في رفقتنا عبر صفحات هذا الكتاب نحتاج أن يتم بيننا تفاهم، ويبقى واضحا حبْلُ الأفكار.

فبعد مطمحنا الأول والأساس أن تكون كل كلمة نخطها ونقرأها تذكرنا بالله.

وبعد المطمح الثاني التابع أن نبحث ونعثر على المنهاج النبوي العملي لإقامة دولة القرآن تأسيسا وبناء وتوحيدا للأمة.

نأمل أن لا نتيه بين أساليب الكلام ومصطلحاته، وأن يكون استمدادنا العلم القرآني والهدي النبوي أصلا ثابتا يحصننا من الضياع، دون أن يحجب عنا حكمة الله في آفاق الكون وتسلسل التاريخ. دون أن تمنعنا موعظة القرآن من الاتعاظ بعبرة القُرى، وهو تعبير قرآني عن مجتمعات بشرية خلت يعرضها علينا الله سبحانه دروسا. بل إن عبرة القُرى  أي دروس التاريخ- من موعظة القرآن.

إن كان الوحي أصل معرفتنا فالأرض وعامروها واضطرابهم عليها مهبط ذلك الوحي. يخاطب الأمر الإلهي فينا حاسة الإيمان كما يخاطب فينا العقل وهو مناط التكليف. ونتلقى السيرة النبوية وروائع الجهاد تحت راية القرآن بالإكبار والتطلع لخير مثال يحتذى. يحصل في الذهن تصور لما كُلِّفْنَا به من قبل الحق عز وجل، يتفاوت وضوحا وتتفاوت دواعي إنجازه حسب ما عند كل منا من إيمان وإيقان وإرادة. وتحصل في الخيال صورة النموذج النبوي والراشدي ملونة بالحنين إلى عهد يضفي عليه تفرده بالقيادة المعصومة والتوفيق الذي يخص الله تعالى به أصفياءه حلة الجاذبية والمثالية.

ذلك عهد التقت فيه معاني السماء بتطلعات الأرض، وتجسدت أثناءه حركة التاريخ في أمة هي خير أمة أخرجت للناس. ويتحدث اليوم المتكلمون باسم الإسلام أصنافا ومدارس. فتجد منهم من يقلص السيرة النبوية إلى حجم أرضي صرف ويفسر ظهور الإسلام بانتصار طبقة العبيد والمقهورين تحت قيادة رجل عبقري وقائد موهوب اسمه محمد/ أقول: صلى الله عليه وسلم. وتجد آخرين يعالجون تاريخ الإسلام عبر هذه العصور الطويلة بالعرض المجرد، لا ينفذ نظرهم إلى ما وراء الأحداث وما سبقها وما نتج عنها. وبين أصحاب التفسير المادي للتاريخ و”المؤرخين” السُّذَّج لا يمكن تفاهم، بل يضيع فكر طالب العلم بين الطائفتين. ينفر طالب العلم من الماركسي المادي الملحد وتحليله، وقد يكب على استعراض السيرة العطرة يتناغى معها مناغاة عاطفية تسليه عن واقعه المهزوم، أو يستهويه البريق الكاذب لتجار التضليل المادي تلامذة ماركس فإذا ظهور الإسلام بين عينيه أمجاد قومية لا غير.

سوق الحديث القومي عن الإسلام صاخبة، لذا نتأكد من مواقع أقدامنا في هذه الرفقة لكيلا نتبلد مع الإعجاب العاجز بتاريخ عزِّنا، ولا نغتر بمن يُعْوِزُهم السنَدُ في صفوف الأمة، فينصبون لها الشرَك السياسي لاصطياد ودها بترديد عبارات المديح للقائد العبقري والزخم القومي المجيد.