يقول تعالى: ” وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمُهْلَكِهِم مَّوْعِداً”.

ضاقت الأمة ذرعا بظلم المخزن وفساده وما يزخر به سجله الحقوقي من تقتيل وتشريد واختطاف وسَجن ونفي وهلم جرا من صنوف التعذيب والإهانة التي استعصت على عدها لوائح هيأة زعمت زوراً إنصاف مظلومِ عهد قديم بعد أن تصالحت مع الظالم القديم الجديد.

ظلم نال منه فتيةُ العدل والإحسان المثبتون بسجن الجور نصيبا أوفر منذ أن طالهم بطشُ المخزن خريفَ موسم جامعي كان قد أنذر باندحار فلول اليسار من “القلاع المحصنة” وأفول نجم الملحدين في دين الله المعنفين على عباد الله من جامعة العلم والإيمان. حمل الفصيل ـ بحمد الله ـ آمال الطلبة التواقين إلى غد الحرية والعدل، وتحمل عنهم آلام العنف ومرارته، فتواطأ على تلك الثلة المتواطئون وتحالفوا ـ ولا يزالون ـ لقمع ذلك الصوت، وإخماد جذوة الإيمان والرجولة والمسؤولية، فحيكت ضدهم المؤامرة ولفقت لهم التهمة الزور: أن هؤلاء إرهابيون! ولسان حالهم يقول:

“أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ”.

ذنبهم الوحيد أنهم حُـمِّلوا فشل مساومات على مبادئ دينهم وجماعتهم، فأدوا الضريبة غاليا: عشرون ربيعا من شبابهم! “وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ”.

ومنذئذ وظلم الجبر يُنيخ عليهم بكلكله زهاء أربعة عشر عاما لم يتطلعوا خلالها إلى حرية ذليلة أو عفو مهين، رغم ترغيب الإغراءات وترهيب الاستثناءات التي تتالت عليهم تترى. إنها ضريبة الجهاد والكلمة المسؤولة يؤدونها عن جماعتهم حبا وكرامة، يقاسمهم فيها الأهل والإخوان حين تجرعوا مرارة فـَقـْدِ أفلاذ الأكباد وقساوة السجان وبعد السفر. فبراءة إلى الله من ظلم المخزن وحلفائه، لهؤلاء الرجال ولأهليهم ولأبرياء آخرين ضاقت بهم لوائح الحقوقيين بعد أن غصت بهم سجون الجَور قبل مايو البيضاء وبعده.

فبظلم من الذين ظلموا قد حان موعد هلاكهم، نضربه لهم في غدٍ يرونه بعيدا ونراه قريبا. وإن غدا لِناظره لقريب!

بعضٌ من هلاكهم نراه اليوم رأي عين أزماتٍ خانقةً واحتقانا شاملا عمت به البلوى؛ كلما أرادوا أن يطفئوا نارها أشعلها غضب الغاضبين، وطوفانا جارفا في الجامعات أو في الشوارع أو أمام البرلمان، في البحر أو في الأرياف أو في الصحراء.

ونحن لتمام هلاكهم ناظرون: جلاءً لرؤوس الفساد وخزيا لهم في الدنيا والآخرة.

“وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ “.

وبغد النصر والتمكين مستبشرون: خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

“وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ”.

ولا يغرّن هؤلاء الظالمين تكالب الاستكبار العالمي على المسلمين وتسعير حملته المزعومة ضد الإرهاب، التي شرعت لهم تقتيل الأبرياء في فلسطين السليبة والعراق الجريح وأقطار أخرى من بلاد المسلمين، ونهب خيراتها ومسخ أبنائها. إنما المستهدف الإسلام، وإن للإسلام ربا يحميه ويغار عليه، وجندا يهيئهم ليوم يتنزل النصر فيه على أيديهم إن شاء الله.

فها قد حان الموعد!

“وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ”

د. محمد اللياوي

من سجن بوركايز بفاس