“إن لكل نبي حواريّاً، وحواريّ الزبير بن العوام” حديث شريف

الزُبير بن العوام بن خُويلد، حواريُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن عمته صفيه بنت عبد المطلب، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى، وأول من سلّ سيفه في سبيل الله، أبو عبد الله رضي الله عنه، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض.

يلتقي نسبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم في (قصي بن كلاب)، كما أن أمه (صفية) عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجته أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين.

أسلم الزبير بن العوام وهو ابن خمس عشرة سنة وهاجر وهو ابن ثمان عشرة سنة، كان رفيع الخصال عظيم الشمائل، يدير تجارة ناجحة، وثراؤه عريضا، لكنه أنفقه في الإسلام حتى مات مدينا. وروى هشام،عن أبيه عروة، أن الزبير كان طويلاً تخُط رجلاه الأرض إذا ركب الدابة، أشعر.

أول سيف شهر في الإسلام

أسلم الزبير بن العوام وعمره خمس عشرة سنة، وكان من السبعة الأوائل الذين سارعوا بالإسلام، وقد كان فارسا مقداما، وإن سيفه هو أول سيف شهر بالإسلام، ففي أيام الإسلام الأولى سرت شائعة بأن الرسول الكريم قد قتل، فما كان من الزبير إلا أن استل سيفه وامتشقه، وسار في شوارع مكة كالإعصار،وفي أعلى مكة لقيه الرسول صلى الله عليه وسلم فسأله ماذا به ؟ فأخبره النبأ فصلى عليه الرسول ودعا له بالخير ولسيفه بالغلب.

إيمانه وصبره

لقي الزبير رضي الله عنه نصيبا من العذاب على يد عمه، فقد كان يلفه في حصير ويدخن عليه بالنار كي تزهق أنفاسه، ويناديه: (اكفر برب محمد أدرأ عنك هذا العذاب) فيجيب الفتى الغض: (لا والله، لا أعود للكفر أبدا) ويهاجر الزبير إلى الحبشة الهجرتين، ثم يعود ليشهد المشاهد كلها مع الرسول صلى الله عليه وسلم.

الزبير وطلحة

يرتبط ذكر الزبيـر دوما مع طلحة بن عبيد الله، فهما الاثنان متشابهان في النشأة والثراء والسخاء والشجاعة وقوة الدين، وحتى مصيرهما كان متشابها فهما من العشرة المبشرين بالجنة وآخى بينهما الرسول صلى الله عليه وسلم، ويجتمعان بالنسب والقرابة معه، وتحدث عنهما الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: (طلحة والزبيـر جاراي في الجنة)، وكانا من أصحاب الشورى الستة الذين اختارهم عمر بن الخطاب لإختيار خليفته.

فضله ومكانته رضي الله عنه

قال عبد الله بن الزبير لأبيه: يا أبت حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحدث عنك فإن كل أبناء الصحابة يحدث عن أبيه فقال: يا بني ما من أحد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بصحبة إلا وقد صحبته بمثلها أو أفضل منها ولقد علمت بأن أمك أسماء ابنة أبي بكر كانت تحتي وإن خالتك عائشة بنت أبي بكر ولقد علمت أن أمي صفية بنت عبد المطلب وأن أخوالي حمزة بن عبد المطلب وأبو طالب وعباس وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن خالي ولقد علمت أن عمتي خديجة بنت خويلد كانت تحته وأن ابنتها فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد علمت أن خديجة أم أمها حبيبة بنت أسد بن عبد العزى ولقد علمت أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ولقد صحبته بأحسن صحبة والحمد لله ولقد سمعته يقول: من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار.

وعن مروان، قال: أصاب عثمان رُعاف سنة الرُعاف، حتى تخلّف عن الحجّ وأوصى، فدخل عليه رجل من قريش، فقال: استخلف، قال: وقالوه ؟ قال: نعم، قال: من هو ؟ فسكت، قال:ثم دخل عليه رجل آخر، فقال له مثل ذلك، وردّ عليه نحو ذلك، قال: فقال عثمان: قالوا الزبير ؟ قالوا: نعم، قال: أما والذي نفسي بيده، إن كان لأخيرهم ما عملتُ، وأحبهُم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: مر الزبير بن العوام بمجلس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسان ينشدهم من شعره وهم غير نشاط مما يسمعون منه فجلس معهم الزبير فقال: ما لي أراكم غير آذنين مما تستمعون من شعر ابن الفريعة فلقد كان يعرض به لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيحسن استماعه ويجزل عليه ثوابه ولا يشتغل عنه بشيء فقال حسان:أقام على عهد النبي وهديــه *** حواريه والقول بالفعل يعـــدل

أقام على منهاجه وطريقــه *** يوالي ولي الحق والحق أعــدل

هو الفارس المشهور والبطل *** الذي يصول إذا ما كان يوم محجل

وإن امرء كانت صفية أمـه *** ومن أسد في بيتها لمرفـــــل

له من رسول الله قربى قريبة *** ومن نصرة الإسلام مجد مؤثــل

فكم كربة ذب الزبير بسيفـه *** عن المصطفى والله يعطي فيجـزل

إذا كشفت عن ساقها الحرب *** حشها بأبيض سباق إلى الموت يرفل

فما مثله فيهم ولا كان قبلـه *** وليس يكون الدهر ما دام يذبـــل

ثناؤك خير من فعال معاشر *** وفعلك يا ابن الهاشمية أفضـــل

وعن علي رضي الله عنه: سمعت أذني من في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: طلحة والزبير جاراي في الجنة.

وذكر ابن الأثير في الغابة أنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، وأنه كان يتصدق بذلك كله.

جهاده رضي الله عنه

كان رضي الله عنه فارسا شجاعا مقداما، لا يخشى المعارك بل يقدم إليها كارا على أعداء الله ورسوله إقبال من يحب الموت ويكره الحياة. شهد المشاهد كلها.

قال هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كانت على الزبير يوم بدر عمامة صفراء، فنزل جبريل على سيماء الزبير. وفيه يقول عامر بن صالح بن عبد الله بن الزبير:جَدي ابن عمة أحمد ووزيره *** عند البلاء وفارس الشقــــراء

وغداة بدر كـان أول فارسٍ *** شهدالوغى في اللامة الصفــراء

نزلت بسيماه الملائـك نُصرة *** بالحوض يوم تألب الأعـــداءِ

وفي غزوة أحد وبعد أن انقلب جيش قريش راجعا إلى مكة، ندب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الزبير وأبو بكر لتعقب جيش المشركين ومطاردته، فقاد أبوبكر والزبير -رضي الله عنهما- سبعين من المسلمين قيادة ذكية، أبرزا فيها قوة جيش المسلمين، حتى إن قريشا ظنت أنهم مقدمة لجيش الرسول القادم لمطاردتهم فأسرعوا خطاهم لمكة هاربين.

ويوم الخندق قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (مَنْ رجلُ يأتينا بخبر بني قريظة؟) فقال الزبير: (أنا) فذهب، ثم قالها الثانية فقال الزبير: (أنا) فذهب، ثم قالها الثالثة فقال الزبيـر: (أنا) فذهب، فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: (لكل نبيّ حَوَارِيٌّ، والزبيـر حَوَاريَّ وابن عمتي). وقد جمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق أبويه وقال: “إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير”.

وحين طال حصار بني قريظة دون أن يستسلموا للرسول صلى الله عليه وسلم، أرسل الرسول الزبيـر وعلي بن أبي طالب فوقفا أمام الحصن يرددان:(والله لنذوقن ما ذاق حمزة، أو لنفتحن عليهم حصنهم) ثم ألقيا بنفسيهما داخل الحصن وبقوة أعصابهما أحكما وأنزلا الرعب في أفئدة المتحصـنين داخله وفتحا للمسلمين أبوابه.

ويوم حنين أبصر الزبيـر مالك بن عوف، زعيم هوازن وقائد جيوش الشرك في تلك الغزوة، أبصره واقفا وسط فيلق من أصحابه وجيشه المنهزم، فاقتحم حشدهم وحده، وشتت شملهم وأزاحهم عن المكمن الذي كانوا يتربصون فيه ببعض المسلمين العائدين من المعركة.

و قد شهد اليرموك وكان أفضل من شهدها، واخترق يومئذ صفوف الروم ومن أولهم إلى آخرهم مرتين، ويخرج من الجانب الآخر سالما، لكن جرح في قفاه بضربتين رضي الله عنه.

عن الثوري قال: هؤلاء الثلاثة نجدة الصحابة: حمزة وعلي والزبير.

وعن عروة قال: كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف: إحداهن في عاتقة، إن كنتُ لأدخل أصابعي فيها، ضُرب ثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك.

حبه للشهادة

كان الزبير بن العوام شديد الولع بالشهادة، فهاهو يقول:(إن طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء، وقد علم ألا نبي بعد محمد، وإني لأسمي بنيّ بأسماء الشهداء لعلهم يستشهدون).

وهكذا سمى ولده عبد الله تيمنا بالشهيد عبد الله بن جحش

وسمى ولـده المنـذر تيمنا بالشهيد المنـذر بن عمـرو

وسمى ولـده عـروة تيمنا بالشهيد عـروة بن عمـرو

وسمى ولـده حمـزة تيمنا بالشهيد حمزة بن عبد المطلب

وسمى ولـده جعفـراً تيمنا بالشهيد جعفر بن أبي طالب

وسمى ولـده مصعبا تيمنا بالشهيد مصعب بن عميـر

وسمى ولـده خالـدا تيمنا بالشهيد خالـد بن سعيـد

وهكذا أسماهم راجيا أن ينالوا الشهادة في يوم ما.

موقعة الجمل

بعد استشهاد عثمان بن عفان أتم المبايعة الزبير وطلحة لعلي رضي الله عنهم جميعا وخرجوا الى مكة معتمرين، ومن هناك الى البصرة للأخذ بثأر عثمان، وكانت (وقعة الجمل) عام 36 هجري. طلحة والزبير في فريق وعلي في الفريق الآخر، وانهمرت دموع علي رضي الله عنه عندما رأى أم المؤمنين (عائشة) في هودجها بأرض المعركة، وصاح بطلحة:(يا طلحة، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها، وخبأت عرسك في البيت ؟) ثم قال للزبير: (يا زبير: نشدتك الله، أتذكر يوم مر بك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن بمكان كذا، فقال لك: يا زبير، ألا تحب عليا ؟ فقلت: ألا أحب ابن خالي، وابن عمي، ومن هو على ديني ؟؟ فقال لك: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم) فقال الزبير: (نعم أذكر الآن، وكنت قد نسيته، والله لا أقاتلك).

فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: انصرف الزبير يوم الجمل على عليّ، فلقيه ابنه عبد الله، فقال: جُبناً، جُبناً ! قال: قد علم الناس أني لست بجبان، ولكن ذكرني عليُّ شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلفت أن لا أقاتله، ثم قال:

ترك الأمور التي أخشى عواقبها **** في الله أحسنُ في الدُنيا وفي الدين.

وأقلع طلحة والزبير رضي الله عنهما عن الاشتراك في هذه الحرب، ولكن دفعا حياتهما ثمنا لانسحابهما، ولكن لقيا ربهما قريرة أعينهما بما قررا فالزبير تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غدرا وهو يصلي، وطلحة رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته.

الشهادة

لمّا كان الزبير بوادي السباع نزل يصلي فأتاه ابن جرموز من خلفه فقتله، وكان ذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وله من العمر يومئذ سبع وستون سنة. وسارع قاتل الزبير الى علي يبشره بعدوانه على الزبير ويضع سيفه الذي استلبه بين يديه، لكن عليا صاح حين علم أن بالباب قاتل الزبير يستأذن وأمر بطرده قائلا: (بشر قاتل ابن صفية بالنار) وحين أدخلوا عليه سيف الزبير قبله الإمام وأمعن في البكاء وهو يقول: (سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله).

وبعد أن انتهى علي رضي الله عنه من دفنهما ودعهما بكلمات أنهاها قائلا: (إني لأرجو أن أكون أنا وطلحـة والزبيـر وعثمان من الذين قال الله فيهم: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) ثم نظر إلى قبريهما وقال: (سمعت أذناي هاتان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (طلحة والزبير، جاراي في الجنة). قتل سنة ست وثلاثين، وله بضع وخمسون سنة.

ولما قتل الزبير بن العوام، قالت امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثيه رضي الله عنها وعنه: غدر ابن جرموز بفارس بهمة *** يوم اللقاء وكان غير معــرد

يا عمرو لو نبهته لوجدتــه *** لا طائشا رعش الجنان ولا اليد

كم غمرة خاضها لم يثنـــه *** عنها طراد يا ابن فقع القـردد

ثكلتك أمك إن ظفرت بمثلـه *** فيمن مضى فيمن يومح ويغتدي

والله ربك إن قتلت لمسلمــا *** حلت عليك عقوبة المتعمــد

وحين كان يجود بروحه أوصى ولده عبد الله بقضاء ديونه قائلا: (إذا أعجزك دين، فاستعن بمولاي). وسأله عبد الله: (أي مولى تعني؟) فأجابه:(الله، نعم المولى ونعم النصير) يقول عبدالله فيما بعد: (فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقضي دينه، فيقضيه).

رضي الله عنه وأرضاه وألحقنا به على منهاج النبوة، آمين.