل أفراد أو جماعات أو دول، وقد يكون منظما أو غير منظم.

   والحقيقة أنه منذ أربعة عشر قرنا وديننا الحنيف يحث على الرفق والرحمة بالنساء، ونبذ العنف بكل أشكاله في معاملتهن.إلا أنه مع مرور الزمن حدثت انحرافات خطيرة، في مقدمتها الانكسار التاريخي المعضد بفقاء السلطة، فتدهور وضع المرأة وانحط المجتمع، وامتنع الناس عن الاغتراف من المنبع النبوي الصافي، فظلمت المرأة وتعسف عليها، واعتبرت شيطانا، وسد عليها الباب وأغلق بإحكام اتقاء لشرها وفتنتها، بعد أن كانت في عهد النبوة فقيهة وعالمة،ومربية فاضلة، وتاجرة، ومشاركة في الجهاد والقرار والبناء.

   ولا تزال المرأة إلى يومنا هذا تعاني من الاضطهاد بكل أشكاله، وأصبحت من أكثر المواضيع جدلا في الساحة الفكرية. وتختلف حولها الآراء وتتضارب أحيانا حسب المنطلقات والمرجعيات المعتمدة. ولن أبالغ إن قلت أن موقف العدل والإحسان من قضية المرأة ومظلوميتها جد متقدم مقارنة مع العديد من النداءات أو الدعاوي أو المبادرات الظرفية التي تحول مظلوميتها والتعسف الممارس عليها رهانا في سوق السياسة. وهو موقف تنطق به في أدبياتها وتجسده عمليا على أرض الواقع.

   فإذا كان الفقه المنحبس قد اعتبرها في أحسن الأحوال عورة، والملك العاض ثم الجبري قد حولاها إلى جواري وحريم أضحين بمثابة وقف على الرغبات الجنسية “للخليفة” أو “الأمير” أو السلطان أو الملك. فكرسوا دونية المرأة ومسخوا كرامتها وأهانوها. فإن العدل والإحسان قد استمدت موقفها من هدي الله ونوره متجاوزة أطروحات الملك العاض والجبري والفقه المنحبس المتسلح بفقه سد الذرائع الذي قرأ النصوص قراءة سطحية لا تعتبر مقاصد الشريعة، ولا تلامس جوهر الدين ولا مصالحه المرسلة. فالنموذج الذي ينبغي أن يحتذى به هو ذاك الذي صنعته تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث “كانت المرأة حاضرة أقوى حضور يومئذ. لم تكن حبيسة بين الجهل والاستقالة من الحياة. كانت المرأة تمارس السياسة في أكمل مظاهرها إذ كانت تناهض الوضع القائم، بل كانت مؤسسة لمشروع قلب العالم. كانت روحا من روح التعبئة، وطاقة من طاقات الجهاد” – تنوير المؤمنات 2/311،312 -.

   فالعدل والإحسان ترى أنه لا يجوز للرجل مطلقا التعنيف على المرأة أو إهانتها، بل تكرم “ولا يهينها إلا لئيم ناقص. تعامل بالإحسان، إحسان الرجل الروحي يفيض عليها رفقا وعطفا ومحبة وودا” – تنوير المؤمنات 1/169.

   وإذا كان البعض يتخذ من بعض النصوص متكأ للتعسف على المرأة وإهانتها واعتبارها ناقصة دين وعقل دون الاعتبار بالسياق الحقيقي الذي ورد فيه النص فإن العدل والإحسان تعد ناقص عقل ودين كل رجل عنف على المرأة وأذاها، يقول المرشد العام لجماعة العدل والإحسان الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله: “من يعنف على المرأة إلا رجل عار من المروءة، ناقص في الدين”- تنوير المؤمنات 1/169.

   كما أن ما قد يبدو تمييزا للرجل على المرأة في بعض النصوص الشرعية، وهو ما تصر بعض المنظمات النسائية على إدراجه ضمن الحيف والعنف الممارس على المرأة وتطالب بإلغائه والتسوية بين الجنسين، لا تعتبره العدل والإحسان إهانة للمرأة ولا تنقيصا منها إنما هو توزيع عمل وتخصص ليس إلا، بعد أن ضمن لها الشرع الحكيم كل الحقوق، وفي مقدمتها أن تعيش معززة مكرمة غير مهانة ولا مذلولة ولا مهمشة. يقول المرشد العام حفظه الله ” لك ضمان من الشريعة في حق كرامتك الإنسانية وحقك في التصرف في أموالك، وحقك في العمل والكسب إن ألجأتك الضرورة. لك من الشريعة كل الحقوق اللازمة لأداء مهمتك الاجتماعية الأساسية، وما نقص أو زاد من أحكام خصت الرجل أو استثنت المرأة فإنما هو توزيع عمل وتخصص. ليس ذلك مهانة على الإسلام ولا إهانة منه. ” – تنوير المؤمنات 1/154.

   هذا موقف العدل والإحسان من العنف ضد المرأة بشكل عام. أما العنف ضد المرأة على المستوى الأسري وبالخصوص الموجه من الزوج إلى زوجه وهو الأكثر شيوعا في مجتمعاتنا العربية والإسلامية والذي يستمد مشروعيته من العرف والعادات والتقاليد الفاسدة، فإن موقف العدل والإحسان كان واضحا وصارما في هذا الشأن، واعتبر هذا الصنف من الرجال أفعوان بشري فـ”من كانت رجولته لا تتجلى إلا في الوحشية العضلية والعدوان على أم أولاده، وكانت مروءته تنتهي حيث ينتهي مجلس المؤانسة والمجاملة مع الأصدقاء، فإذا دخل البيت دخل غولا، وكان حساب الآخرة والرحمة بالخلق مزايا مجهولة في قارته فذاك أفعوان بشري” – تنوير المؤمنات 2/186.

   وعلى خلاف من ينتقدن اهتمام المرأة بأمومتها وبيتها ويعتبرن ذلك تمييزا ينبغي التحرر منه فإن العدل والإحسان تعتز باهتمام المرأة ببيتها وأطفالها ودورها في الأمومة الذي فطرها الله عليها تفعل ذلك بإرادتها مكرمة غير مهانة ولا مجبرة، ولا تعد ذلك تهميشا ولا تمييزا. بينما ترفض رفضا مطلقا أن تنمط وظيفتها وتسجن في البيت، وتنسحب من مواكبة المهام الملقاة على عاتقها. فأن تهتم ببيتها وأطفالها شيء حسن، لكن “ما وظيفتها في الحياة بصفتها مسلمة تنتمي إلى خير أمة أخرجت للناس ؟.إسعادها أهلها وذويها من فرائض فطرتها وأمومتها، لكن ماذا تقدم من خدمة لأمتها (…) أين هي من مجالس العلم ومدارس الفقه في الدين ؟.أين هي من المشاركة الفعالة في الحياة الاجتماعية، وفي الجهاد وفي الاقتصاد كما كانت الصحابيات يشاركن؟.” – تنوير المؤمنات 2/92 -.

   وقد ردت على أولئك الذين منحوا لأنفسهم الحق في سلخ المرأة وجلدها وضربها ما دون تكسير العظام مستندين في ذلك على نصوص شرعية لتبرير تعسفهم. وأرجعت سر هذا الاعتداء إلى سوء فهم هؤلاء للنصوص وإخراجها من سياقها التاريخي ” تتحول في ذهنه المفاهيم، وتنقلب العشرة الزوجية من معاني المحبة والمودة إلى علاقات الجلاد بضحيته، والمالك في ملكه” -تنوير المؤمنات 2/181-.

   ومن تلك المحاولات التصحيحية للأفهام السقيمة أسوق مثال الضرب الذي أباحه الشرع الحكيم في قوله تعالى: “واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا، إن الله كان عليا كبيرا” النساء: 34.

   فهذا الضرب غير المبرح الوارد في الآية الكريمة يأتي في سياق علاج لمرض بعد أن فشلت كل المحاولات السابقة له من إقناع ووعظ، وزجر عاطفي فـ”تنغلق أبواب التفاهم فلا تجد موجة الغضب أمامها من سد فتتدخل الأيدي وذلك إيذان بأن أهل السفينة في دوار، وأن الغرق على وشك أن ينهي الرحلة” – تنوير المؤمنات 2/179-

   فالضرب هنا “حبل نجاة يدليه الشارع ليتمسك به غريقان ماهو تشريع كرامة، إنما هو تشريع إغاثة. الأصل هو حفظ كرامة البيت وصون المرأة والتلطف بها والتماس أسباب رضاها” – تنوير المؤمنات 2/181-.

   تم إذن تفسير الضرب المذكور في النص على أنه حالة استثنائية مرضية وليس قاعدة من قواعد المعاشرة. “لكن السنة الفعلية من مثاله صلى الله عليه وسلم مع أزواجه، ومن هديه، وتوجيهه ووصيته هي العافية لا المرض، هي الصحة لا العاهة”- تنوير المؤمنات 2/182 -.

   روى مسلم وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله. وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم”.

   ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”. ويقول أيضا: “لا يفرك مؤمن مؤمنة – لا يبغضها – إن كره منها خلقا رضي منها آخر”. وورد في صحيح البخاري أنه قال: “لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم”.

   والخلاصة أن موقف العدل والإحسان من مظلومية المرأة والعنف الممارس عليها والذي ينطق به الواقع بقوة لا ينفك عن نظرتها الشاملة للمرأة المسلمة. امرأة لها معنى ومآل، وفي عنقها رسالة وأمانة. يقول المرشد العام حفظه الله: “الإسلام يناديك إلى الإيمان، ويخبرك بالمعنى والمآل، ويبصرك بحقوقك في الدنيا لتطلبيها وتجندي بنات جنسك المسلمات (…) النفير عام لجهاد تتقدم فيه المؤمنات ولا يتأخرن، جهاد آلته العلم والحكمة” -تنوير المؤمنات 1/163-.

المعتقل السياسي مصطفى حسيني

أحد معتقلي العدل والإحسان الإثني عشر

المحكوم عليهم بعشرين سنة سجنا نافذا ظلما وعدوان

حرر بالزنزانة 5 بسجن بفاس.