يسرنا أن نهنئكم من داخل زنازن المغرب الأقصى بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك سائلين الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم، وأن يجعله عيدا سعيدا تعم به الفرحة كل بيت، وأن يعيده على أمتنا بالنصر والتمكين، والفتح المبين.

منذ أيام فرحنا بمطلع هلال رمضان الذي حل علينا ضيفا كريما، وها نحن اليوم نودعه ولا ندري أندركه العام المقبل أم نكون في ذمة الله.

مضى رمضان، وانقضت أيامه المشعة بالخيرات والبركات، ولياليه الفياضة بالأنوار والرحمات.

فواأسفا على انقضاء شهر التوبة والقرآن، والرحمة والغفران، والعتق من النيران.

والحقيقة أن شهر رمضان مدرسة متميزة من أعظم الدروس التي تلقنها لتلامذتها النجباء تربية الزهد في حطام الدنيا والحرص على ما عند الله، وما عنده خير وأبقى. فتلكم هي ثمار مجاهدة النفس وكبح جماحها عن الشهوات طيلة شهر كامل. فإذا كان صيام رمضان يتوج بالاحتفاء بعيد الفطر، فإن الصيام عن الشهوات والزهد في متاع الدنيا يمتد طول عمر الإنسان المؤمن، فإذا جاء الموت انقضى شهر الصيام واستهل عيد الفطر. وقد كان بعض السلف يقول:

وقد صمت عن لذات دهري كلها *** ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي

من صام عن شهواته في الدنيا أدركها غدا في الجنة، ومن صام عما سوى الله فعيده يوم لقائه.

يا معشر الناس صوموا اليوم عن شهوات الدنيا لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء. “لا يطولن عليكم الأمل باستبطاء الأجل، فإن معظم نهار الصيام قد ذهب، وعيد اللقاء قد اقترب”.

فمجاهدة النفس لا تقتصر على شهر رمضان، بل تمتد في الزمن. قال أحد الصالحين:

صم عن الدنيا وليكن فطرك الموت.

استكملنا صيام رمضان لنستقبل يوما سعيدا جعله الله عيدا للمسلمين، هو عيد الفطر. جاء في سنن أبي داود عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما. فقال: ما هذان اليومان؟. قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإن الله قد أبدلكما بهما خيرا منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر.

وقد جعل الله لهذين اليومين شأنا عظيما في الإسلام يدل على ذلك أن قرن كل واحد منهما بشعيرتين من شعائر الإسلام المعظمة. الأولى هي شهر رمضان الذي يأتي عيد الفطر مسك ختامه، والثانية هي الحج الذي يعد عيد الأضحى بعض أيامه.

عيد الفطر إذن هو عيد المسلمين نفرح فيه أن وفقنا الله تعالى لصيام أيام رمضان وقيام لياليه، “للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه”. ونشكره على ما هدانا له شكرا يعتلج في سرائرنا رضا واطمئنانا، ونقره في سلوكنا بذلا وعطاء.

نفرح اليوم الفرح الطبيعي، ونستبشر غدا بأجر مضاعف عند ربنا. نفرح عند لقائه بما نجده من ثواب الصيام والإقبال عليه مدخرا. “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون”.

عيد الفطر مناسبة جليلة تغمرها معاني روحية سامية تفيض على النفوس بالبهجة والصفاء. نجتمع فيه ونتزاور، ونتصافح، ونتصافى، ونتغافر، ونذكر الله تعالى ونكبره “ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون”. ونشكره أن هدانا لهذه الخيرات، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

تتقارب النفوس على المحبة، نطهرها من الأحقاد والضغائن، ونغرس فيها معاني النبل والود والإخلاص والوفاء، فتتجدد أواصر القرب ودواعي الأخوة، فتتآلف القلوب وتتوحد على كلمة سواء.

ولتحقيق هذه المعاني، وكما في كل المناسبات، فقد رغب ديننا الحنيف في إشاعة مشاعر الحب والتآخي، وإدخال الغبطة والسرور على قلوب كل الناس بما فيهم الفقراء والمساكين والمعوزين والأرامل والأيتام. ولهذا شرع زكاة الفطر تربية للنفوس على البذل والإنفاق، و”طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين” كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما.

فالعيد مناسبة للمواساة لإعانة المحتاجين وما أكثرهم. فكن إلى جنبهم، وتذكر أنك إن خففت عنهم ما نزل بهم من مصائب، وقضيت حوائجهم، أو أمددتهم بمال أو غيره إنما تقضي حوائجك، وتدخر لنفسك زادا تنتفع به يوم لا ينفع مال ولا بنون. قال تعالى: “وما تنفقوا من خير فلأنفسكم”، وقال أيضا: “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره”.

تذكر أن العيد يوم يفرح فيه الأطفال، و يمرحون ويلعبون، ويلبسون أحسن الثياب ويتجملون.

فاستحضر في صبيحة العيد أن من حولك أطفالا يتامى محرومين في ذلك اليوم السعيد من الألعاب والملابس الأنيقة، وقبل ذلك من حنان الأب، وابتسامته الحانية. يحزنون وتدمع أعينهم ويفقدون طعم السعادة ويضطربون بدل أن يفرحوا وتمتلئ قلوبهم راحة وسعادة واطمئنانا. تذكر أن من حولك أيامى افتقدن عطف الزوج وأنسه، فهن في حاجة إلى كلمة طيبة والتفاتة لطيفة. وغيرهم كثير وكثير.

استحضر أنك حين تنفس كربهم وتدخل البهجة على قلوبهم إنما تنفس كربك وتبني آخرتك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة”.

والعيد أيضا هو فرصة للتسامح والتغافر بين أبناء القطر الواحد، والحد من الخلافات التي تصل درجة التنافر، فقد ذم الله تعالى الفرقة ونهى عنها، إذ يقول جل من قائل: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا” ويقول أيضا: “وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم” والريح القوة والغلبة.

فلا بد من ردم الهوة السحيقة بين مكونات المجتمع الواحد، ومد يد التواصل والحوار فننطلق لبناء مستقبل نحترم فيه بعضنا البعض، ونتنافس فيه على البذل والعطاء لنخرج هذا الشعب المستضعف المضطهد من كبوته، ونسير به نحو آفاق رحبة تتحقق فيها آمالنا على جميع المستويات.

العيد فرصة للتسامح والتغافر بين أبناء الأمة الواحدة والشعوب الإسلامية التي فرق بينها المستعمر بحدود وهمية، وغرس في نفوسها أسباب الفرقة والتباعد والتشتت.

نحن أمة واحدة. قضايانا وهمومنا ومعاناتنا ومأساتنا مشتركة. قبلتنا واحدة: ربنا الله، ودستورنا القرآن، ورسولنا العدنان قدوتنا وزعيم دعوتنا.

يأتي هذا العيد وأمتنا الإسلامية تمر بفترة مخاض عصيبة.

فهل نفرح أم نحزن؟

نعم نفرح لأن ما نمر به من أحداث قدر من أقدار الله تعالى قبل كل شيء، فهو سبحانه يتصرف في ملكه كيف يشاء، ويمتحن عباده “لنبلوكم أيكم أحسن عملا”.

أما نحن فينبغي أن نقرأ ما يحدث في العالم بعين إيمانية ناقدة بصيرة أخذا للعبرة، وبناء لمستقبل متين خالص من الشوائب والعيوب.

ثم إننا نفرح لما نرى هذا الرجوع إلى الله الذي شمل العالم الإسلامي، وامتد ظله إلى العالم أجمع.

نفرح لهذه الصحوة الإسلامية المباركة، واستيقاظ الشعوب من سباتها رويدا رويدا.

فقد بدأت تدب روح الأخوة والتضامن في جسد الأمة الواحدة، وإن كان ليس بالقدر المطلوب، فأضحينا نرى الشعوب في كل بلدان العالم الإسلامي تخرج إلى الشارع وتهتف بشعار واحد لنصرة إخوانهم في فلسطين والعراق وغيرهما. المهم أنك تشعر أن للمسلمين هما وقضية مشتركة. وهو ما يقض مضجع أعداء الإسلام في الداخل والخارج. استصغرت شأنهم هذه الصحوة الجارفة فلم يبق لهم إلا محاولات فاشلة لتشويه ديننا الحنيف، دين الحرية والأخوة والسلام، ودعاته ورجاله، وإلصاق كل التهم الباطلة بهم. وهذا دليل ناصع على أن المولود الجديد الذي توقف عن النمو خلال مراحل تاريخية خلت قد اكتملت نشأته، وعلى وشك أن يستوي قائما بنور كتاب الله وبسنة ا لحبيب المصطفى قدوة الناس وإسوتهم.

أما المتربصون الذين يكيدون للمسلمين خفية، ويخشون أن يشع نور الله على الناس فتفتضح ترهاتهم. فهؤلاء لن يهدأ لهم بال، ولن يرتاح لهم ضمير، ومتى كان لهم ضمير، حتى يلحقوا بالمولود الجديد مكروها، ويعوقوا قيامه. وأنى لهم ذلك؟ فللبيت رب يحميه، “يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله متم نوره ولو كره الكافرون”.

لا شك أن أمتنا ينتظرها الكثير من العمل والعطاء، وبذل الغالي والنفيس لنصرة ديننا وإعلاء لوائه. ونحن بدورنا من وراء القضبان المخزنية الجبرية نشارك أبناء أمتنا نفس الهم والإحساس. وقد بذلنا حريتنا وزهرة شبابنا للمساهمة في بناء هذا المستقبل. وما زلنا نشعر أنه بيننا وبين المستقبل المنشود أعمالا جساما كالجبال تتطلب صبرا وتؤدة وتفان.

ونحمد الله تعالى أن حقق الكثير مما كنا نتمناه ونرجوه، فقيض لهذه الأمة رجالا وأولياء مصلحين، وحركات إسلامية جادة أحيت الكثير من السنن، وحاولت تصحيح الأفهام، وتجسيد الإسلام بشموليته. فلم يعد الإسلام، كما أراد له أعداؤه، يقتصر على العبادات، بل عم كل مناحي الحياة. فشمل السياسة والاقتصاد، والقانون، والفن، والعلاقات الأسرية والإنسانية، وما إلى ذلك.

حق لنا إذن أن نفرح ونحمد الله على ما من به علينا. وفرحنا بالعيد ومستقبل الإسلام ليس معناه ألا نحزن لنكبات أمتنا وجروحها ومعاناتها، بل ينبغي أن نحزن حزنا واعيا مجديا نترجمه إلى سلوك معيش بتخصيص إخواننا هؤلاء بالدعاء، والحديث عن معاناتهم وجهادهم ومواقفهم فنقتبس من ذلك العبر، ونشحذ هممنا وعزائمنا لنصرة قضايا أمتنا، ونبذل في سبيل ذلك ما بوسعنا بذله من مال وجهد وكلمة.

ومهما يكن فبواعث الرجاء أرجح وأكثر من دواعي اليأس. وقبل هذا أمامنا موعود الله يثبتنا، وينير لنا الطريق، ويقول لنا بلسان صريح فصيح أن المستقبل للإسلام، وأن مرحلة الملك الجبري أمر عارض زائل تتلوه خلافة راشدة تعود فيها الحياة إلى مجاريها الإيمانية. فتعم الفرحة والسعادة القلوب والوجدان.

وقبل الختام لا يفوتني أن أحيي وأهنئ بمناسبة العيد أبطالنا البواسل بفلسطين وسجون الاحتلال، وكل من يرفع لواء الحق ويؤدي ضريبة الكلمة الحرة والموقف النبيل نيابة عن الأمة لتحيى حياة كريمة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا العيد المبارك يوافق إقدام الهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان على خطوات مباركة للمطالبة بفك القيد وتحرير أسرى العدل والإحسان المحتجزين في زنازن الملك الجبري. فتية مؤمنون من أطر وأبناء العدل والإحسان غيبوا أزيد من عقد من الزمن في زنازن الجبر والطغيان ظلما وعدوانا. فتحية مباركة لكل رجال ونساء العدل والإحسان، ولكل الفضلاء الذين أعلنوا عن استنكارهم لسلوك المخزن الهمجي الذي يتنفس ويحيى على الزنازن والجماجم.

تحية لآبائنا وأمهاتنا وذوينا الذين شردهم الطغيان ومزقهم كل ممزق حين حرمهم من فلذات أكبادهم في هذا اليوم السعيد وغيرها من المناسبات خلال أربعة عشر عاما.

اختطفتهم أيادي آثمة ووحوش كاسرة وهم في عز شبابهم. فألقت بهم في أقبية السجون ذنبهم الوحيد أن قالوا ربنا الله لا نعبد سواه. ذنبهم الوحيد حبهم لهذا الوطن، وتفانيهم لخدمته، وقولهم لا في وجه المخزن والطغيان كي ينعم شعبنا بمستقبل مشرق خال من الظلم والاستبداد. فلا تنسونا وهؤلاء الآباء والأمهات من صالح الدعاء.

اللهم أهل علينا هلال هذا العيد بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام. ووفقنا لما فيه رضاك. تقبل صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، وأخرجنا من هذا الموسم برحمة ومغفرة وعتق من النار.

عيد مبارك سعيد، وكل عام وأنتم بخير.

المعتقل السياسي مصطفى حسيني

أحد معتقلي العدل والإحسان الإثني عشر

سجن بوركايز بفاس.