1- في الإشكال الاصطلاحي:

   لعل من بين أشهر وأشمل التعاريف التي عرفت بالأدب الإسلامي، ذلك الذي قدمته (رابطة الأدب الإسلامي العالمية) والذي ينص على أن المقصود بهذا الأدب هو: “التعبير الفني الهادف عن الإنسان والحياة والكون في حدود التصور الإسلامي لها”، غير أن هذا التعريف على شموليته وتداوله في مختلف الأبحاث والدراسات التي أنجزت في هذا الإطار، يبقى ناقصا وغير واضح الملامح، ذلك أن إدراك حقيقة وأبعاد هذا الأدب المسمى إسلاميا، تفرض الاطلاع على خصوصيات نقيضه الدلالي إذ “بأضدادها تعرف الأشياء” كما يؤكد علماء المعجم، والمقصود به في هذا السياق ما أصطلح على تسميته بـ”الأدب الدوابي”.

   والواضح أن ثمة تعددا من حيث الدوال الخاصة بهذا النمط من الأدب، فنجد من يسميه أدبا إباحيا، ومن يسميه أدبا مكشوفا، ومن يسميه أدبا متحررا & وبالعودة إلى التراث العربي العباسي نجده تحت أسماء مختلفة: أدب المجون والزندقة، أدب الخلاعة، الخمريات، وشعر الغزل الحسي والغلماني &

   ويبقى القاسم المشترك بين هذه التسميات هو الدلالة على الانفلات من القيم والمبادئ التي دعا الإسلام إلى التشبت بها، والثورة على كل ثوابت هذه العقيدة التي خاطبت الإنسان باعتباره كائنا مسؤولا ومؤتمنا، وسعت إلى تأطير حياته من كل جوانبها وعلى جميع مستوياتها.

2- من الجاهلية إلى الشعوبية:

لقد أحدث الإسلام قطيعة شبه تامة مع الأدب الذي كان شائعا في العصر الجاهلي، وبلور تصورا جديدا للأدب مفهوما ووظائف، وكانت النتيجة تراجع بل اختفاء أغراض شعرية لا تناسب روح الإسلام ولا مبادئه كشعر الغزل الإباحي، وشعر الخمرة، والمديح التكسبي & وفي مقابل ذلك ظهرت أغراض شعرية جديدة لم تكن معروفة من قبل كشعر الجهاد والمديح النبوي & أما على مستوى القيم فقد تقبل الإسلام القيم الأخلاقية الإيجابية التي كانت شائعة في المجتمع الجاهلي، ودعا إلى إعادة صياغتها وفق ما يوافق تصوره ونظرته، فقد تقبل قيمة “الشجاعة” مثلا، ولكنه احتفل بالشجاعة التي تدافع عن الحق وتقضي على الباطل، ورفض الشجاعة/الجاهلية التي تبطش بالمستضعف، وتفتك بالآخر من أجل النهب والسلب & والأمر نفسه يقال بالنسبة لقيم أخلاقية أخر تناسب روح الإسلام ومبادئه وخصائصه، ومن ثمة تناسب فطرة الإنسان وجبلته كما هو الشأن بالنسبة لقيم: الكرم، والنجدة، والغيرة على العرض &

   وقد أدى توسع الدولة الإسلامية بفعل الفتوحات الإسلامية إلى دخول أجناس أخر كثيرة تعايشت وتفاعلت مع الجنس العربي في إطار المجتمع الإسلامي الذي رفع شعار “لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى”، ومعلوم أن استيلاء بني أمية على الحكم شكل منعطفا تاريخيا خطيرا، ذلك أنهم أحيوا مجموعة من القيم التي قضى عليها الإسلام أهمها التعصب للجنس وللقبيلة، وقد نتج عن تعصبهم للجنس العربي بداية ظهور النزعة الشعوبية التي اكتمل نضجها وظهرت على الساحة بشكل جلي وعلني خلال عصر بني العباس، وقد كان أبو نواس وبشار بن برد من أبرز المعبرين عن هذه النزعة الحاقدة الناقمة التي ظلت تتربص الدوائر، وتبحث عن الفرص لبث سمومها وأحقادها الدفينة، فجعلت من “الشعر” معول هدم لتحطيم قيم الإسلام، والتشكيك في ثوابته ودعائمه وركائزه & وكانت النتيجة أن أصبح المجتمع “المسلم” يتقبل أشعار المجون والخلاعة والانحلال والتفسخ بصدر رحب، لأن ولاة الأمور “الخلفاء المسلمين” فتحوا أبواب قصورهم لهؤلاء الفساق الفجار، جالسوهم، ونادموهم، وراقصوهم، وتمايلوا لأشعارهم الخليعة الماجنة، وكانت لهم معهم مئات القصص الطريفة والحكايات الغريبة & وقد استغل هؤلاء الشعراء الوضع فروجوا للقيم الثقافية الفارسية التي كانت مندسة كالجذوة تحت الرماد، تبحث لها عن متنفس مناسب للتعبير عن نفسها.

3- الأدب الدوابي في الغرب:

لا يمكن أن نفهم نظرة الإنسان الغربي للدين بعيدا عما مارسته الكنيسة خلال القرون الوسطى، فقد مارست سلطات لا محدودة على هذا الإنسان، إذ حرمته من حرية التفكير، ومن حرية التعبير، ولم تتردد في عقد محاكم التفتيش التي أصدرت أقسى الأحكام في حق كل من سولت له نفسه التفكير بطريقة تخالف ثوابت الكنيسة العقدية والفكرية.

   ومعلوم أن رجال الكنيسة عمدوا إلى تشويه تعاليم الدين المسيحي، فدعوا إلى احتقار الحياة، والنفور من إغراءاتها وملذاتها، وإلى نبذ الجنس، وإقامة القطيعة التامة بين الرجل والمرأة & ولا غرابة أن يصل بهم الأمر إلى درجة بيع “صكوك الغفران” مما يعبر بشكل ملموس على مستوى السخافة والضحالة التي كان العقل الأوروبي يعيشها لحظتئذ.

   كان طبيعيا جدا أن تكون ثورة الإنسان الأوروبي على سلطة الكنيسة عارمة وشرسة وشاملة، عملا بالقانون الفيزيائي المعروف ” لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومعاكس له في الاتجاه “، هكذا إذا نستطيع أن نفهم الحضور المثير لتيمة الجنس والجسد في كل الأعمال الأدبية الني ألفت في عصر النهضة، فقد أصبح حضور المرأة جسدا عاريا مثيرا، ووصف العلاقات الجنسية بشكل بورنوغرافي فاضح دليلا على التحرر من سلطة الكنيسة، التي دعت إلى نفي الجانب المادي الحسي، وإلى المغالاة في التركيز على الجانب الروحي، وكانت النتيجة متوقعة “فمن الرهبانية المشرفة في كراهية الجنس واحتقاره والتنفير منه إلى الإباحة المطلقة في الاندفاع نحو الجنس بغير ضوابط أو حدود”(1).

   وقد شكلت نظرية فرويد في التحليل النفسي أهم العوامل التي ساهمت بشكل واضح في تكريس هذا النمط من الأدب، ومعلوم أن هذه النظرية جعلت من الجنس المحرك الأساس لكل ما يصدر عن الإنسان، وبغض النظر عن نسبية وأخطاء هذه النظرية، فالواضح أنها ساهمت بشكل كبير في ظهور ” تلك الاتجاهات الإباحية المسرفة التي تضمنها أزهار الشر لبودلير ومدام بوفاري لفلوبير والغلامة لمرجريت وعشيق الليدي تشارلي لورنس، ومن هنا قوي ولا أقول بدأ -لأنه كان بادئا منذ وقت بعيد- ذلك التيار الذي يدعو إلى حرية الفن المطلقة، وإلى تغليب جانب الشر في الغزل والخمريات والعري، كما عرف عن الروائي لورنس، وتغليب جانب القبح كما عرف عن الشاعر بودلير & “(2).

4- كل إناء بما فيه ينضح:

الواقع أننا لا نستغرب كثيرا عندما نتعرف على حقيقة هؤلاء الأدباء الإباحيين الذين لم يكونوا ليعبروا من خلال إنتاجاتهم الأدبية إلا عن حقيقة حياتهم: فقد عانى بودلير من قساوة زوج أمه، كما أنه كان يتعاطى للأفيون والحشيش، مما جعل إنتاجه الأدبي موسوما بالشذوذ والتطرف والغرابة، أما لورنس فقد عانى من الالتهاب الرئوي، ومن موت أمه، كما أن لم يكن مناسبا للخدمة العسكرية، وكانت نتيجة ذلك هي الانحلال، وقذارة التفكير، والترويج لكل ذلك في إنتاجه الأدبي الذي أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه “أدب مريض”.

   وهكذا يمكننا التأكيد بأن أدب بودلير ولورانس وغيرهما يشكل ثمرة من ثمار المجتمع الأوروبي المنحل.

والأمر نفسه ينطبق على شعراء العربية الإباحيين، فقد جعلوا من الشعر وسيلة للتعبير عن كل ما وسم حياتهم من انحلال وتفسخ وشذوذ وانحراف، فهذا بشار بن برد الفارسي الأصل، اشتهر بتهتكه وخلاعته وبذاءة لسانه فقد ” كاد يعيش في ظلال الشعر وادع النفس رغد العيش لولا تعديه بالهجاء، وتعرضه للنساء، وهتكه ستر الحشمة، حتى نقم الناس ذلك منه، وتمنوا موته صونا للعذارى وغيرة علىالمخدرات. قال مالك بن دينار: ” ما شيء أدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الأعمى الملحد “، ودخل فريق من الغير على المهدي فأسمعوه قصيدة من غزله، فقال: “والله لئن قلت بعد هذا بيتا واحدا في تشبيب لآتين على روحك”(3)، والواقع أن إطلالة سريعة على أوصافه وأخلاقه (4) تجعلنا لا نستغرب إطلاقا صدور هذا النمط من الشعر عنه فقد ” ولد أكمه فما رأى الدنيا قط. وكان ضخم الجثة، مفرط الطول، مجدور الوجه، جاحظ الحدقين، قد تغشاهما لحم أحمر، فكان أقبح الناس عمى وأفظعهم منظرا، قالت له امرأة ذات يوم: لا أدري لم يهابك الناس مع قبح صورتك فأجابها: ليس من حسنه يهاب الأسد. وكان بشار متوقد الذكاء، حاضر الجواب، صادق الحسن، بذيء اللسان، كثير المجون، مغمور الدين، يؤمن بالرجعة ويصوب رأي إبليس في تقديم النار على الطين وإبائه السجود لآدم في مثل قوله:

الأرض مظلمة والنار مشرقــــــــــة *** والنار معبودة مذ كانت النــــــــار

   كان إذا أراد الإنشاد صفق بيديه وتنحنح وبصق يمينا وشمالا ثم ينشد!”(5) ، ما الذي نتوقعه إذ من شاعر بهذه العقيدة المنحرفة، وهذه السلوكات الشاذة، وبكل هذه المواصفات المنفرة الغريبة الفظيعة ؟ طبيعي جدا أن يكون شعره مرآة تعكس كل هذا القبح، وكل هذا الفظاعة، وكل هذا الضلال… واشتهر في الدائرة نفسها أبو نواس الذي تفصح حياته عن أهوائه وتصرفاته فقد “حملته أمه معها بعد موت والده وهولم يتجاوز السنتين من عمره. وفيه شب على الطوق فأسلمته عطارا يبري عود البخور، وقد شهد أمه على إثر ترملها وهي تؤوي طلاب المتعة والمجان، وشاهد تلك الحياة المستهترة الماجنة التي كانت أمه تعيشها، ورأى أولئك الذين كانوا يزورونها، وقد أسرف الناس في ثلبها، وفاحت رائحة سيرتها العفنة. في هذه البيئة نشأ أبو نواس، يبصر المجان وهم في عرس دائم من الإباحة والفجور، فألف تلك الحياة وانطبعت في نفسه المراهقة دون أن يقوى على التحرر منها.

   وهكذا اندفع أبونواس في ذلك الجو الصاخب من الإعلان بالفاحشة، كأنما كان يريد أن يجعل من المجتمع كله مثيلا لحياته وحياة أمه كما فعل الكتاب في العصر الحديث”(6) “عرف (بحيوانية النسور إلى اللذائذ الحسية) على حد تعبير إبراهيم المازني، وعرف بالمجون وقذف المحصنات وسخريته من الحرائر، وقد مال إلى الغلمان كل الميل فملأ ديوانه بهم، وقد ورث ذلك عن المجوسية الفارسية كما ورثه بشار.

   وقد أكد الباحثون في حياة أبي نواس بأن لفجوره وفسقه مصادر أساسية ودوافع طبيعية من حياته الشخصية. ويرد الباحثون اضطراب حياته إلى سوء تصرف أمه التي لم تمنحه من عطفها ما كان يريد, فقد شغلت عنه بالقوت بعد أن مات أبوه، وكانت تكسب هذا القوت من وجوه الإثم، وكان لهذا الحرمان والفساد معا أخطر الأثار في حياة أبي نواس الذي كره النساء جميعا لأنه كره أمه وتحول إلى الغلمة وإلى معاقرة الخمر.”(7) وقد اشتهر أبونواس بالإضافة إلى انحرافه الأخلاقي ممثلا في مجونه وشذوذه، بحقده الشعوبي الذي تمثل أساسا في تعصبه لجنسه الفارسي، وتسخيره شعره لإحياء رموز وقيم الحضارة الفارسية البائدة، في مقابل الحط والتنقيص من معالم وقيم الحضارة العربية الإسلامية. وقد صاحب أبا نواس في رحلة الفجور والاستهتار والمجون هاته الحسين بن الضحاك الذي عاش خليعا ماجنا، نشأ معه في البصرة، واختلف إلى مجالس الشراب، وقال في الخمر واللذائذ، وأعلن عن فسقه في أكثر شعره.ومسلم بن الوليد كان شبيها بهما. من المستهترين الماجنين تقلب في هذه الأجواء حتى وصف بصريع الغواني…(8).

5- الترجمة ومعاول الهدم:

شكلت الترجمة القناة الرئيسة التي تم عبرها الاطلاع على الأدب الغربي، وقد تحركت هذه الترجمة في “خطين متوازيين: ترجمة التراث اليوناني (الإغريقي الهليني) الوثني الحافل بالأساطير والإباحيات، ومن خلال ترجمة القصص الأوربي والفرنسي بصفة خاصة، وهذا ما قام به مجموعة من المارونيين اللبنانيين، وفي مقدمتهم طانيوس عبده & “(9) وقد كان لطه حسين دور بارز في هذا السياق، فقد بعث كثيرا من الأساطير اليونانية، كما ترجم ولخص عشرات من القصص الفرنسية المكشوفة، وترجم لبودلير وغيره من الشعراء الإباحيين، وركز اهتمامه أيضا وبشكل كبير على شعراء الإباحة من أمثال أبي نواس وبشار بن برد ومسلم بن الوليد والحسين بن الضحاك وغيرهم &

   وما يؤسف له فعلا أن هذه الموجة العاتية الجارفة وجدت آذانا صاغية، واستجابة واسعة في أوساط الأدباء “المسلمين” الذين تهافتوا على تلك المترجمات، وجعلوا منها مثلا عليا، ونماذج يقتدون بها، ويسيرون على هداها في إبداعاتهم الأدبية، بل تأكد لهم بالملموس أنها السبيل الأنجع للشهرة وذيوع الصيت، ولعل ما يزيد الطين بلة أن المشرفين التربويين والمسؤولين عن وضع البرامج التعليمية في الأوطان العربية يتعمدون انتقاء هذه النماذج الفاسدة، ويدرجونها في المقررات المدرسية والجامعية، وينتج عن ذلك أن تترسخ في أذهان الناشئة حقيقة مفادها أن هذه النماذج هي التي تمثل أدب الأمة وتراثها وقيمها وثقافتها.

   إن المفارقة التي لا يستطيع العقل تقبلها أن تدرج نصوص لأبي نواس ولبشار ولعمر بن أبي ربيعة في مجال الإبداع الشعري، وأن يتم انتقاء نصوص سردية تتضمن مشاهد ومقاطع جنسية في غاية الانحلال والتفسخ والخلاعة، دون أن يتم الالتفات ولو بشق عين لنصوص من الشعر الصوفي أو شعر الحكمة والأخلاق أو شعر المديح النبوي & على كثرة الدواوين الشعرية الممثلة لهذا اللون الرباني الملتزم، وهذا يثبت حقيقة مفادها أن الأمة خاضعة لحملات التفسيق والتفجير من طرف دعاة التغريب الذين يسعون جاهدين لنقل فظاعات الشك والجنس والإباحة والتحلل إلى دائرة الأدب العربي والفكر الإسلامي من أجل تحطيم أسس ومقومات الأمة الإسلامية.

6- الأدب الإسلامي يرفض الإباحية والانحلال:

يستمد الأدب الإسلامي من الروح الإسلامية قيم العفاف والنبل والمروءة والرجولة والخلق الفاضل القويم & لذلك فقد نفر من كل القيم الهدامة المنافية لثوابته ودعائمه، واعتبرها قيما غريبة عنه لا يستسيغها ذوق ولا يقبلها عقل، ذلك أن موقف الفكر الإسلامي من الأدب والفن واضح محدد، إذ أن “للفطرة منشئا واحدا هو الله، والعلم والدين كلاهما اجتمعا على استحالة التناقض في الفطرة، فإذا كانت هذه من روح الفطرة كما يزعم أهلها وجب ألا تخالف أو تناقض دين الفطرة، دين الإسلام في شيء & “(10) فقد خلق الله سبحانه النفس الإنسانية وألزمها باتباع أوامر وباجتناب نواه، خلق فيه الفجور والتقوى، ووعد بالفلاح كل من خالف هواها، كما أوعد بالخيبة والعذاب كل من انصاع إلى وساوسها وأهوائها & كما جعل سبحانه الإنسان كائنا قادرا على المساهمة في بعدين متباينين متكاملين: البعد الجلالي والبعد الجمالي، والمقصود بالبعد الأول هو كل ما يمد هذا الإنسان بالقوة صناعة أو علما أو فكرا أو منطقا، أما البعد الجمالي، “وهو ما تتفتق عنه موهبته من القيم التي تمده بالرقة، أدبا أو رسما أو مسرحا أو موسيقى أو ما شابه ذلك، والإنسان الكامل لا بد أن يجمع بين البعدين في حياته الخاصة وحياته العامة، لأنه إنسان متواز مستو، فبقدر ما يكون قويا، يكون رقيقا، لأن قوته من عقله ورقته من ذوقه، لذلك لابد أن تكون التربية على الجلال عند الصغار والكبار معا مصحوبة بالتربية على الجمال، حتى يتحقق هذا التوازن والاستواء.”(11)

   إن الشعور بالجمال مطلب فطري يحقق إنسانية الإنسان، إذ يخرجه من حيز الحيوانية الضيق، ويفتح أمامه آفاق الإبداع الذي يسمو بالمشاعر والأحاسيس، ويرتقي بالذوق إلى سماء الكمال الذي يظل مطلبا مستعصيا غير أنه يبقى ملحا ومشروعا في الوقت نفسه، هذا الكمال المبحوث عنه لا يمكن أن يتحقق أو على الأقل أن يشعر المبدع بأنه يمشي في طريقه وعلى دربه إلا إذا أحس بأنه يرتقي في سلم الجمال درجة تلو أخرى، ومعلوم بالضرورة أن أول شروط تذوق الجمال هو تحقق البعد الأخلاقي، ذلك أن القيمة الجمالية ” على خلاف العقيدة السائدة بين أهل الأدب والفن، لا تعارض أبدا القيمة الأخلاقية، لأن الجمال مراتب، طرفه الأدنى الجمال الظاهر القريب، وطرفه الأعلى الجمال الباطن البعيد، وبينهما مراتب لا تحصى، والأخلاق كذلك مراتب، طرفها الأدنى الخلق الظاهر المقيد وطرفه الأعلى الخلق الباطن المحرر، وبينهما مراتب هي الأخرى لا تحصى، وكلما ارتقت رتبتك في إحدى القيمتين، ازداد قربك من القيمة الأخرى، حتى إذا نزلت أعلى الرتب في إحداهما، كنت في ذات الوقت نازلا أعلى الرتب في الثانية، بحيث لا يفترقان إلا في الرتب الدنيا، أما في الرتب العليا، فهما مجتمعان اجتماعا لا افتراق معه، فالجمالي العظيم أخلاقي عظيم، والأخلاقي العظيم جمالي عظيم.”(12) هذا التلاحم الكبير بين الجمال والأخلاق راجع لوحدة مصدرهما ووحدة هدفهما معا، فكلاهما نابعان من النفس الإنسانية، وهذه الأخيرة وحدة لا تتجزأ، كما أنهما يسعيان معا إلى هدف واحد هو تنقية الوجدان الإنساني، وبناء الضمير على أساس واضح وسليم، ويؤكد توفيق دياب فكرة التفاعل بين الأدب والأخلاق قائلا: ” إن التفاعل بين الأدب والأخلاق متواصل لا ينقطع، والقول بانقطاع الأدب عن الأخلاق مذهب لا يؤيده أبسط حقائق الكون & “(13).

الهوامش:

(1) “خصائص الأدب العربي” 422.

(2) “نفسه” 423.

(3) “تاريخ الأدب العربي” 192.

(4) “نفسه” 192-193.

(5) “نفسه” 193.

(6) “خصائص الأدب العربي” 174-175.

(7) “نفسه” 172.

(8) “نفسه” 172.

(9) “نفسه” 420.

(10) “نفسه” 429.

(11) “حوارات من أجل المستقبل” 110.

(12) “نفسه” 111.

(13) نقلا عن: “خصائص الأدب العربي” 430.

المراجع المعتمدة:

_ “تاريخ الأدب العربي” / أحمد حسن الزيات / دار المعرفة: بيروت – لبنان / الطبعة السابعة: 1423 ه – 2002 م.

_ “خصائص الأدب العربي: في مواجهة نظريات النقد الأدبي الحديث” / أنور الجندي / دار الكتاب اللبناني / الطبعة الثانية: 1985 م.

_ “حوارات من أجل المستقبل” / طه عبد الرحمن / منشورات الزمن / كتاب الجيب 13 / أبريل 2000 م.