استهلال:

لقد كان من وراء كتابة هذا المقال، وإن كان فيه شيء من الاستعجال، ما أصبح حديث الإعلام في شأن الرؤيا، بل انتقل ذلك إلى المجال السياسي بحيث توجه تأثيره على المستقبل السياسي للمغرب، وخاصة في عرضه لما أصبح يعرف برؤيا 2006 التي تتعلق بالشأن العام في المغرب. وهي رؤيا تواتر معناها من عند كثير من أعضاء جماعة العدل والإحسان المشهود لهم بالصلاح والتقوى والحفاظ على حدود الله، له الحمد أولا وأخيرا. ومن ثم فإن هدف هذه السطور علمي يروم بيان حقيقةٍ لو كانت مستوعبة ممن يثير قضايا علمُه بها قليل، إن لم نقل منعدم، لفُهم الأمر في موضعه وسياقه.

1-الغيب أصل الدعوة إلى الله ومستندها.

إن الله تبارك وتعالى هو الذي يبعث الرسل إلى خلقه ليدلوهم عليه؛ فلا خبر عندهم بالآخرة ونبئها العظيم، ولا خبر عندهم بما وراء الحياة الدنيا، بل ولا خبر عندهم بما لا تدركه حواسهم، فكيف بما وراء دنياهم كلها. وكل ذلك (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل).

رحيم سبحانه بخلقه، (ورحمتي وسعت كل شيء)، يريد جل وعلا أن يدل عباده عليه من الطريق المستقيم، بما ينجيهم في دنياهم وأخراهم؛ (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون).

يقص علينا القرآن الكريم قصص الأنبياء وبما جاءوا به إلى أقوامهم. كلهم يدعونهم إلى الصراط المستقيم، صراط الله العزيز الحكيم. سندهم في ذلك الوحي إليهم من الله.

وبذلك يكون أصل كل الدعوات غيب، وهو وحي.

الوحي للأنبياء، يهيئهم تبارك وتعالى لتلقي ذلك بما يشاء وكيف يشاء، إذ الأمر قول ثقيل، ومهمة عظيمة: دلالة على الله.

كان خاتمهم سيدنا، وهادينا، ودليلنا، وقدوتنا، حبيب الله، حبيب جبريل وكل ملائكة الله. (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما). صلى الله عليك يا رسول الله، وسلم تسليما، يا من جعلك ربك (رحمة للعالمين).

قال الله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن وسبحان الله وما أما أنا من المشركين).

وقال سبحانه: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ..)، وقال عز من قائل: (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا)، وقال: (إنا أرسلناك مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا).

كيف هيأ الله تعالى سيدنا محمد للقول الثقيل، وكيف بدأ يخالط شغاف قلبه ما أودع الله فيه من علم. بل هو صلى الله عليه و آله وسلم عين العلم؛ إمام المرسلين. كيف لا وقد كان قرآنا يمشي بين الناس؟ و هل فوق القرآن علم، وهل بعده علم يعتبر ما لم يكن منه نابعا وعنه مترجما.

بدأ صلى الله عليه وآله وسلم بالخلوة في غار حراء يتعبد الليالي الطوال. ثم كانت الرؤيا تأتي كفلق الصبح كما هو في الصحاح، ثم كان القرآن الكريم ينزل منجما رحمة بالناس، أما رسول الله فقد صار قرآنا من حيث كليته.

وكان صلى الله عليه وسلم يجمع صحابته بعد صلاة الصبح ويسألهم عمن رأى رؤيا فيعبرها لهم.

وأخبر صلوات الله عليه وسلامه أن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة.

وانتقل صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، وبقي بين أيدينا قرآن ربنا وسنة نبينا، ومنها الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له.

لا مستند للدعوة إلا الغيب. هذا أصل مقرر بالنظر إلى مجموع حركة الأنبياء، عليهم السلام.

2-موقع الرؤيا في حركة الدعوة وبناء الأحكام عليها.

كان المجتمع مشبعا بمعاني الغيب، لكن طرأت طوارئ ترتب عليها حصول الخرافات من المخرفين والقاعدين، ومن ساء فهمهم لمعنى الدين والسلوك لرب العالمين.

لكن تحقيقا، أين تقع الرؤيا، وهي جزء من الغيب، في حركة الدعوة الموروثة عن النبي صلى الله عليه وسلم؟

لم يكن هذا السؤال معروضا على الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان، لأن العهد قريب، وهم على السنة الكاملة ماضون، حكاما ومحكومين. ثم بعد ذلك عرض الإشكال لما اتسعت رقعة الإسلام ودخلت أمم في دين الله واختلطت ملل ونحل بحركة الدعوة. إذ في هذا الواقع ضاعت أصول وحجب أخرى، واضطربت الأفهام وزلت الأقلام والأقدام، مما دفع العلماء إلى مناقشة المسألة: هل يكون الحكم بالفراسة أم لا، وقد كان هذا السؤال من سائل هو سبب كتابة ابن القيم، رحمه الله، كتابه “الطرق الحكمية”، كما صار الحديث عن موقع الرؤيا في بناء الأحكام محط نقاش وأخذ ورد؟

ويمكن إجمال نقاش الأئمة للرؤيا فيما يلي:

1-إن الرؤيا حق بنص القرآن: قال الله تعالى حكاية عن نبي الله إبراهيم: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟ ) فأجاب الابن البار المطيع أمر أبيه وأمر ربه: (يا أبتي افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين).

وانظر قصة سيدنا يوسف بدأت برؤيا من الغيب: (يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين). وحقق كم مر من الزمان؛ من يوسف الصبي إلى أن كان على خزائن الأرض لتتحقق الرؤيا.

مر من الابتلاء الأول، وهو صبي، لما رمى به إخوته في الجب، ومر بالابتلاء الثاني لما أتاه الله الحكم والعلم حيث راودته امرأة العزيز عن نفسه، ومر بعد صبره على حدود الله والعمل بمراد شرعه سبحانه أن لا يخون وأن لا يزني بالابتلاء الثالث؛ ابتلاء السجن.

فبعد كل هذه المراحل، والغيب يرعاها والرب سبحانه يصنعها، تحققت الرؤيا فقال: (يا أبت هذا تأويل رؤياي).

أما في السنة فالأمر واضح، كما سلفت الإشارة، إذ بالرؤيا بدأ الوحي، وصاحبت الرؤيا مسيرة دعوة رسول الله والصحب الكرام وكل الراسخين في العلم؛ منهم من وفقه الله لامتلاك علم تعبيرها، ومنهم من يتلقاها مسرورا بها غير مغرور.

2-إن الرؤيا تسر ولا تغر. فهي إما بشارة أو نذارة. تبشر أو تنذر الفرد أو الجماعة. ومعنى تسر ولا تغر أنها ليست مصدرا قطعيا يبنى عليه أي حكم عملي يستنبط منها مباشرة. كما سيتبين بعد إن شاء الله تعالى.

3-إنه يراها المعني، أوالمعنيون، بها أو ترى لهم.

ومن هذه الاتفاقات يظهر:

أ-أن الرؤيا معتبرة، ولا تطرح أي إشكال على من كمل دينه واستقام فهمه، وإنما أصبحت مُشْكَلة لما ابتعد الناس عن الفهم السليم للدين، وعن معرفة مصادره الحقيقية. كما أنه كلما صفا قلب المرء كلما اطلعت روحه على عوالم غير العوالم المحسوسة أو المدركة بمجرد العقل. وهذا حاصل بالتجربة المطردة ولا ينكره إلا معاند.

ب-أن الرؤيا لا يستمد منها حكم عملي مباشرة.

ت-أن للرؤيا أهلها المعبرون لها، ومعناه أنها تعبر أن لها علاقة بالعمل، وإلا لا فائدة من تعبيرها، إذ تقرر في الشريعة أن ما ليس وراءه عمل لايطلب، لكن العمل هنا ليس من جهتها، وإنما من جهة أخرى. كما سيتبين بعد إن شاء الله تعالى.

وبناء على هذا فحركة الدعوة الموروثة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأخذ الرؤيا مأخذها الشرعي: أنها تبشر أو تنذر، وأنها تسر ولا تغر، وهي من حبال الوصال بين العباد وربهم سبحانه، وفي ذلك تذكير وتحفيز واستبشار لا يفرط فيه إلا غافل أو جاحد عياذا بالله تعالى.

3-جماعة العدل والإحسان والغيب.

أما لماذا تجعل جماعة العدل والإحسان أمر الرؤيا ذا شأن في حركتها، بناء على موقفها العلمي القاضي بما قرره العلماء بإجماع، وهو المشار إليه أعلاه، فلأن هذه الجماعة تروم من تمام حركتها إرجاع الأمور إلى نصابها. و منها، وعلى رأسها، موقع الوحي والغيب في حركة الدعوة وفي حركة الأمة، وذلك بالرجوع إلى الأصل المثال الذي كان عليه الصحب الكرام. ولذلك فلا يستغرب أحد إذ جعلت الجماعة قضيتها هي القرآن الكريم موجها ومصدرا كليا، وجعلت عينها وعقلها وقلبها على السنة النبوية الطاهرة في صورتها الكلية دون تجزيء وانتقاء مخل، آخذة بكل الأسباب المادية المؤدية إلى تنفيذ مقتضيات مشروعها التي تعرضه على المسلمين والناس أجمعين.

ومعنى هذا أن لجوء الجماعة إلى نشر كثير من الرؤى من خلال كتيبات، إنما لهذا الهدف التربوي الحركي الفهمي، أي أن الحديث عن الرؤيا لا يخرج عن إطاره الشرعي المنصوص عليه. فليست الرؤيا فوق القرآن والسنة النبوية، وليست مهملة كما تفعل كثير من الحركات الإسلامية. أي أن الحديث عن الرؤيا إنما لتجديد دورها وتحديد موقعها بما هو سنة نبوية وأصل تربوي. ومعنى أنه أصل تربوي أنه يصاحب سلوك الفرد والجماعة بحسب أحواله و مدارج سلوكاته بشارة أو نذارة. فلا يتجاهل بشارة من رب العالمين أو نذارة منه سبحانه إلا غافل عنه وعن حقيقة وجوده هو.

أما هل تستمد الجماعة من الرؤيا، حتى وإن تواترت عن مؤمنين صالحين في الجماعة أو خارجها، تصوراتها العلمية وخطواتها العملية، فإن ذلك غير صحيح، لأن هذه الجماعة، وفي شخص مرشدها الأستاذ عبد السلام ياسين، قد عرضت هذا المشروع منذ أزيد من ثلاثة عقود، وهي تعمل بناء على مقتضياته علما وعملا، وما الرؤيا إلا في إطار البشارة أو النذارة لا أقل ولا أكثر يستبشر بها المؤمنون وتزيدهم يقينا فيما هم عليه من أعمال.

ولذلك فإذا أراد الباحثون والسياسيون والمفكرون والإعلاميون أن يناقشوا الجماعة ويبحثوا فيما تدعو إليه فليشدوا على سواعدهم و ليغوصوا في معاني ذلك المشروع ويحرروه ويعترضوا عليه أو يؤيدوه علميا، بدل الهروب إلى الأمام والمتاجرة في واقع الجهل والأمية وسوء الفهم للدين.

إن الرؤيا لا تخرج عن صورتين:

الأولى: أن تكون مخالفة للشرع، وفي هذه الحالة لا تعتبر، وما هي إلا أضغاث أحلام من خواطر النفس الأمارة بالسوء والشيطان. فلا يمكن، مثلا، أن يقول قائل: رأيت فيما يرى النائم أن شخصا، مهما كان هذا الشخص، جاءني في المنام وقال لي: إذا أردت أن تدخل الجنة فاشرب الخمر فإن ذلك يدخلك الجنة بلا حساب. فهذه ليست برؤيا، ولا يوافقها الشرع، بل هي مخالفه له صراحة. ولذلك من عمل بها فقد خالف الشرع.

الثانية: أن تكون غير ذلك، بحيث مضمونها من مقتضيات الشريعة وتؤيده. وفي هذه الحال فالأصل في صحة ما تحمله من دلالات غير مأخوذ من ذات الرؤيا، وإنما من نص الشرع وروحه ومقاصده.

فلا يعمل بالرؤيا إلا إذا عرضت على الشرع، فإن خالفته لم تعتبر، وإن وافقته فالعمل بها مأخوذ من الواقع لا من الرؤيا، وإنما هي تبشر إن كان خيرا وتنذر إن كان شرا أما الحكم العملي فمأخوذ من النص ابتداء لا منها.

و لنضرب مثالا على ذلك: رأى المؤمنون المجاهدون في تواتر فيما بينهم أن الله تعالى سينصرهم قريبا. فسروا بذلك غاية السرور وبشر بعضهم بعضا، وقد يكونون في ساعة عسرة. فاستبشارهم وعملهم بهذه البشارة إنما مستمد من أصل مقرر قطعي معلوم: وهو أن الله تعالى ينصر المؤمنين ويؤيدهم بالغيب وقد يبعث ملائكته تساندهم في عملهم، إلى غير ذلك من صور التأييد والنصر. فيكون العمل لم يستمد من الرؤيا ابتداء وإنما من النص والواقع، لأنهم عملوا بالأسباب الكلية المفضية إلى رضى الله تعالى عنهم حتى استمدوا نصره، وعملوا بأقصى ما استطاعوا من الأسباب المادية حتى كانوا على أكمل صور التوكل على الله تعالى، فكان نصر الله قريب من المحسنين الذين لا يكنون إلا أمثال هؤلاء. فالله تعالى لم يكلف عباده بتحقق المُسبَّبَات وإنما أمرهم بإتيان الأسباب على أحسن وجه وأفضل صورة، وبعد ذلك فالأمر له جل جلاله وعظم شأنه، (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).

ومعنى هذا أن المؤمنين المجاهدين لا يقعدون منتظرين، أو مفرطين في أي سبب من الأسباب اقتضته الحكمة العقلية ولم يخالف الرحمة القلبية. وتلك القوة المطلوبة توكلا على الله وإرجاع الأمر إليه كله وأخذا بكل سبب مشروع يحقق الهدف ويرضي الله تعالى ورسوله والملائكة الشاهدين الكاتبين. (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).

إن العدل والإحسان وهي تجعل أفقها الحركي العام بناء الخلافة الثانية على منهاج النبوة، تدرك تمام الإدراك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، وعلى كل غيور على هذا الدين وهذه الأمة المعذبة اليوم المظلومة من أبنائها قبل أعدائها. كما تدرك أن الوسائل الأصلية في العمل من أجل إنجاز دعوتها غير متوفرة في واقع اليوم، فهي تصنع الرجال العاملين وتؤهلهم لذلك وتدعو الكل إلى العمل في هذا الاتجاه وعلى هذه الورشة الكبرى.

وبناء عليه، فليس لجماعة العدل والإحسان من الوقت لتضيعه مع خرافيي العصر و منهزمي الزمان في الوقت الذي تُنهب الأمة من كل جانب وتنخر من كل صوب.

فما جاءت به الرؤى حصل العلم به ابتداء يقينا من الواقع لا من الرؤيا، وإنما ما جاءت به الرؤيا الصالحة من بشارة من رب العالمين، لتزيد ذلك اليقين اتساعا وشمولا، وإلا فما يراه بعض المؤمنين في الرؤى يشاهده البعض الآخر عين اليقين ورأي العين. وهذا معلوم من التجربة. فالناس في قابلياتهم يختلفون وفي مقاماتهم عند ربهم متفاوتون، لا يعلمها على حقيقتها إلا هو سبحانه. فالعمل العمل والجد الجد فسنسأل عن أعمالنا ونياتنا فيها ومقاصدنا منها.

قال تعالى: (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب). وقال سبحانه: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك آتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى ).

صدق الله العظيم

والصلاة والسلام على رسوله الكريم

والحمد لله رب العالمين.