إن الحديث عن أولويات الاجتهاد المعاصر في هذا الوقت بالضبط قضية حيوية ينبغي إحاطتها بعناية كبيرة دراسة وتخطيطا حسب مقتضيات البحث العلمي.

وقد بدأ الوعي بفقه الأولويات يتنامى في الأمة في الآونة الأخيرة بفعل تطور العقل الإسلامي في مشاريعه الاجتهادية، والتغيرات العالمية المتسارعة.

وأولويات الأمة في هذه المرحلة أو تلك تتحدد انطلاقا من طبيعة المرحلة نفسها وتحدياتها، وحاجيات الأمة فيها، ودرجة تفاعلها مع كل ذلك.

وهدفنا من موضوع الأولويات في الاجتهاد المعاصر أن نسهم في نقل عملية الاجتهاد في الأمة من دائرة الانشغال بالقضايا الجزئية والفرعية إلى رحاب القضايا الاستراتيجية الكبرى، ومن بعثرة الجهود والأعمال في اجتهادات فردية إلى تركيزها وتجميعها في اجتهاد جماعي منظم، حتى نتمكن من بلورة مشاريع علمية متكاملة تستجيب لحاجيات الأمة الحقيقية وتجابه تحديات الحاضر والمستقبل.

ويمكن تصنيف القضايا التي نعدها من أولويات الاجتهاد المعاصر إلى ما يلي:

أولا: أولويات في المنهج:

وأقصد بها تلكم الإشكالات المنهجية الكلية التي قاد سوء إدارتها في تاريخنا العلمي إلى تجزيء المعرفة في ذهن الأمة مما أدى إلى حالة التفتت التي عاشتها الأمة وما تزال في واقعها الفكري والعملي، ونذكر من هذه الإشكالات:

1- الجمع بين المعرفة العقلية والمعرفة الشرعية:

فالمعرفة في الثقافة الإسلامية كل لا يتجزأ لا ينفصل فيها الجانب العقلي عن الجانب الشرعي، وذلك لوحدة مصدرها وهو الله سبحانه. فالمعرفة العقلية إذا كانت تستمد من الكون بشقيه الطبيعي والبشري، وهو كتاب الله المنظور المتضمن لآياته في الآفاق وفي الأنفس فإن المعرفة الشرعية مصدرها كتاب الله المسطور الممثل في الوحي كتابا وسنة المشتمل على آياته التنزيلية.

فالجمع بين هذين الطرفين العظيمين للمعرفة أو بالأحرى إعادة الجمع بينهما وذلك ببناء علاقة القران بينهما قضية منهجية مركزية ينبغي أن تنصرف إليها جهود وهمم أهل الاجتهاد المعاصر حتى نتمكن من تقديم المعرفة في أبهى صور الاكتمال ونتجاوز حالة الانفصام المعرفي الطارئة على الأمة بفعل ظروف العض التاريخية وفتنه التي أدت مع مرور الزمن إلى تخلف المسلمين عن الركب الحضاري والعلمي حتى أخلدوا إلى التقليد في الشرعيات وطلقوا الكونيات.

وإن استفراغ الوسع في معالجة هذه القضية لمن شأنه أن يرجع المعرفة إلى حالة الانجماع الأصيلة في المعرفة كما كان الأمر عند سلفنا يوم تعايش عندهم النظر في الشرع مع النظر في الكون.

وبهذا الانجماع يستقيم فعل الإنسان وقراره وتكتمل رؤيته ويصح حكمه على الأشياء.

فكما أن الشرع مجال للدراسة والبحث من أجل استثمار المعرفة الشرعية على أساس الاجتهاد، فكذلك الكون ميدان فسيح للدراسة والبحث التجريبي لاستمداد المعرفة العقلية على أساس المنهج التجريبي، وكلا الطريقين: العقلي والشرعي يعضد الآخر ويسانده، ومن هنا تقرر أنه لا يتعارض صحيح المنقول مع صريح المعقول.

2- الجمع بين العلم والإيمان:

نقصد بهذه المسألة أن يتولى الاجتهاد المعاصر بحث ودراسة سبل المزاوجة بين الإيمان والعلم ليكون العلم نافعا والعمل خالصا فيكتمل فينا الفقه في الدين الذي أرشدنا إليه القرآن في قوله سبحانه (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)(التوبة من الآية 122)، ورغبتنا فيه السنة في قوله صلى الله عليه وسلم: “من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين” (البخاري في كتاب العلم).

ولا ينفع العلم إلا إذا حصل من مدخل التربية الإيمانية مصداقا لقول الله عز وجل (واتقوا الله ويعلمكم الله) (البقرة من الآية 282) فيثمر العلم حينئذ خشية الله في قلب صاحبه كما قرر الحق سبحانه في قوله (إنما يخشى الله من عباده العلماء)(فاطر من الآية 28)، وعملا مباركا باقي الأثر في الأمة يتوج بالدرجات العلى عند المولى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (المجادلة من الآية 11).

والعلم حين ينفصل عن الإيمان يصبح حجة على صاحبه ووبالا على أمته وكارثة على الإنسانية، وذلك حين يسخر العلم لتزيين المنكر وتسويغ الباطل ومساندة الظلم، كما حدث ذلك في تاريخنا وامتد إلى حاضرنا بين ديدان القراء والحكام الظلمة، أو توظف نتائجه لتدمير الإنسان والبيئة كما يجري الآن تحت إشراف المستكبرين.

والبحث في صيغة المزاوجة بين التربية الإيمانية والعلم بحث في سبل تجاوز إشكال الانفصام بينهما الذي عاشته الأمة منذ عهود العض المتوالية على الأمة، منذ أن انحصر مفهوم الفقه في معرفة الأحكام الفرعية، وانحبست التربية الإيمانية عند الصوفية “فصار بعد ذلك يستغرب علم القلوب والتفتيش عن صفات النفس ومكائد الشيطان وأعرض عن ذلك إلا الأقلون” (1).

فبالقران إذن بين التحصيل الإيماني والمعرفي في مناهجنا التربوية والتعليمية وفي ثقافتنا العامة، نكون قد جمعنا بين طرفي الفقه في الدين أو ما يسميه الغزالي علم الآخرة (2).

3- الجمع بين الاجتهاد الفردي والجماعي:

إذا كان الإنتاج العلمي في تاريخنا الفقهي قائما على الاجتهاد الفردي بقيادة العالم الموسوعي، وذلك حسب ما أملته الظروف التاريخية زمن العض حين حصر البحث الفقهي في عمومه في قضايا فردية جزئية مرتبطة بالحياة اليومية، وكانت الحياة وأسئلتها يومئذ لا تخرج في مجملها عن الباسطة، فإن واقع الأمة الإسلامية الآن المعقد، وما يطرحه من أسئلة متشابكة ضمن وضع دولي أكثر تعقيدا وتطورا وتقلبا وسرعة لم تعد تنفع معه الصيغة الفردية للاجتهاد وحدها، بل لابد من صيغة جماعية تتمم الصيغة الفردية ولا تلغيها.

أما المقصود بالصيغة الجماعية للاجتهاد، فهو أن يمارس الاجتهاد العلمي في مؤسسات علمية تضم كفاءات علمية نابغة متضلعة في مختلف التخصصات، بحيث تتنوع إلى مؤسسات قطرية محلية تتولى دراسة قضايا الواقع المحلي بحثا عن الحلول الشرعية لها، ومؤسسات إقليمية تهتم ببحث الإشكالات التي يطرحها الواقع الإقليمي، ومؤسسات عالمية تتصدى للإشكالات الكبرى والقضايا المركزية التي تواجه الأمة الإسلامية (3) وتعالجها من مختلف الزوايا العلمية.

والمطلوب من هذه المؤسسات حتى تؤدي رسالتها، أن تتكامل في عملها وتتعاضد ضمن استراتيجية علمية واضحة تقوم على مبدأين متكاملين:

أولهما: العمل على إيجاد الحلول الشرعية لإشكالات العصر.

ثانيهما: التنظير العلمي والتخطيط الاستراتيجي لإعادة بناء المعرفة الإسلامية المتكاملة في العقل الجماعي للأمة، وعقول أفرادها وذلك في أفق استئناف الحياة الإسلامية في الأمة.

أما العالم المجتهد الفذ الذي استكمل أدوات النظر الاجتهادي اللازمة لفقه النص ومحل تنزيله، فله أن يجتهد ويواصل البحث في القضايا الجزئية والفردية مما تطرحه الحياة اليومية.

فالجمع بين الاجتهاد الفردي والجماعي متكأ منهجي أساس في الاجتهاد المعاصر.

ثانيا: أولويات في الموضوع

تنتصب أمام الاجتهاد المعاصر إشكالات متعددة وقضايا متفرعة ومعقدة تنتظر البحث والمعالجة الشرعية من أهل النظر الاجتهادي فما هي القضايا المركزية ذات الأولوية الكبرى في أجندة الاجتهاد المعاصر؟ للإجابة على هذا السؤال، أحاول أن أستعرض أهم القضايا الملحة التي تشكل موضوع الاجتهاد المعاصر:

1- إشكال العلاقة الشرعية الدستورية بين الدعوة والدولة(4)

هذه من أخطر القضايا الجديرة بالدراسة الجادة والتنظير والتخطيط المحكمين وهو الإشكال المركزي الخطير الذي فشلت الأمة في حله منذ اختلال العلاقة الشرعية الدستورية بين الجهازين زمن الفتنة الكبرى وبداية مسلسل نقض عرى الدين. والمطلوب من الاجتهاد المعاصر تقديم دراسات علمية تفصيلية في الموضوع على مستويات ثلاثة:

أ- المستوى التأصيلي: وذلك برصد العلاقة الدستورية المطلوبة شرعا بين الدعوة والدولة من خلال النصوص الشرعية كتابا وسنة، والسيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين ومنهجهم في توضيح وتطوير هذه العلاقة.

ب- المستوى التاريخي النقدي: وذلك بتتبع تاريخ اختلال العلاقة بين الدعوة والدولة ومظاهر ذلك الاختلال والعوامل التي أسهمت في إحداثه، والنتائج المترتبة عنه، ورصد امتدادات ذلك الاختلال في حاضر الأمة.

ج- المستوى التنظيري: تقديم عمل تركيبي من الدراسة التأصيلية والتاريخية النقدية لإشكال العلاقة بين الدعوة والدولة على ضوء حكمة العصر المستفادة من تجارب بعض المجتمعات المعاصرة، يتحدد بموجبه أفق العلاقة المنشودة بين الجهازين وسبل إعادة بناء تلك العلاقة، وضوابط صيانتها وضمان استمرارها.

2- وحدة الأمة

من القضايا العويصة المطروحة على الاجتهاد المعاصر قضية تفكك الأمة التي تحتاج إلى معالجة علمية جامعة وعميقة، وبحث سبل الجمع بين طرفي هذه الأمة المتنافرين المتخاصمين منذ قرون: السنة والشيعة.

ولعل المدخل الصحيح لمعالجة هذا الإشكال يبدأ بدراسة منشأ الخلاف بعمق وصدق، ومراحل تطوره وتعقده واستفحاله تحت ضربات الفتن السياسية المؤلمة طوال عهود العض، وذلك بعد معرفة وإبراز الأصل الذي شجر منه الخلاف، ودراسة الأصول التي يتشبث بها كل طرف ويؤسس عليها مواقفه ومذهبه، وخصوصا أصول موقفي المساندة والمعارضة لسلطان العض وذلك بحثا عن مخرج علمي معتبر يجمع بين تلك الأصول بحمل بعضها على بعض، ليطوى الخلاف من أساسه علميا، ويفتح المجال لطيه على مدى زمن ليس بالقصير تفعل فيه التربية فعلها.

ومن القضايا التي ينبغي دراستها بعمق في هذا المجال: قضايا الشورى والعدل التي أمر بها القرآن قطعا، وأحاديث الطاعة لولي الأمر الواردة مطلقة ومقيدة (5)، وكذلك الوصايا النبوية بآل البيت كحديث غدير خم وحديث رزية الخميس وغيرها من الأحاديث التي تشكل نصوصا حيوية لدى المسلمين الشيعة.

ومن زاوية أخرى لابد من دراسة مناط الاجتهاد زمن العض واستحضار خطورته وفتنه المتلاطمة لندرك السر في التفاوت الحاصل بين العلماء، وعلى رأسهم الصحابة في تقدير مصلحة الأمة وتعيين المفسدة الكبرى التي تدرأ بالمفسدة الصغرى، ومدى إمكان العمل بفقه الضرورة إلى غيرها من القضايا التي بدراستها نجلو الرؤية وتبرز الحقائق، وهذا يحيلنا على قضية أخرى من قضايا النظر الاجتهادي.

3- التراث العلمي:

يشكل التراث العلمي الضخم الذي تمتلكه أمتنا وتتميز به مجالا حيويا للاجتهاد المعاصر تحقيقا ودراسة وتحليلا ونقدا، من أجل استيعاب مضامين هذا التراث وفهمها، وإعادة بناء وصياغة صوابها بما ينسجم ومشروع إعادة بناء الأمة وتوحيدها، دون أن يشكل هذا التراث حاجزا علميا بيننا وبين الكرع المباشر من الكتاب والسنة.

ودراسة التراث العلمي من هذا المنظور تتطلب الالتزام بجملة من المنطلقات المنهجية بشكل متكامل.

منطلقات منهجية في قراءة التراث العلمي:

1- المنطلق التحليلي النقدي الذي يقوم على القضايا التالية:

أ- دراسة نصوص التراث والبحث عن الأصول التي اعتمد عليها وتحليل اتجاهاته ومفاهيمه وقضاياه من أجل استيعابه وفهمه قبل نقده ولومه.

ب- التمييز في التراث العلمي بين الثابت الذي يستند إلى نصوص الوحي القطعية وبين المتغير الذي يرتبط بتفاعل العقل الإسلامي مع الشق الظني في الشرع اجتهادا في الزمان والمكان وبهمم وإرادات معينة.

ج- التمييز بين العلماء الأعلام الذين كانوا صرحا للعلم وملجأ للفتوى وراية للإسلام، وقاوموا الفساد المتسلل إلى الداخل بتعليم الأمة وحملها على الشريعة في عباداتها ومعاملاتها، وبين المنتسبين للعلم المنضوين بدون قيد ولا شرط تحت لواء الحكم المغتصب.

د- أن ندرك أن فقه الفروع أنتج بعيدا عن منهاج السنة الكلي: الشورى والعدل والإحسان، فكانت النتيجة أن غابت فيه النظرة الشمولية لدى أهل التخصص.

2- المنطلق التاريخي، ونوجزه في الأمور التالية:

أ- قراءة المنتوج العلمي التراثي في سياقه التاريخي وعدم تجريد قضاياه من ظروفها وملابساتها التاريخية عند الدراسة والنقد.

ب- الوعي بأن أغلب فقهنا الموروث أنتج في ظلال تغلب الدولة على الدعوة، وتحت الوصاية السياسية، مما أدى إلى نشوء فقه الاضطرار كصيغة من صيغ التكيف مع الوضع الاستثنائي القاهر، وحالة السكوت عن ترويج الأحاديث الذامة للعض وأهله.

ج- اجتهاد الكثير من علمائنا في القضايا السياسية الكبرى: كتجويز الاستيلاء على الحكم بالقوة، ولزوم بيعة الظالم وعدم الخروج عنه مبني على الضرورة والموازنة بين مصالح تجلب في ظل حالة العجز الجماعي عن طلب الحق وفرضه، أمام عنف السلطان وعصبيته وغياب قوة منظمة إلى جانب العلماء.

ولذلك لم يكن لفقهائنا الخيار بين فاضل ومفضول، وإنما بين استقرار نسبي وسط الزعازع وفوضى ينتقض معها ما بقي محفوظا من أمر المسلمين.

د- التمييز بين تراث التأسيس والتنوير الذي أنتجه مجتمع الصحابة الكرام زمن الخلافة الراشدة يوم كانت الدولة خادمة للدعوة، وبين تراث التفتت والتجزيء الذي أنتجه زمن العض والجبر وانكمشت الدعوة تحت قهر سلطان الدولة.

فالتراث الأول يمثل مرجعية غنية خصوصا في الجانب التطبيقي لقضايا العدل والإحسان والشورى، نستفيد من تلك التطبيقات دون أن نلزم أنفسنا بما يرتبط بالزمان والمكان وبساطة الحياة.

والثاني يمثل تجربة علمية اضطرارية لظرف استثنائي عاشته الأمة وهو مجال خصب للدراسة والنقد والتقويم.

3- المنطلق التنظيري:

ونقصد به أن نتخذ من تقويمنا للتراث مدخلا لتجاوز إشكالات الحاضر ولرسم أفق مستقبلنا العلمي، وذلك من خلال اعتماد المبادئ التالية:

أ- التركيز على الاستفادة من مناهج سلفنا في الاجتهاد، ثم نرتفع عنها لنسقي من المعين الذي استقوا منه لا أن ننحبس في خلافاتهم وما قالوا.

ب- محاكمة تراثنا العلمي بالوحي والعصر، فما وافقهما منه قبلناه وما خالفهما تركناه إذ الوحي أولى بالاتباع، لكن دون أن نتعرض للأشخاص فيما اختلفوا فيه بطعن أو تجريح ونكلهم إلى نياتهم وقد أفضوا إلى ما قدموا. فنقدر الرجال ولا نقدسهم ونتخير من أقوالهم واجتهاداتهم ما هو أقرب للوحي كتابا وسنة وأنسب للعصر، حتى لا نجمد على أقوالهم في قضايا أخرى تنتظر منا الاجتهاد في ظروف غير ظروفهم.

ج- ننظر إلى تراثنا الفقهي في صورته التاريخية المجزأة من حيث غلبة الفقه الفردي في العبادات والمعاملات اليومية، وضمور الفقه السياسي العام لنروم نظم صياغة منظومة فقهية اجتهادية جامعة قادرة على الإجابة التفصيلية لمعضلات الحاضر وتحديات المستقبل.

تلكم أهم المنطلقات المنهجية التي نراها أساسا في توجيه النظر الاجتهادي المعاصر عند البحث في تراثنا العلمي.

4- بناء علوم العصر في الأمة:

من القضايا الملحة في البناء العلمي لمستقبل الأمة تأسيس وتمويل مؤسسات(6) البحث العلمي الجاد بسخاء من أجل اكتساب العلوم التجريبية وتوطين التكنولوجيا والأخذ بعنانها، مع العمل على أسلمة هذه العلوم، وذلك بتحريرها من الرؤية الفلسفية المؤطرة لها التي تختزل الإنسان في بعده المادي والزمن في بعده الدنيوي، مما أدى عمليا إلى توظيف نتائج هذه العلوم لإشباع شهوات الإنسان الأبيض الذي يمتلكها ولو كان ذلك على حساب الإنسان وبيئته. والاجتهاد في تحقيق هذا المشروع الضخم يتطلب مرحلتين متكاملتين:

أ-مرحلة حذق هذه العلوم والتمكن منها والأخذ بزمامها والوقوف على حقائقها ومناهجها ونظرياتها من قبل النخبة النابغة من أبناء أمتنا الإسلامية.

ب-مرحلة تحريرها مما علق بها من التصورات الفلسفية وصهرها في جهازنا العلمي والثقافي لتخدم أهدافنا، وتأطيرها برؤية إسلامية شمولية تنطلق من النظر إليها على أنها مناهج البحث في آيات الله الكونية تساند مناهج البحث في آيات الله الأخرى.

وبذلك نستطيع توظيف نتائج تلك العلوم لخدمة الإنسان وصيانة بيئته الحيوية، وذلك بعد إعادة بناء علاقة الإنسان بالكون وتحويلها من علاقة صراع شب عليها الإنسان الغربي عقيدة ومنهجا وسلوكا إلى علاقة تسخير كما حددها القرآن الكريم في أكثر من موطن منها قوله تعالى في سورة الجاثية الآية 12: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه) وقوله سبحانه في سورة إبراهيم الآية 53: (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار) وقوله عز وجل في سورة النحل الآية 14: (هو الذي سخر البحر لتاكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها) وقوله عز من قائل في سورة الملك الآية 15: “هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور).

تلكم أهم القضايا الاستراتيجية التي تشكل أوراشا كبرى أمام أهل النظر الاجتهادي المعاصر نرجو أن يشبعونها بحثا ودراسة وتقويما ونقدا حتى نراكم من الأعمال العلمية الجادة ما منه نستطيع أن نصوغ مشروعا علميا نظريا متكاملا لمستقبل الأمة.

الهوامش:

(1) إحياء علوم الدين للغزالي 1/95.

(2) انظر المصدر السابق/ الباب الثاني من كتاب العلم.

(3) لمزيد من التفصيل ينظر أدوات النظر الاجتهادي المنشور في ضوء الواقع المعاصر لقط مصطفى سانو ص 50 فما بعدها.

(4) أقصد بالدعوة القيادة العلمية الدعوية التربوية الفكرية للأمة وبالدولة القيادة السياسية والإدارية التنفيذية للأمة.

(5) جمع منها ابن الأثير الجزري 17 حديثا منها 13 وردت في الصحيحين في فصل وجوب طاعة الأمير.

(6) ومن المؤسسات العلمية التي استوعبت أهمية مشروع الأسلمة وتسخر جهودها الآن لبلورة مشاريع علمية في هذا المجال المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي يصدر مجلة إسلامية المعرفة والجامعة الإسلامية بماليزيا التي تصدر مجلة التجديد ومؤسسة المسلم المعاصر التي تصدر مجلة المسلم المعاصر.