للصحبة عند أحباب الله وأوليائه معنى عظيم ومدلول جليل، إذ لا تقتصر على معنى الرفقة وصحبة الأخوة بل تتسامى لتقف بنا على حقيقة التلمذة والتسليك والدلالة على الله. وهي في جوهرها علاقة قلبية تجمع صاحبا يريد معرفة الحق والسير إليه ومصحوبا دالا عليه ماسكا بيد الصاحب قائدا له نحو الغاية العظيمة. يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه في كتاب الفتح الرباني: إن الله عز وجل أجرى العادة بأن يكون في الأرض شيخ ومريد، صاحب ومصحوب، تابع ومتبوع من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة).

ولأن دين الله درجات ومعراج ترقى عبره الأرواح إلى بارئها والقلوب إلى خالقها سالكة من إسلام لإيمان لإحسان، فقد كان الفرد المسلم في حاجة إلى من يأخذ بيده ويغرس في قلبه معنى السلوك إلى الله، من يدله على منعرجات الطريق وانحرافاتها ومداخل النفس ونزغاتها وخطوات الشيطان ووساوسه، من يسلكه وسط هذا البحر اللجي من الفتن ليوصله إلى شاطئ الإحسان.

فالإسلام ليس مجرد أشكال تعبدية وكلمات تلاك ورسوم مفرغة من كل معنى، بل الإسلام معان عميقة من العبودية لله والأنس معه والاطمئنان به، مغروسة أشجارها في القلوب بينة ثمارها على الجوارح.

الصحبة تربية للإنسان، وحفاظ على الفطرة، وتجديد للإيمان، ورفع للهمة، وحشد للعزيمة.

أدرك هذا المعنى وهذه الحاجة رجال كثر من هذه الأمة حملوا لواء التربية والعلم والجهاد عبر تاريخ الأمة المديد، كل منهم راح يبحث عن شيخ عارف بالله ترفعه روحانيته ليطلب معالي الأمور ويتعلق بأسمى المقاصد.

نذكر هنا ثلاثة نماذج لرجال أدركوا هذا الركن العظيم في الدين “الصحبة” وربطوا التربية بالجهاد والخلاص الفردي الإحساني بالجماعي العدلي للأمة.

– يوسف بن تاشفين هذا الذي خرج من رباطات التربية إلى ساحات الجهاد ليعيد للمسلمين عزتهم بعد أن أوشكت دولة الإسلام على الزوال بالأندلس، قد اقتبس هذا النور الإيماني الجهادي من مربيه عبد الله بن ياسين. لم يكن عبد الله بن ياسين في الواقع مجرد فقيه يفتي بين الناس فيفسر القرآن ويروي الحديث، بل كان رجلا نافذ البصيرة بعيد النظرة ذكيا خبيرا بالمجتمع الذي يعيش فيه، له قدرة خارقة على التأثير في نفوس مريديه… وروى المؤرخون أنه كان يتردد طويلا قبل أن يضم المريد إلى زمرته، فإذا وافق على إدخاله في رباطه ألزمه أن يطهر روحه من الدنس والرجس، وأن يسلم إسلاما جديدا، وأن يحاسب على ما اقترفت يداه من إثم في حياته السابقة. ولما تم لعبد الله بن ياسين ما أراد من تربية نخبة قوية طهرت أرواحها وقويت عزيمتها خرج للجهاد جهاد نشر الدعوة إلى الله) 1 .

وكان يوسف بن تاشفين كفئا لذلك المجهود المضني (مجهود الجهاد) وهذه المسؤوليات الجسام “لما له من دينه وفضله وشجاعته وحزمه ونجدته وورعه وسداد رأيه ويمن نقيبته” فقد توفرت له الصفات التي تجمع حوله قلوب شيوخ قبائل المرابطين أصحاب عبد الله بن ياسين صاحب الدعوة … فقد كانت شهامة يوسف وشغفه بالحرب التي كان يقودها بفطنة وحسن طالع يسبغان عليه جلال الفروسية التي تلهب حماسة الجند، فيندفعون وراءه اندفاع الصاعقة. كما كان جوده وتقشفه واحتقاره لمظاهر الترف في ملبسه ومسكنه أسوة حسنة وقدوة يحتذيها كل مرابط مخلص. بل بلغ من تقشفه وزهده أنه لم يكن يأكل سوى خبز الشعير ولحم الإبل ولا يشرب سوى لبنها، فلا نعجب إذا كان يوسف قد استطاع بهذه الصفات النادرة التي توفرت له أن يؤلف القلوب ويذكي الحمية في النفوس ويصبح سيد الموقف بلا منازع) 2 . فكانت معركة الزلاقة التي فتح الله له فيها وللمسلمين في الأندلس.

– وهذا المجاهد عبد القادر الجزائري أول وأقوى من حارب الاستعمار رحمه الله، لقى شيخه السيد محمد الفاسي وأخذ عنه، يقول في هذا الصدد السيد جواد المرابط أما المرحلة الثالثة فهي التي تم له فيها الفتح العظيم. وكان ذلك عندما سافر حاجا سنة 1279 حيث أقام في مكة سنة ونصفا مقبلا على العبادة والخلوة وحيت التقى فيها بالشيخ الجليل العارف بالله محمد الفاسي رئيس الطريقة الشاذلية وتتلمذ عليه. وهو ما يشير إليه الأمير في قصيدته الرائية التي مطلعها:)أمسعود جاء السعد والخير واليسر *** وولت جيوش النحس ليس لها ذكر 3

– ويبقى النمودج العمري مثلا دالا على قيمة الصحبة ومركزيتها في التجديد، فهذا مولانا عمر بن عبد العزيز الشاب المترف الذي نشأ في قصور بني أمية لم يلبث أن انقلب حاله فأعاد أمر الأمة إلى سالف عهد الخلفاء الراشدين، وما كان ذلك إلا بصحبته للرجل العارف رجاء بن حيوة والتلمذة على يديه. يقول ابن عبد الحكم: فقدم رجاء (بن حيوة) على عمر ضيفا وأقام عنده، ولم يأل عمر في إلطافه وإكرامه وتقريبه، وأقام عنده أياما … ثم رغب رجاء في صحبة عمر وصداقته على النسك والعبادة) 4 .

يقول عنه ابن عبد الحكم: وكان رجاء بن حيوة بن جرول الكندي من أهل الأردن العلماء، وكان أعبد أهل زمانه من أهل الشام، مرضيا حكيما صاحب بلاغة وأناة ووقار. وكانت الخلفاء تعرفه بفضله فيتخذونه وزيرا مستشارا وقيما على عمالهم وأولادهم) 5 .

أثمرت صحبة الأمير عمر للمصحوب رجاء فكان سيدنا عمر بن عبد العزيز الخليفة الخامس الذي قلب حال الأمة والدولة بتوبته الانقلابية، إذ ولي الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك، فلم يرض حتى رد بيعته على الناس وجعلهم في الخيار فأبوا أن يقيلوه. فعندها التفت إلى نفسه نزع ثيابه، وغسل عنه الطيب، ولبس كساء بثمانية دراهم. وأما شعره فقد دعا الحجام فأخذ منه كل فضلة، ثم أمر ببيع ما عنده من متاع ومركب ولباس وعطر، فبلغ بيعه ثلاثة وعشرين ألف دينار وأربعة وعشرين، ثم دفع المال إلى بيت المال. وأبطل الأبهة والسرادقات وضم كل ذلك لبيت المال، وعمد إلى بيته فجرد نساءه وبنيه من كل فضلة.

كانت تلك بركات الصحبة وفتحها في أسمى تجلياته الزهد في الملك والحكم بالعدل.

هذه بعض من سير الرجال الذين أدركوا أهمية الصحبة وقيمة المصحوب، فتربوا وجمعوا بين مجاهدة النفس وجهاد الآفاق مدركين تلازم القيادة التربوية والجهادية.


[1] حسن أحمد محمود “قيام دولة المرابطين” ص 132.\
[2] نفسه ص 222.\
[3] جواد المرابط “التصوف والأمير عبد القادر الحسني الجزائري” طبعة 1966 ص: 28.\
[4] نقلا عن كتاب “الخليفة الزاهد” لعبد العزيز سيد لأهل. الطبعة الثالثة ص: 89.\
[5] المصدر السابق ص 88.\