بمناسبة صدور النسخة العربية لكتاب الأستاذة ندية ياسين Toutes voiles dehors، نظمت الدائرة السياسية بمدينة البيضاء حفلا لتوقيع الكتاب بتاريخ 13 نونبر 2005. النسخة العربية تحمل عنوان: “اركب معنا: دعوة إلى الإبحار”، مكونة من ثلاث وعشرين وأربع مائة صفحة من الحجم المتوسط.

ابتدأ الحفل بكلمة لمترجم الكتاب، الأستاذ جواد مفتي، أستاذ الترجمة والمصطلحات بالمدرسة العليا للأساتذة بالبيضاء وبالمعهد العالي للإعلام والتكوين الصحفي بالبيضاء، تلاها تقديم الكتاب من طرف مؤلفته، ثم مداخلات الحضور الذي بلغ حوالي مائتين من المثقفين المهتمين بكتابات الأستاذة ندية ياسين وبفكر جماعة العدل و الإحسان عموما. و قد توج الحفل بتوقيع الكتاب للحاضرين من طرف الأستاذة ندية ياسين، مع حفل شاي بالموازاة.

فيمايلي رصد مختصر لبعض التفاعلات مع الكتاب، و لبعض ما ورد من أفكار تجيب فيها الأستاذة المؤلفة عن ثلاثة أسئلة أساسية وهي:

لمن الكتاب؟

من المستهدف بالكتاب؟

وما هي الطريقة التي اتبعتها لعرض الإسلام في الكتاب؟

ندية ياسين: الإبحار نحو البحث عن معنى الوجود

ندية ياسين اسم ذو شهرة واسعة في الأوساط الفكرية والثقافية بالمغرب، ويكاد الأمر يكون كذلك في العديد من الدول خارج المغرب أيضا. فهي بالإضافة إلى كونها ابنة الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان، أقوى جماعة إسلامية في المغرب، إحدى قيادات جماعة العدل والإحسان. وهي إحدى الشخصيات ذات التأثير الواسع في الأوساط الثقافية بالمغرب، فقد أثرت الساحة الفكرية بمقالات عدة حول مواضيع مختلفة أسهمت من خلالها في تحليل الأوضاع السياسية، الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب، كما أسهمت بمقالات عدة عن وضعية المرأة، العولمة، الإسلام والديمقراطية…

وقد توجت كتاباتها بمؤلفها Toutes voiles dehors الذي صدر سنة 2003. هذا الكتاب الذي أثار منذ صدوره اهتمام كثير من المثقفين داخل المغرب وخارجه، فهذا الدكتور زكي مبارك يتحدث عنه قائلا: “لغة الكتاب الفرنسية أقرب إلى لغة أكبر الكتاب الكلاسيكيين، وأسلوبه فيه من اللبس والإيحاءات والمجازات ما يحتم على القارئ المتوسط الفهم والإدراك، التوقف والتوقف مليا عند بعض الفقرات والجمل لفهم ما تنطوي عليه من معاني وإيحاءات وتلميحات رمزية…”(1).

وفي مقال صدر في موقع oumma.com بتاريخ 3 يونيو 2003 عن جمعية Emergence، يصف الكتاب بأنه “… يساهم في فهم مجموعة من الأحداث المعاصرة في العالم الإسلامي، كما يوضح الرؤية الإسلامية للحداثة. شيء آخر يتميز به الكتاب وهو أن مؤلفته سيدة تنتمي لحركة إسلامية مغربية معارضة تنعت بكونها متطرفة وهي “العدل والإحسان”. وهي تنعت كذلك نظرا لموقفها من سلطة مستبدة ووراثية، لا تعترف العدل والإحسان بشرعيتها. أما فهم هذه الجماعة للممارسة الاجتماعية للإسلام فهو ينتظم في سياق الاجتهاد المستمر، اجتهاد جريء ومجدد…”

صدرت في أكتوبر الماضي النسخة العربية للكتاب نفسه تحت عنوان “اركب معنا: دعوة للإبحار”. وقد نظمت الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان بالبيضاء حفل توقيع للكتاب يوم الأحد 13 نونبر 2005 حضره حوالي 200 مثقف من المهتمين بكتابات الأستاذة ندية ياسين. وفي معرض حديثها عن مضامين كتابها حاولت المؤلفة الإجابة عن أسئلة ثلاث، نوردها مرفقة بفقرات حية من كتابها باللغة العربية:

لماذا الكتاب؟

تقول المؤلفة أنه عمل أكاديمي شاق أنجز بنية الدعوة إلى الله تعالى، وطمعا في نيل أجره في الآخرة. وتوضح أن من أهم أهدافه تكذيب الأطروحة التي تدعي صدام الحضارات وتأكيد وجود إمكانية كبيرة لحوار بين الحضارات بدل الصدام.

وتوضح ندية ياسين في مقدمة الكتاب هدف مؤلفها قائلة: “فأنا لا أكتب فقط رغبة في المضي قدما على درب الاعتراض والاحتجاج، بل واجبي مثل كل مسلم ومسلمة أن أميط الحجب الثخينة التي تمنع الآخر من تلقي الرسالة القرآنية، رسالة الله عز وجل إلى الإنسان، كل إنسان”(2) وتضيف موضحة في نفس الصفحة: “هدفي الأساس تحطيم العوائق التي تقوم حاجزا بين الإنسان وبين حقه في معرفة سر وجوده بمعرفته خالقه”، “هذا الكتاب أولا وقبل كل شيء نداء قلبي مدعوم بالبراهين والأدلة، دعوة متحرقة إلى البحث عن المعنى، معنى هذا الوجود”.

لمن الكتاب؟

المستهدف بدرجة أولى الإنسان الغربي، ولهذا تمت مخاطبته بلغته. وهو ما توضحه ندية ياسين في مقدمة الكتاب: “أكتب لأولئك الذين لم يعودوا قادرين على الدوران والذين أصبحت لهم الجرأة على مواجهة أنفسهم، أولئك الذين يجرؤون على التفكير بشكل مخالف. أكتب لطيور النورس التي لا تحيى إلا عندما تحلق في الأعالي (…) لأنني أعشق أعالي البحار، أدعو كل من يشعر بالاختناق إلى الرحيل هناك، حيث لم يعطن الهواء. أدعو كل من يدور ويدور ويجر رحى الحياة التي تطحنه دون هوادة إلى الانعتاق.”(3) وكما أن لكل كتاب هدف فله أيضا باعث وعنه تقول الأستاذة: “حب الإنسان، مواطن الحداثة الذي يصده هذا الركام الهائل من التعميات عن إدراك مغزى وجوده والحصول على تذكرة تؤهله لولوج عالم الإنسان الحقيقي.”

هو كتاب دعوة همه توضيح أن الإسلام رسالة حق. وهذا يقتضي من المخاطب أن يتقمص شخصية الإنسان الغربي ويحاول فهم العقبات التي تعيق العقل الغربي عن فهم رسالة الإسلام. وتوضح المؤلفة هذه العقبات الواحدة تلو الأخرى، منها عقبة ذاتية تتمثل في تشبع العقل الغربي بفلسفات ديكارت وداروين وغيرهم، وهذا ما دفع ندية ياسين إلى وقفة نقدية مع هذه الفلسفات. ثم عقبة وسائل الإعلام وما تمارسه من ضغط نفسي على الأفراد، إذ تشحن العقل وتجعله عاجزا عن طرح أسئلة وجودية. ثم عقبة علاقة الغرب مع المسلمين وتصفها المؤلفة بأنها علاقة ملغومة تاريخيا.

وتؤكد المؤلفة في نفس الفصل على وجود عقبة متمثلة في المسلمين أنفسهم. إذ لا يقومون بنقد ذاتي يتساءلون معه عن حالهم كيف هو، وتضيف بأن المسلمين يعيشون واقع انحطاط يتطلب منهم البحث في تاريخهم عن الأسباب التي جعلتهم يصلون إلى درك الانحطاط. وجعلتهم أكثر من ذلك عاجزين عن تبليغ رسالتهم إلى الناس بما هي رسالة حق ورحمة وحكمة.

ما هي رسالة الإسلام؟

وفي الفصل الثالث والأخير من الكتاب تعرض المؤلفة البضاعة: رسالة الإسلام التي يجب أن لا نخلطها بباقي الرسالات وأن نزيل عنها الغبش، هي رسالة تدعو إلى العلم وليست ضده وأهم علم معرفة الله تعالى والكشف عن معاني الغيب التي ضاعت عند المسلمين. وتقول الكاتبة أنه بعد عرض الرسالة يبقى للقارئ الحق في أن يقتنع بها أو لا، إذ لا إكراه في الدين، المهم أن تبلغه واضحة خالية من التشويه والشوائب.

وتختم ندية ياسين الكتاب “الرسالة” بقولها: “حاول هذا المكتوب أن يستطلع جميع الحجب التي تشوه صورة الإسلام، والرجاء أن يكون قد بلغ صوته بعض القلوب وبدأ يقنعها بأن الإسلام ليس تقوى عاجزة ولا همجية متحجرة، بل هو سكينة تامة ورحمة كونية.”

كانت هذه بضع أفكار مستوحاة من التقديم الذي تفضلت به الأستاذة في حفل التوقيع ومستوحاة أيضا من مقدمة وخاتمة الكتاب. أفكار تعجز عن تبليغ المضامين العميقة للكتاب، لكن تطمح على الأقل لإثارة فضول من لم يقرأ بعد هذا الكتاب الرائع ليبحر مع ندية ياسين في رحلة هدفها إجلاء الغمام وكشف الحقيقة: حقيقة مغزى وجود الإنسان ومعنى حياته.

———-

الهوامش:

(1) الأسبوع الصحفي: الجمعة 31 يناير 2003.

(2) اركب معنا: دعوة للإبحار ص 23.

(3) نفس المرجع ص 20.