يؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين أن سنة 2006 هي سنة فتح مؤكد، وفي انتظار ذلك تطيش الأفهام ذات اليمين وذات الشمال، كل يؤول الأمر بما فتح الله عليه، والجميع ينتظر المفاجأة التاريخية. مع أن أهم مفاجأة قد حصلت دون انتباه. كيف ذلك؟

منذ شهور عدة يعيش المغرب على إيقاع ظاهرة “الرؤى” أو “المبشرات”، والمرتبطة أساسا بجماعة “العدل والإحسان”، فقد أذن مرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين، لجميع الأفراد، بأن يصدعوا بما يرونه بعدما كان ذلك محصورا بينهم.

جميع الرؤى والمبشرات قاسمها المشترك، أن أعضاء التنظيم الأول بالمغرب، يسيرون في الاتجاه الصحيح الذي يرتضيه لهم الله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ومن خلا قبله من الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم أجمعين، وأن المستقبل الموعود للأمة الإسلامية في الحديث/البشارة (يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد رحمه الله بسنده الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنه:”تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها.ثم تكون مُلكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها. ثم تكون ملكا جبريا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت”) أمر حاصل بالتأكيد.

وكان لذلك صدى واسع لدى جميع مكونات الساحة السياسية، والمواقف من ذلك تباينت وتعددت، منهم من استهزأ ومنهم من رفض التعليق ومنهم من جعل الظاهرة دليلا على النفق المسدود الذي وصلت إليه الجماعة، ومنهم من طفق يحلل الأمر بوسائل علم النفس ليبرهن أنه الهوس بعينه يصيب تنظيما هو الأقوى من نوعه في الميدان، وطائفة منهم جعلت ذلك عربونا على أن “الزحف” الذي يكاد يعم المملكة السعيدة بالخراب المبين… هكذا شأن أصابه “الاكتئاب” السياسي فأصبح يرتعد لأدنى حركة يعرفها واقع يغلفه الجمود القاتل.

أمر الرؤى والمبشرات، وللأسف لم يتصد له الصف المغرم بـ”علمانية طاهرة” فقط، بل تصدى له كذلك إسلاميون معروفون بغيرتهم على دين الله. مع أن الدين كما علمه جبريل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته في الحديث الشهير هو إسلام وإيمان وإحسان، والرؤى هي من شعب الإيمان.

حينما يقول قائل بأن مكان الإسلام الطبيعي هو المسجد، نجد جميع “الإسلاميين” يجمعون على أن تلك مغالطة في حق دين الله، لكن حينما يقول قائل بأن عامل الغيب ينبغي أن يكون منارا للمؤمنين في جميع أمورهم صغيرها وكبيرها، ينبري له الجميع بأن ذلك هو التخريف والهراء والهوس. فما أشبه اليوم بالأمس.

هل ننتظر عقودا أخرى لنقتنع بأن الغيب ليس هو الجنة والنار والحساب والعقاب والجن والملائكة ويوم القيامة، بل هو كذلك رؤى كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحتفل بها عقب كل صلاة فجر، يستبشر بها ويعلم صحابته الكرام الاستبشار بها، فهي أمر إلهي يبثه الله في قلوب المؤمنين. كانت جلسات قص الرؤى سنة نبوية تحاط بالتوقير والاحترام والتبجيل، فها هي اليوم محط استهزاء وتهكم وتشنيع، يتبارى في ذلك المفلسون في سوق التسابق نحو جنة المناصب ورياض مراكز المسؤولية.

لقد كان الحديث عن الرؤى والمبشرات والمشاهدات، حبيس مجالس أولياء الله الخاصة، وهم في خلواتهم بعيدا عن الناس وحياة الناس وغثائية الناس. ولا تكاد تجد لها ذكرا إلا في بطون كتب أهل الذكر، وما تتناقله كتب من صحبوا ورثة الأنبياء.

واليوم، وبعد قرون من انسحاب أهل الذكر والتقرب من الله من الميدان نحو هامش التاريخ، أصبح تناول الأمر وتداوله يتم علانية وعلى رؤوس الأشهاد، وبشجاعة ناذرة، مقرونة بقوة الدليل من الكتاب والسنة وتراجم أعلام الأمة وتاريخ من سبقونا بالإيمان والإحسان. فلا عجب أن تكون الصدمة من القوة ما تدفع به العقل المقلد والقلب النائم، إلى إعلان النفير خوفا وهلعا على “ما وجدنا عليه آباءنا”، هذا إن كان العقل والقلب مسلمين، وأما إن كانا من معتنقي المادية المحضة، فمجرد ذكر الغيب يكاد يصيب الضحية بالاختناق. ولنعد لصلب الموضوع.

هدف الأستاذ ياسين، العالم الرباني بالدرجة الأولى تحقق. كيف؟

لقد تمكن من إعادة الاعتبار لعامل الغيب، العامل القوي الحضور في فكره. لقد كان مجرد ذكر عبارة “قال الله” و”قال الرسول” (صلى الله عليه وسلم)، علانية في الساحة السياسية، دليل تخلف وظلامية ورجعية، اليوم أصبحت “الرؤى” و”المبشرات” و”المشاهدات” أمرا معترفا به بأنه جزء من الإيمان، كاد لطول غيابها عن الميدان، أن تصبح من مخلفات ماض مجيد، إحياؤه أصبح إحدى المستحيلات.

لقد كان الإيمان هو أن تؤمن بالغيب وكفى. اليوم أصبح الإيمان هو أن تعبد الله، ولا تزال تتقرب إليه بما فرضه من فرائض وما جاءت به السنة من سنن، حتى يصبح لك قلب مغمور بحبه تعالى، يقظ وحي متعلق بالملكوت الأعلى، لدرجة عالية من الإيمان، تجعلك ممن يريهم عالم الغيب من أموره العظام في اليقظة والمنام. أمور يستبشر لها العبد ويفرح، تشجع على المثابرة والاجتهاد، ولا ترمي به في هامش الانتظار والانزواء في انتظار موعود الله الوارد في الحديث / البشارة.

لقد حاول كثير من الكتبة والمتشككين ليّ ذراع أمر المبشرات، فتصوروها إما تسبيقا ليوم أسود يتربص بالبلد، وإما علامة على إفلاس منهج تختص به الجماعة، وإما أن الخرافة حلت محل الخلافة، وها هو الجميع ينتظر. انتظار مقرون بطوية غير بريئة.

خــاتمة:

ينبغي اليوم الاعتراف للأستاذ عبد السلام ياسين بفضيلة أنه نجح في إعادة الاعتبار لعامل الغيب، لقد أعاد له ما يستحق من الإجلال والتعظيم، والدليل أن الجميع أصبح يعلم أن عام 2006 لن يكون عاما مثل سالف الأعوام. إنه يؤكد أنه سيعرف فتحا مؤكدا، لا يشخص الفتح في حدث مخصوص، وما أعطته التأويلات والتلفيقات من خارج الجماعة هو غير مسؤول عنه.