علم الله الرؤوف بعباده الرحيمُ أن فينا ضعفا، وأن كمال الصفاء البلَّوريِّ في النيات والباعث والوسيلة والهدف مثال يصبو إلى بلوغه المُبْحِرُ في محيط التكليف الشرعي، الصاعد على سلَّم التربية من إسلام لإيمان لإحسان. يصبو ويقتحم عقباتٍ في النفس البشرية، وعقبات تبصُق في وجهك وتستفزُّكَ، وعقباتٍ تصدك عن سبيل الله، وعقبات تُحرِّف بك الطريق من مسارك الصاعد لتُلهيك بالسفساف، ولتغرك بزينة العاجلة، ولترُجَّ بك في هَوَسِ العالم.

   علم الله خالقُنا وبارئنا أن فينا ضُعفا عن حمل أعباء التكليفِ بالقوة التي لا تلين، والنية التي لا تتململ، والإصابة التي لا تخطئ. فخفف عنا. له الحمد وله الشكر.

   خفف عنا حين جعل التكاليف الشرعية منوطةً بالاستطاعة في قوله سبحانه: “فاتقوا الله ما استطعتم”، وقوله عز من قائل: “لا يكلف الله نفسا إلا وُسعها”.

   وخفف عنا حين جعل في التكليف عزائمَ للأقوياء الأصحاء، ورُخصا للمرضى والعاجزين.

   وخفف عنا التخفيف الكامل والعفو الشامل إن نسينا أو أخطأنا.

   ووضع عنا الإصْر والوِزر ما تبنا واستغفرنا.

   وعفا سبحانه عما يكون في نياتنا من نقص في التوجه، بل شرع لنا أن ننتصر لأنفسنا ممن ظلمنا رخصة لضعفنا عن كبت غضبيتنا الانتقامية، والعزيمة للأقوياء القادرين على كظم الغيظ، المحسنين العافين عن الناس.

   على أقدار الناس ودرجاتهم على سلم الإسلام والإيمان والإحسان يطلب إليهم التكليف الشرعي حد الوسع والطاقة. ما لابد منه بحال من فروض العين مثل الصلاة في وقتها للمُقيم والمسافر والصحيح والمريض فالأداء واجب، والكيفية تُخفَّف على صاحب العذر، وما هو من قبيل فروض الكفاية فذوو الكفاءات والقدرات يكفون سائر المسلمين. ويفوزون دون سائر المسلمين بالجزاء الأوفى.

   هذا في التكليف الظاهر التنفيذي. أما التكليف القلبي المتعلق بصفاء النية وخلوصها فالتخفيف فيه واسع أيضا. يدخل هذا التخفيف الباطني وذاك التنفيذي الجوارحي في كلية “وما جعل عليكم في الدين من حرج” (سورة الحج 78) وفي كلية: “إن هذا الدين يُسْرٌ” الحديث.

   من دخل في حيطة التكليف الشرعي وكنفه فواجباته الدينية أداها على درجة دينه وعذره فنجا، أو تلاعب بها ونافق فيها فذاك من الخاسرين، إلا أن يتوب إلى الله ويتوب الله عليه. يستوي في هذه المسؤولية كل زيد من الناس وعمرو. السياسي المناضل الذي لا يصلي خرَّب عماد بيت دينه إن كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. أما إن لم يكن يشهد، إن كان خارج دائرة لا إله إلا الله المرحومة، فذاك لا بيت له حتى يخْرَبَ.

   ونصل إلى ساحة العمل المشتركة بين المسلمين  المصلين وأهل لا إله إلا الله- منهم المناضل الذي لا يعلم أن لإسلامه تكاليف مضبوطة، والعامل لآخرته. يلتقيان ويفترقان درجة صدق، وكفاءة عمل، وباعث عمل، وهدف عمل، ووسيلة عمل.

   الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فهل في مقدور المسلمين الصادقين السمو إلى السيادة المطلقة على النفس، يحبسها ويحاسبها حتى تصفو نيتها لكيلا يضيع عمله هباء منثورا، ولكيلا يكون عمره سلسلة من التحركات الذاهبة مع رياح التاريخ، لا وزن لها عند الله، ولا أثر لها في الصحيفة. يوم يُؤتى الناس كتبهم: هذا يؤتى كتابه بيمينه، وذا المُبعد يؤتاه بشماله، والسابقون السابقون، أولئك المقربون في جنات النعيم.

   رجلان، أو امرأتان، قدما تضحيات نضالية، وحملا همَّ الشعب، وأنجزا نفس الإنجاز. هذا باطل عمله عند الله، وذاك صحيفته ثقيلة في الميزان يوم النشر والحشر والموازين والصراط والجنة أو النار.

   كلمة تلوكها الألسن: كلنا نعمل في سبيل الله! كل من مات في ساحة النضال فهو شهيد! وكأن إلصاق كاغَدٍ على نعش ملحد مكتوب فيه “هذا شهيد الوطن” أو شهيد الحرية، أو ما شئت، يقوم مقام الطابع البريدي على الرسالة المضمونة، توصل صاحب النعش إلى ملائكة الرحمة ولو كان في حياته الدنيا ملحدا، أو تاركا للصلاة، أو عاصيا لم يتُب إلى الله، أو كذابا محترفاً!

   كلا! فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. لا يستوي من كانت هجرته إلى الله ورسوله جهادا في سبيل الله مع من كانت هجرته لمنصب دنيا وسُمعة تاريخ نضالا وبطولة قالت في الدنيا: أنا! أنا! وهي في الآخرة من الهالكين!

   ما بين صفاء نية مثل نية الإمام علي كرم الله وجهه وبين ذمة الناصية الكاذبة الخاطئة العاملة في الدنيا بنية فاسدة، الخاشعة في الآخرة الذليلة فيها، مجال رحمة وتخفيف.

   هامش خطإ وسهو وضعف بشري ترسم حدوده الآيتان الكريمتان: قوله تعالى يخاطب المومنين: “وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها” (سورة النساء 75).

   وقوله جل وعلا: “أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا. وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله” (سورة الحج 39-40).

   هامش للضعف البشري ومجالُ رحمة وتخفيف. قلّما تصفو النية الجهادية من الغضبية البشرية أمام مشهد المظلومين من الرجال والنساء والولدان الذين يعانون من ظلم الظالمين وعدوان المعتدين. وتعال أمسك بيد شاب مومن تطوع لصد عدوان الصرب وما فعل الصرب بالحرائر والأطفال والمستضعفين! أمسك بيده حتى يبرد وتصفو نيته. يبرد ويستقيل من المهمة، ويحوقل مع القاعدين: “هذا ما أراد الله!”.

   علم الله ربنا وخالقنا ما ركبه في طوايانا من مرجل غضب على الظلم هي من مقومات الجهاد. ما طلب إلينا الشاق الممتنع: أن نقاتل في سبيل الله بدون أي اعتبار. إنما قال: “في سبيل الله والمستضعفين”. وحرضنا على قتال الظالمين تحريضا بليغا إيحائيا بما وصف من حال المستضعفين من الرجال والنساء والولدان يستغيثون ويستصرخون.

   وكذلك في آية الحج أذن لنا في قتال عدونا لحيثيات منها أننا أخرجنا من ديارنا. سبق هذه الحيثية المستفزة الموقظة لغضبيتنا، وثنى بالحيثية العليا: وهي أننا نقاتل من أجل عقيدتنا.

   ونجد في صف الجهاد من ثارت حميته لأنه أخرج من داره، ومن كان غضبه لله ولدين الله المقاتل أسبق في الاعتبار أو الوحيد في الاعتبار. ولعل هذا يكون استثناء، وروحا سماوية كما كان أمثال الإمام علي كرم الله وجهه.

   المسلمون مراتب، والبواعث مراتب، والنيات مراتب.

   وإنما تقرب بين المستويات التربية. التربية تنمية الإيمان والطموح. التربية صعود إرادي وتصعيد مستمر. التربية اقتراب من الكمال وتقريب. التربية قدح زناد في القلب والعقل، إشعال فتيل، تعبئة طاقات فردية لتندمج في حركية اجتماعية يعمل فيها العاملون بجهد متكامل ينفع الله به الأمة.

   إن قلت: تعبئة طاقات فردية حركية جماعية، فقد رسمت للحوار هدفا. نعم! ورسمت للقاء موعدا. نعم!

   نعم! لكن الحوار واللقاء على أرضية غير أرضية الإسلام تغرير وسوء تقدير. قال الله تعالى يحذر المسلمين من المنافقين أن يتخللوا صفوفهم: “لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا” (سورة التوبة 47).

نعم! ويتفاوت المسلمون المنضوون في كنف الشريعة والتزام التكليف. أما الخارجون عن نطاق الشريعة الرافضون بحكمها فهم في الساحة عمال من طبيعة أخرى، وتربية أخرى. وقد يصل التناقض بين نية ونية، وطبيعة وطبيعة، وتربية وتربية حد القطيعة المعلنة.

   ذاك الذي كتب بقلمه، وخطب في خطبته، واحتج ملء رئتيه أن له حقا في أن يمارس حريته في الإلحاد، وإلحاده في “الاجتهاد”، ومدنيته الديمقراطية اللاييكية طبعا ومولدا، وأن يجلس للحوار على أرضية تناسبه ليست هي أرضية الإسلام، وأن يتكلم بلغة لا يفهم غيرها لا سيما لغة القرآن.

ذاك ما يجمعك ويجمعه؟

   ذلك تعلو البشاشة الساخرة أسارير وجهه إن قرأ في صحيفته نعت المومنين والمومنات بأنهم ظلاميون، وقرأ في صحيفته صورة مصل ومحجبة وسط صفحة عامرة غامرة بمقال مترجم أو مبدع عن التطرف والمتطرفين. الصلاة تطرف! الركوع والسجود أوضاع غريبة.

   لا جرم يرفض الجلوس على أرضية الإسلام. لا جرم يفعل لأنه نتاج تربية أخلت قلبه من أحاسيس الإسلام، وأفرغت عقله من كل معرفة تقول بالوحي والشريعة، وغربت كيانه النفسي، وثقفته، وعلمته.

   إنه نتاج تربية أخرى غير تربية تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.