(أو انحراف التاريخ وانكسار المسار)

د. مصطفى شكٌري

تمهيد:

من سرق تاريخ أمتنا غداة الاستقلال؟ وهل حقا حصلنا على الاستقلال بما تعنيه المفردة من حرية الإرادة وحرية الاختيار؟ أم أننا لم نعش في المغرب منذ خمسين عاما سوى “احتقلالا” خرجت به فرنسا من النافذة لتترك أبناءها المغربين من بني جلدتنا يمارسون علينا أشد أنواع الإهانة وأقساها؟ وظلم ذوي القربى أشد وأنكى؟ من جاهد لينال المغرب حريته ومن قطف الثمار ولبس الدثار ليحمل زورا وبهتانا ألقاب المقاومة ونياشين النضال متمتعا بالريع وغيره ممن جاهد حقا قتل أو غيب أو نسي في ظلمات النسيان؟؟ أسئلة نجد أجوبتها في هذه القراءة لكتاب الأستاذ عبد السلام ياسين حوار الماضي والمستقبل.

1- مداخل أولية:

إن أي خطاب لغوي يتضمن بالضرورة رسالة ما، توجهها ذات مرسلة نحو ذات مستقبلة أو ذوات من أجل تحقيق هدف وبلوغ تأثير معين، ضمن ظرفية معينة وإطارات محددة ومخصصة، وهو ما يجعلنا نحلل أي نص خطاب تواصلي من خلال الوقوف عند أسئلة من قبيل:

– من المتحدث (المرسل)؟

– ليقول ماذا (موضوع الرسالة)؟

– لمن (المستقبل)؟

– متى (الظرف المحتوي للرسالة)؟

– لأي هدف ولبلوغ أية نتيجة (المقصدية)؟

– التوصيف الخارجي:

الكتاب الذي نريد أن نقف عنده ونعرض لخطوطه العامة هو كتاب “حوار الماضي والمستقبل” للأستاذ عبد السلام ياسين، يتكون من 348 صفحة، صدر عن دار الأفق سنة 1997 في تسعة فصول ومقدمة ومدخل وخاتمة.

– من المتحدث؟

هذا السؤال يجعلنا نقف عند مصدر الخطاب ومرجعه ومنتجه لبناء صورة عامة عنه والخروج عموما بمعطيات عن منتج المادة الإعلامية التواصلية هذه:

نتعامل مع الأستاذ عبد السلام ياسين هنا باعتباره:

– رجل دعوة ينادي الناس إلى التوبة والإنابة إلى الله عز وجل.

– منظرا مجددا للحركة الإسلامية ينظر فيما استجد من هموم المجتمع وحالة الأمة زمن الفتن، ليقدم تجديدا أساسه الفهم عن كتاب الله المسطور وعالم الله عز وجل المنظور.

– مرشدا لجماعة إسلامية لا تريد أن تقبع على نفسها في ظلال الهامشية والسرية، بل تشارك وتبدي مواقفها مما يروج داخل المجتمع الذي تحيا فيه والأطراف التي تحركه وتتحرك فيه.

– متى (ضمن أية ظرفية؟):

لا نستطيع فهم هذا الكتاب إلا بوضعه ضمن إطار تاريخي واجتماعي وسياسي، يتميز بعدة خصائص على مستويات مختلفة:

المستوى الدولي:

– استمرار الهجمة الاستعمارية الاستكبارية على المستضعفين من بني البشر، رغم الدعاية لنظام عالمي جديد ذي قطب واحد أساسه مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية.

– اتجاه دول العالم نحو التوحد القاري مقابل حالة التشرذم والتشتت التي تطبع العالم العربي الإسلامي، وسيادة جو تتقدم فيه الثقة خاصة بعد حرب الخليج الثانية.

– خطر العولمة الاقتصادية التي لا مكان فيها للضعف أمام جحافل الأقوياء.

– استمرار حصر أنفاس الحركات الإسلامية بشتى الأساليب القمعية.

المستوى الداخلي:

– الدعايات الإعلامية التي تشيد بتغيرات واستحقاقات ستبدل وجه البلاد وترفع شأن العباد، قال عنها أصحابها إنها جدية، وهكذا عقد قران بين المتباعدين بالأمس القريب على أرضية تصريح مشترك جمع الأحزاب والسلطة في قطار واحد تعانق عرباته بعضها بعضا تبشيرا بغد الديمقراطية الحقة والشفافية الزجاجية المستوردة والتناوب والتنمية، ودولة حقوق الإنسان؟!

– استمرار الاختناق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي نتيجة السياسات الارتجالية للدولة، واستمرار الحصار على الحركة الإسلامية عامة، وعلى جماعة العدل والإحسان خاصة مرشدها، مما يدل على التناقض الصارخ بين الشعارات المرفوعة والممارسات المنجزة.

– تهافت الأحزاب بشتى تلاوينها على الفوز بنصيب من كعكعة الانتخابات، وصمتها المخزي على القمع الذي طال جماهير الطلبة الإسلاميين.

مستوى سير الجماعة:

– يأتي الكتاب حلقة تنضاف إلى سلسلة الكتابات التربوية والفكرية تحاور وتناقش وتفكر وتدلي بدلوها في معمعان عالم الأفكار وعالم السياسة، تقتحم عقبات المشاركة في الآفاق وتغيير المجتمع، وتبني مواقف محددة من الإشكالات التي يطرحها المجتمع المدني بما فيها من مقولات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

– يأتي هذا المؤلف بعد كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” الذي تعرض لتأويلات مغرضة حملته إياها هواجس مرعوبة من قوة هذا الفكر ووضوحه، وبعد “كتاب الشورى والديمقراطية” الذي أبان بجلاء عن مساق الديمقراطية باعتبارها نظاما بشريا وترتيبا عقلانيا لحياة المجتمع، وعن سياق الشورى باعتبارها أمرا إلاهيا بواعثها غير بواعث الديمقراطية وأهدافها غير أهدافها.

– لمن (المستقبل؟):

يضعنا هذا السؤال في علاقة مباشرة مع المتلقي، إنه يحدد مستقبل البلاغ وطبيعة المحاور الذي تتوجه إليه الرسالة:

نستطيع أن نوزع متلقي هذا الكتاب إلى:

– الشعب بصفة خاصة قصد توعيته وتربيته وتعبئته وفتح عيونه أمام المسرحيات التي تمثل أمامه وعليه دون أن يفهم الماسكين الحقيقيين بخيوط اللعبة. ” ليطلع الجيل الجديد المنهك في ارتباكات حاضر كئيب على مآتي المشاكل التي يتخبط فيها الناس ومصباتها، ومساربها، وتسلسل أحداثها، وتوليد أفكارها” (1)

– الفاعلين السياسيين في المشهد السياسي المغربي، مدا لجسور الحوار، طلبا لاستجابة متعاونة على ما فيه مصلحة الأمة معاشا ومعادا، وبالضبط زعماء الأحزاب الوطنية محاورة ومساءلة ومناقشة.

– محاورة لتاريخ المغرب، وتاريخ كفاحه الوطني، من أجل ضبط دقيق لأصول هذا التاريخ ولحقائقه ولذاكرة هذا الشعب وقوفا عند محطاته الأساسية، واستجلاء لتطوراته وتبدلاته ومساراته وآفاقه، هذه المحاورة تطرح قراءة التاريخ من أعاليه بعوينات الكتاب والسنة الشاهدة ضمن مشروع حثيث لإعادة قراءة تاريخنا العربي الإسلامي قراءة تفهم انكساراته وتحولاته.

– ليقول ماذا؟:

يتجه هذا السؤال إلى البحث في الخطاب والمضمون والأفكار التي تضمها الرسالة، ويمكننا أن نقف عند مضامين هذا المؤلف من خلال ما يلي:

قراءة في العنوان:

يعتبر العنوان مفتاحا من مفاتيح قراءة أي نص، إنه الملخص أو التيمة الكبرى التي تحرك أي خطاب، والبؤرة التي تتجمع عندها خيوط الدلالة العامة للمؤلف:

– حوار الماضي والمستقبل: مركب إضافي وعطفي:

+ كلمة حوار تقتضي التساؤل عن المحاوِر والمحاوَر، وعلى أية أرضية يتم هذا الحوار ولم؟ وما محدداته؟

+ الماضي: يطرح السؤال عن أي ماض يتحدث عبد السلام ياسين، ولماذا الرجوع إلى الماضي؟

+ المستقبل: تنفتح أسئلته إلى البحث عن المستقبل المقصود والمنشود، والواو العطفية تفيد معنى الاتصال لا الانفصال، اتصال الماضي والمستقبل! لكن هل هو اتصال تداخلي كلي أم جزئي؟ وهل الحوار يبدأ من الماضي ليصله بالمستقبل؟ ثم أين هو الحاضر؟… هل هو الواو الرابطة بين الماضي والمستقبل؟

في سميائية الصورة:

الصورة عند اللغويين دال له دلالة وإشارة لها معنى ورمز له مرمى وغاية، صفحة بيضاء مطبوع عليها بحبر أسود وتحتها صورة لساعة رملية لم يبق على تدفق رملها إلى القاع سوى وقت ضيق، وعبارة حوار الماضي تأتي وحيدة متساوية مع المستقبل تتوسطها الواو.

هل الصورة البيضاء: صورة التاريخ الحقيقي الذي يسير وفق قدر الله، وهل الحبر الأسود لوثة التوجهات الفاسدة التي زورت وغيرت وغشت وسرقت تاريخ الأمة، هل الساعة الرملية بالشكل الذي صورت به تقول: إننا على أبواب عهد جديد ينهي ماضي التزوير ليبدأ وقت جديد أساسه وضع النقط على الحروف. وهل التساوي بين العبارتين يجعل من الحوار عن الماضي وفهم الماضي وحقيقة ما وقع في الماضي شرطا لتحقيق توازن كفة المستقبل، وهل الواو تجسد الحاضر المثقل بالآلام والآمال حتى صغرت، وتقزمت، واضمحلت اضمحلالا يؤدي بالتلاشي والانهيار إن لم تتداركنا رحمة ربنا يلقيها في قلوبنا لننهض لبناء مستقبل عريض بالآمال والرحمة..؟

أسئلة مشروعة ومتنوعة ومتداخلة نجد لها أجوبة من خلال قراءتنا للمقدمة وللمدخل اللذين يحددان لنا المقصدية والهدف من الكتاب.

قراءة في المقدمة والمدخل:

يتوجه هذا الكتاب إلى الأحزاب الوطنية، فحتى لا تتم قراءة تاريخ الحركة الوطنية قراءة مغرضة مزورة تطوي حقائق التاريخ، وحتى تتم المساهمة في إطلاع الجيل الحاضر الغارق في مآسيه ودوامة مشاكله على هذا الانكسار التاريخي الذي حول مسيرة الحركة الوطنية من مبدأ يعتمد الإيمان، والإيمان وحده، إلى اتجاهات وشيع متباينة أساسها الزندقة والإلحاد والفكر الثوري التقدمي- قلت يطرح عبد السلام ياسين سؤالا أساسيا على هذه الأحزاب، هو سؤال المستقبل الإسلامي ليعرف من “أين جاءت؟ وإلى أي مستقبل يؤهلها ماضي الجهاد وجهاد رواد الحركة الوطنية إن هي سلكت مسلكهم وكانوا أهل إيمان أو تنكبت طريقهم وتخاذلت عن نصرة الإسلام” (2)

إنه سؤال ينصرف بداية إلى الماضي لينقب ويحفر في الذاكرة التاريخية لهذا الشعب عن مأتى هذه الأحزاب، ليبحث عن هذا الانحراف الذي وقع وكيف وقع؟ وما الآليات الفكرية والدينامية والسياسية التي حولت وجهة قاطرة الحركة الوطنية من وجهة شعارها الإيمان والإيمان وحده، إلى زندقة مفلسفة وزيغ سياسي وإلحاد سافر” (3)

ثم إنه سؤال يسأل هذه الأحزاب عن تصورها للمستقبل لوجهتها فيه، بسلوكها إما طريق الإيمان الذي حرك رواد الحركة الوطنية، وإما بتنكبها عن طريقهم وخذلانها لدين الله.

تكمن أهمية السؤال ومحوريته في أنه “بدون التبصر في الجواب عنه نوشك أن نعمه في دروب السياسة مع الكادحين في الأرض بلا وضوح ولا هدى ولا كتاب منير” (4)

الماضي إذن هو ماضي الحركات الوطنية ماضي قياداتها، والمستقبل هو مستقبل الإسلام في هذا البلد الأمين.

يتم نقاش هذه الأسئلة في إطار حواري مما يطرح لنا السؤال عن محددات هذا الحوار:

استعمل الأستاذ عبد السلام ياسين كلمة حوار في رسالة له عن النخبة المغربة ساءل فيها هذه الطائفة التي تتلمذت للغرب وتشيعت بفكره، ثم في مؤلف ثان له هو “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” الذي عرض فيه لضرورة الحوار وحدد أرضية الحوار ولغته والنفسيات والذهنيات التي تقف دونه:

– إن الوضوح يقتضي أن يكون الحوار صريحا ودقيقا ليس الحوار الهمس الرقيق بين أحباب في وداعة الحملان، وليس حوار التغاضي وتبادل المجاملات حتى لا يتم إحراج شعور البعض.

– إنه حوار الكلمة البليغة الصافعة وجه الإلحاد والنفاق، المنقبة في المباني الفكرية والتاريخية الثاوية الموجهة للحركة الوطنية، حوار لا يخجل من أن يسمي الأشياء بمسمياتها دونما حاجة للأسلوب المدعي “الأكاديمية” و”الموضوعية”.

– ثم إنه حوار يدعو أطراف الحركة الوطنية التي تدعي لنفسها وراثة الكفاح الوطني، الذكاء، والوفاء، والتي تنعت الآخرين بالبلادة والظلامية والتزمت والانغلاق والجهل بآليات التغيير، يدعوها إلى الجلوس للتساؤل عن الأرضية التي يقف عليها كل فريق؟ عن موجهات كل طرف الفكرية والعقدية، عن السياقات التاريخية والمؤثرات الفكرية الموجهة لتصور كل واحد.

– هدف الحوار بهذه اللهجة المثيرة السجالية، يرجع إلى أن:

“نرى أنفسنا تائبين مع التائبين فرحين أن تاب بتوبتنا تائب” التوبة على أرضية سياقها الإيمان بالله وباليوم الآخر وعلى سياق نظام الشورى الذي هو غير مساق الديمقراطية.

– وإن الذي يفرض هذا الوضوح، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:

“هو هذا المستقبل المليء بالتحديات المصيرية، لا يمكننا أن نقوم لها إن سكنا في مسترحات المجاملة ولا قوة لنا جميعا أن ننفع أمتنا ونرقى بها مراقي العزة والكرامة إن خندق بعضنا خلف سرية ماضيه وسياقه ومبانيه ليوهم الشعب ويكذب على الله والناس والتاريخ” (5)

الهوامش:

(1) حوار الماضي والمستقبل عبد السلام ياسين ص 6.

(2) نفسه ص 5.

(3) نفسه ص 11.

(4) نفسه ص 5.

(5) نفسه ص 25-26.