نشرت “الجريدة الأخرى” في عددها-33- مقالا للصحفي حسن السرات تحت عنوان” النبوءة والسياسة عند العدل والإحسان”، وهو نفسه الذي نشره- كتقرير- بالموقع الإلكتروني للجزيرة مع بعض الإضافات والتغييرات.

وخلاصة ما جاء فيه، أن جماعة العدل والإحسان تتنبأ بأن تكون 2006 سنة”الخلافة على منهاج النبوة”وأن مجلس إرشادها وقياديوها يرددون أن عبد السلام ياسين هو الخليفة المنتظر في مشارق الأرض ومغاربها،

كما أن هذه ليست المرة الأولى- حسب الكاتب- التي تزعم فيها الجماعة بأن النظام الملكي أوشك على السقوط، وأن هذا الزعم المبني على الأحلام سبق أن أعلنه مرشد الجماعة أيام حكم الملك الراحل دون أن يتحقق شيء (دون أن يوضح أين قيل هذا الكلام!) كما أنه اعتبر تصريحات ندية ياسين تندرج في هذا السياق حسب ما أسماهم” بالمراقبين”، وكأن ذة. ندية ياسين هي التي اختارت التوقيت، وهي التي استدعت الصحفيين لإجراء الاستجواب، مما يبين أن نظرة محايدة من أعلى فقط تبين الكثير من الحقائق وتنهي الهرج والمرج سواء في استجواب الأستاذة أو ما يثار حول موضوع2006، كما انزلق قلم الكاتب بعيدا جدا حينما اعتبر الجماعة تتشابه في هذه المزاعم مع دولة الموحدين … وجماعات وطوائف مسيحية إنجيلية.. وقد نسب هذه الآراء أيضا إلى “المراقبين” في التقرير الذي نشره بموقع الجزيرة دون أن يفعل في مقاله” بالجريدة الأخرى” إلى غير ذلك مما أفاده المنطوق والمفهوم والتصريح والتلميح.

وقبل أن أناقش السيد السرات في بعض ما جاء به أود إبداء ملاحظة عامة حول المقال، وهي أنه مبني على مغالطات كثيرة أطلقها صاحبها على عواهنها..كما أنه- المقال- لم يخضع لأبسط شروط الكتابة ا لنزيهة وهي “الأمانة”، فعوض أن يعتمد الكاتب كتابات الجماعة الكثيرة والغزيرة والتصريحات الصادرة من قيادتها (وله الحق الكامل بعد ذلك في الدرس والتحليل والاستنتاج كيف شاء لكن مع التزام الموضوعية التي هي رأسمال الكاتب النزيه) التجأ إلى إصدار أحكام جاهزة بناء على كلام مجرد وفارغ تلوكه بعض الألسن وتكذبه مؤلفات الجماعة وتصريحات قيادييها، بل أجده يفتري على مجلس إرشاد الجماعة حينما نسب إليهم أنهم يرددون في لقاءاتهم بأعضاء الجماعة أن عبد السلام ياسين هو الخليفة المنتظر … وأن الجماعة تقول بأن 2006 هي سنة “الخلافة على منهاج النبوة”!!، في حين أن العكس هو الحاصل كما سأبين بعد قليل، مما يجعل المقال بعيدا كل البعد -على الأقل- على الموضوعية ولا أقول الحياد حتى لا أكون متفائلا كثيرا!!!.. إلا أن يكون المقال لغوا كما يلغو الكثيرون فحينها كبر أربعا على الأمانة والموضوعية والحياد وعن مثيلاتها من الألفاظ… أما عن فكرة المهدوية وما صاحبها من همز وغمز فبقدر ما تثير الاستغراب- بالنظر للشخص الذي صدرت منه- بقدر ما تثير الضحك.. كما أنه لا رغبة لي في التعرض إليها لأن أقل ما يقال عنها أنها ترديد ببغائي لبعض اللغو الذي أصبح حتى أصحابه يخجلون منه. وهي قطعا كلام فارغ.

بعد إبداء هذه الملاحظة العامة، أود أن أتطرق إلى نقطتين- فقط- مما جاء في المقال:

1- حقيقة 2006 وما يروج حولها من خلال ما صرح به قياديو جماعة العدل والإحسان.

2- مسألة أن يكون الأستاذ عبد السلام ياسين هو الخليفة المنتظر كما تحدث عن ذلك المقال.

حقيقة 2006 …

لم يقل أحد -البتة- من جماعة العدل والإحسان (لا مرشدها العام ولا مجلس إرشادها ولا أعضاؤها) بأن “الخلافة على منهاج النبوة” ستكون في سنة 2006، و-هنا- أتحدى السيد السرات وغيره بأن يأتي بتصريح واحد لقيادة الجماعة تقول فيه ذلك، بل هذا الأستاذ فتح الله أرسلان -الناطق الرسمي باسم الجماعة- في أحد استجواباته الصحفية مع إحدى الأسبوعيات يذهب إلى عكس ذلك قائلا: “من هؤلاء -ويقصد الذين نصبوا أنفسهم لقراءة الرؤيا المبشرة حول 2006- من راح يوهم الناس أننا قلنا إن الخلافة ستقام سنة 2006 وأن الخليفة سيكون هو الأستاذ عبد السلام ياسين،وهذا محض افتراء وظنون وسطحية في التعامل مع مشروع العدل والإحسان، فبقراءة سريعة لكن صادقة لتصور الجماعة يدرك القارئ أن الخلافة الثانية على منهاج النبوة التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، ليس نزهة وإنما هو بناء طويل وشاق، وهي مشروع كل الأمة الإسلامية ولا تعني قطرا واحدا ودوننا وإياها سيادة الإسلام في الأقطار الإسلامية “، كما أن مرشد الجماعة وقياديوها ما فتئوا يرددون في مختلف اللقاءات والتي يعرض البعض منها على موقع الجماعة أن”الخلافة” مسألة أجيال… فلصالح من هذا الافتراء يا سيد حسن؟!!!، أما حقيقة 2006، ففي نفس الاستجواب يقول ذ. أرسلان: “لا نتصور ما تشير إليه رؤيا 2006 ضربة اللازب التي ستغير الحال غير الحال إنما هي بصرف النظر عن طبيعة الحدث أو الأحداث، نقطة أو لحظة أو مرحلة ضمن المسيرة التي تحتاج لجهود كبيرة وإعداد تشترك فيه كل الأطراف الصادقة” ويقول: “نحن لا نراهن رهان العاجز على 2006 إنما نعتقد أن ما وصل إليه الوضع حاليا من ارتكاس وانهيار في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية هو أكثر من كاف لحدوث كل ما يمكن تصوره في تجاه خلخلة الأوضاع.إستراتيجيتنا حددناها بكل وضوح منذ بداية الجماعة وهي موجودة بتفصيل في كل ما كتبناه، وعناصرها الكبرى يعرفها كل محلل نزيه لتصور الجماعة، وفي مقدمتها أننا لا نتصور تغييرا بناء إلا عن طريق تكاثف الجهود وطول النفس بالنظر لحجم الكارثة الحاصلة وعمقها. وأن هذا التغيير لن يكون كذلك إلا إن كان رفيقا حليما مرنا، ولن تقوم له قائمة ثابتة إلا إذا بني على أرضية صلبة أساسها هوية الشعب. أما تفاصيل هذه الإستراتيجية فهي خاضعة للمعطيات المرحلية وهذا نعيه وعيا جيدا”.

وفي رأيي فإن الحدث أو الأحداث مهما كانت طبيعتها فستلقي بظلالها على الخريطة السياسية بل وعلى موازين القوى بالبلاد، وسيكون لها لا محالة تأثير على المشهد السياسي الراكد والمأزوم والمثخن بالجراح.

وعموما فجماعة العدل والإحسان لم تقل2060 بل قالت 2006 بعدة الشهور الإثنا عشر، ومن العبث أن تضحي جماعة كالعدل والإحسان بتاريخها ومشروعها الغني ورصيدها “النضالي” (الحافل بالسجون والحصار والاختطاف والتضييق والمنع الممتد عبر أزيد من ثلاثة عقود من الزمان والمستمر إلى الآن من أجل الكلمة الحرة الصادقة الصادحة بالحق في زمن الخنوع والانبطاح) و”قاعدتها” الواسعة المنتشرة في المدن والقرى وأوربا وأمريكا وثخوم إفريقيا… بالإضافة إلى امتدادها الشعبي، وقوتها العددية والعددية ومكانتها السياسية… بهذه السهولة -وهذا ما كان على البعض أن ينتبه إليه- ومن ثم فهي تعني ما تقول… وإن غدا لناظره لقريب!

وإذا أثبتنا هذا استنادا إلى المصادر لا إلى الوسائط (ويا ليتها كانت وسائط موضوعية وحياد) بأن الخلافة مسألة أجيال وأن 2006 ستعرف حدثا سينعكس على البلاد إيجابا ويكون مدخلا لعهد جديد يجب أن تتظافر الجهود لبنائه، فإن النقطة الثانية التي أريد أن أناقشها مع السيد السرات والتي زعم فيها أن مجلس إرشاد الجماعة يروج في لقاءاته مع الأعضاء أن الأستاذ عبد السلام ياسين هو الخليفة المنتظر تتحطم على أرض الواقع وتكون عارية من الصحة ودعوى لا يملك عليها صاحبها أي دليل، ويؤيد هذا التصريحات المذكورة آنفا وما خطته أنامل الأستاذ عبد السلام ياسين نفسه والتي -للأسف الشديد- لم يكلف كاتب المقال نفسه عناء الاطلاع عليها والبحث فيها ليعرف حقيقة المشروع الفكري لجماعة العدل والإحسان، ولكن لا بأس من أن نوضح بعض ذلك من خلال ما جاء في كتابه العدل” الإسلاميون والحكم” والتي يظهر من خلالها هل تريد الجماعة أن تحتكر وتهيمن وتنغلق كما غمز بذلك الكاتب أم تريد من خلال مقترحاتها دولة قوامها إسهام الكل ومشاركة الجميع في تغيير وإصلاح” الخراب “الذي يعاني منه المغرب والذي تعلمه كما يعلمه المخزن نفسه، والتي لا نفرح له كما قلت! بل نأسى ونأسف ونعمل من أجل تغييره، حتى أن المرشد أقدم على “عملية استشهادية” حينما بعث بالرسالة الشهيرة/النصيحة للملك الراحل سنة1974، وأنت تعلم كما يعلم الجميع ماذا تعني 74 ولم تكن معه آنذاك لا جماعة و”لا هم يحزنون”، و تعلم ما تلا ذلك من اعتقال وحصار.. وقس ذلك على الجماعة كلها.. ولم يكن ذلك إلا غيرة على البلد الذي يعاني الخسف وشعبه الذي يسام سوء العذاب في سكوت مطبق و مهول ومذهل من الجميع راضين بفتات موائد المخزن بل و مبررين لسياسته الرعناء، ودعني – هنا- أهمس في أذنك لأقول لك أن الأستاذ عبد السلام ياسين لو اكتفى بنفسه مفكرا ومنظرا و”مناضلا” فحسب لاحتفت به” النخبة” بالمغرب أيما احتفاء (كما احتفى به البعض في جرائدهم وفي غيرها وذلك حينما لم تكن لهم مصالح مع الإدارة!) كما تحتفي به النخبة خارجه والموضوعيون داخله ، وذلك من خلال صموده- في شجاعة ناذرة- وثباته على مواقفه التي لم يقبل من أجلها المساومة رغم تعرضه لما يعلمه الجميع… و من خلال إسهاماته النوعية التي قال عنها المفكر الدكتور عبد الإله بلقزيز في حوار أجراه معه “موقع المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية” : “.. وإذ يلحظ القارئ في نصوص عبد السلام ياسين عمقا وجاذبية ناذرتين تكشفان عن معرفة حقيقية: أصولية وحديثة… وفي كل حال مكن ياسين الحركة الإسلامية من مورد فكري وإيديولوجي لم يوفر أحد من السياسيين المغاربة مثيلا له بل نحن لا نتزيد حين نقول بأن ما أنتجه من نصوص يمثل مادة مرجعية لكافة الحركات الإسلامية العربية لو أمكنها الاطلاع عليها” لكنه أسس جماعة سحبت البساط من الجميع بقوة بنائها وتراص صفوفها وصدق رجالها ونسائها ووحدة تصورها وسلوكها.. حتى أصبحت ملاذا سياسيا وأخلاقيا للكثيرين مما أثار في البعض……….!

وأترك القارئ الكريم مع بعض معالم الدولة التي ينشدها الأستاذ عبد السلام ياسين، لنرى أهي الدولة التي يكون فيها رئيسا وتحتكر فيها جماعة العدل والإحسان السلطة، أم أن كل هذا مما يروج له البعض زبد وإرغاء وهراء؟!…

يقول الأستاذ مبينا ضرورة مشاركة الجميع في التغيير والإصلاح: “من المغامرة أن يزعم زاعم أن مكونا وحيدا من مكونات الشعب يستطيع مهما بلغ من قوة عددية وعددية أن يحمل على كتفيه أوزار الماضي وكوارث الحاضر وآمال المستقبل.”

ويقول في دعوته للديمقراطيين للمشاركة في التغيير: “ما دمتم معشر الديمقراطيين تتمسكون بإسلاميتكم وتحتجون على من يحتكر الدين من دونكم، فالكلمة السواء بين فصائل النخبة السياسية، من التحى منها واحتجب ومن لم يفعل، هي ميثاق واضح المنطلقات والأهداف ندخل به جميعا في عهد جديد إلا أن يعشق عاشق قرع الأبواب المقفلة وطرق المسالك المسدودة والانتحار السياسي”.

فالجماعة تقترح ميثاقا يجمع كل القوى السياسية لدخول العهد الجديد، و دستورا يوضح معالم الطريق، لا الانقضاض على السلطة أو الانفراد في تسيير شؤون البلاد.

ويقول: “تنسل الحركة الإسلامية في هذا القطر أو ذاك انسلالا تدريجيا عن طريق انتخابات (…) فتلك فرصة للتناوب على الحكم، وينبري الإسلاميون حاملو شعار “البديل السياسي” ليدخلوا مع الناس في دوامة التناوب على الحكم صعودا وهبوطا.”

انتبه! التناوب على الحكم صعودا وهبوطا، وليس احتكار السلطة التي يقول عنها الأستاذ رافضا: “يخشى على الدعوة المرشحة على لسان كل ناطق وصامت للحكم أن تذوب في تيار السياسة, وأشد ما يكون الذوبان أن تخطئ الدعوة فتحتكر السلطة, وتقمع كل معارضة وتلك سبيل الحزب الوحيد الذي يشاهد العالم فضيحته في روسيا”.

ومن ثم فمشروع العدل والإحسان الذي تقترحه لا احتكار فيه للسلطة ولا قمع للمعارضة  بل يدعو إلى معارضة قوية تكون ناقدا وبديلا ولا مكان للحزب الوحيد… كما أن الحكومة التي يتحدث عنها الأستاذ عبد السلام ياسين ليست كلها من العدل والإحسان، وكذا البرلمان وسائر المؤسسات كما يحلو للبعض أن يوهم به الناس، بل يدعو إلى المشاركة فيها فقط حسب ما توفر من كفاءات. يقول: “على مستوى الحكومة يحضر رجال الحركة الإسلامية لا يغيبون، يشاركون في وضع دستور مسيرة جديدة وتشكيل حكومة وشغل مناصب وكراسي على وسع المتاح من الكفاءات، إلى جانب ذوي الغناء والأمانة والقوة من أهل الميثاق الإسلامي (قلت: الذين هم كل القوى السياسية والكفاءات الغيورة على البلاد) وممن يرضاهم المسلمون وينتخبونهم”.

وبعد أن اقترح الأستاذ بعض بنود الميثاق الذي يقترحه كمدخل للخروج من النفق المظلم الذي تعيشه البلاد وكخطوة أولى نحو التغيير العميق ودخول العهد الجديد قال: “نبدأ المسيرة بوضع دستور موافق لروح الإسلام وشرعه، تضعه جمعية منتخبة انتخابا حرا يعيد بناء هياكل الحكم على أساس سيادة الدعوة وتفرغ رجال الدولة لتسيير الشؤون العامة وتدبيرها”.

كما جعل “من البنود الرئيسية في الدستور تساوي الرئيس والمرؤوس -ابتداء من رئيس الدولة- أمام القضاء، ووحدة القانون، وفصل السلط، وإقامة العدل والتناوب على السلطة، وحرية النشر إلا في ترويج الإلحاد والدعارة”.

هذه هي الدولة التي يقترحها الأستاذ عبد السلام ياسين، وهذه هي الدولة التي فضل عليها أحدهم مرة النظام السلطاني العتيق!!!.

السيد السرات، ومن خلالك أخاطب العقلاء والفضلاء وذوي المروءات، أدعوكم إلى التعامل المباشر مع كتب الأستاذ عبد السلام ياسين ومشروع العدل والإحسان وقراءتها بكل موضوعية وحياد، أما الاكتفاء بالوسائط والقراءات المجانية فهي إما دليل على قصور في الفهم -وهذا ما أستبعده- أو تصفية حساب مع خصم سياسي قوي ينظر إليه على أنه اكتسح الساحة وسيكتسح أكثر عن قريب -وكل ذي نعمة محسود- وقد يكون شيئا آخر… أتمنى أن لا يكون!!

وأختم بما ختم به السيد السرات مقاله مع إضافة أضعها بين هلالين: “الرؤيا حق” والغيب لله، فانتظروا إني معكم من المنتظرين.