تم في الآونة الأخيرة منع حلقة من برنامج “شذى الألحان” الذي تقدمه القناة الثانية، ولم يكن السبب متعلقا بالبرمجة أو عطبا تقنيا أو غيابا لأحد الضيوف، وإنما كان السبب هو مشاركة الفنان رشيد غلام. في الحوار الذي نشرته إحدى الأسبوعيات توضيح لملابسات هذا المنع الجديد:

سؤال:

هل تأكد لديك أنك سبب منع الحلقة الأخيرة من برنامج “شذى الألحان”، التي كان من المفروض أن يتم بثها السبت الماضي بالقناة الثانية؟

جواب:

بل كان عندي حدس قبلي بأن الحلقة ستمنع بسبب رشيد غلام، كما وقع قبل رمضان حين منعت القناة الأولى برنامجا كاملا ضم أسماء فنانين مغاربة كبار، لكنه منع بسبب وجود رشيد غلام في اللائحة.

كنت أحسب في البداية أنها ستكون فلتة تاريخية بالنسبة للقناة الثانية، وسيكون هناك شبه تصالح مع رشيد غلام في إطار برنامج فني، ولكن كان لدي حدس قوي بأن الحلقة ستمنع في آخر لحظة، وهو ما وقع.

وقد تأكد لي من أطراف قريبة من القناة الثانية ومن المشاركين في الحلقة أن البرنامج منع بسبب رشيد غلام.

سؤال:

ألم تبلغك القناة سبب عدم بث هذه الحلقة؟

جواب:

لم أبلغ بأي شيء، ولا بأي اعتذار، ولا حتى بأي مواساة من طرف القناة الثانية، وقد تفاجأت كما تفاجأ طاقم البرنامج أو حتى الطاقم الإداري للقناة، لأننا كنا على وشك الإعداد لسهرة خاصة برشيد غلام في رمضان أو بعده لما وجدوا من المنتوج الجيد الذي أقدمه.

وأنا لا ألوم القناة الثانية، لأننا جميعا كيفما كانت الأحوال نقع تحت تصرف السلطة التي تعتبر الناس موظفين يأتمرون بأوامرها.

سؤال:

إذن ما هي الجهة بالضبط التي تلومها وتحملها مسؤولية هذا المنع؟

جواب:

أنا بكل صراحة منعت مرات عديدة، ولدي تاريخ طويل من المنع منذ التسعينات، واشتدت وطأتها سنة 1998، لكن بصرامة أكبر بعد سنة 2000 حين ظهرت بمهرجان الرباط، وكانت فلتة تاريخية. ليمنعني جميع ولاة المملكة بتوالي وزراء الداخلية، فأنا لا ألوم شخصا بعينه، وإنما ألوم جهازا قائما يحكم في هذا البلد.

سؤال:

إذن بدأ مسلسل المنع منذ سنة 2000؟

جواب:

أحكم مسلسل المنع بعد سهرة مهرجان الرباط سنة 2000، لأن التلفزة بثته أكثر من 30 مرة، ربما تنبه المسؤولون إلى كون هذا الصوت قد يتملك من القدرة ما يفتح له أبواب الإعلام والتأثير علىالسامع وتكون له قاعدة عريضة من المستمعين، فتم منعي من الإعلام العمومي، كما منعت مدة من جواز سفري قبل أن يسلم لي، ثم منعت منه مرة ثانية لأسترجعه. فهذه مسألة أعرفها، ليست أمرا جديدا علي. كنت أحسب أنها ستكون فلتة، ولكن لم يتعامل مع المسألة برزانة، بل تعومل معها بالصبيانية المعهودة في سلطتنا.

سؤال:

وسبب هذا المنع هو أنك عضو في جماعة العدل والإحسان؟

جواب:

هذه مسألة ظاهرة، وقد طلب مني أكثر من مرة أن أتبرأ من الجماعة لكي يكون لي اسم فني من طرف جهات مسؤولة كبيرة في هذا البلد.

سؤال:

من طلب منك هذا الأمر؟

جواب:

يعني جهات، إما رؤساء جمعيات كبرى ولهم يد طولى في سلطة الدولة، وإما أناس مؤسسون لمهرجانات كبرى داخل البلد ومسؤولون نافذون.. طلب مني أن أكتب رسالة أتبرأ فيها من الحركة الإسلامية، وبالذات من جماعة العدل والإحسان على أساس أن يفتح لي المجال، فرفضت لأنها مسألة غير معقولة. كيف أن الدولة تقول للشباب انخرط في العمل السياسي، وتمنع الفنان من أن ينخرط في ذلك؟ لا أفهم هذه المسألة.

سؤال:

جماعة العدل والإحسان ليست حزبا سياسيا؟

جواب:

ليست حزبا سياسيا، وإن كانت الدولة تنقم عليها الفعل السياسي. وغالبية معاصري الجماعة والذين يقرؤون أدبياتها قد يتفقون معها في كثير من أفكارها، ولكن يختلفون معها في أنها تتدافع معهم أو تتزاحم معهم في كسب الرهان السياسي داخل هذا البلد.. والرهان السياسي ليس بالمشكل الضيق، وإنما أقصد به كسب القاعدة الشعبية، وما يؤدي إليه هذا الأمر من كسب للنفوذ.

سؤال:

سبب المنع إذن هو التخوف من استغلال وضعك الفني في الترويج لمواقف جماعة العدل والإحسان؟

جواب:

هذه المسألة قد يتخوف منها إذا كنت أحمل في ريبرتواري الإنشادي حمولة فكرية أو إيديولوجية أو خطابا سياسيا أومطلبيا معينا، في حين أن ريبرتواري الغنائي لا يتعلق بأي ظرفية سياسية أو اجتماعية .. أو اقتصادية معينة .. لا بهذا البلد أو بأي بلد آخر .. وإنما يتحدث عن المعنى الوجودي، عن حب الله، عن حب النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن لدي فلسفة أكبر من توظيف الفن في حل قضية معينة آنية، فالفن أعتبره مرتبطا بالسيرورة التاريخية وبالمعنى الدائم للإنسان ووجوده، وليس فقط بالظروف السياسية الآنية التي تتغير، ولذلك فأنا لا أتغنى إلا بالقضية الأعمق الثابتة، وهي مسألة وجود الإنسان وعلاقته بالله الخالق.

فمن يمنعني إذن، لا يمنع ريبرتواري، وإنما يمنع صفتي وانتمائي لجماعة العدل والإحسان، معتبرا أن رمزية هذا الانتماء قد تحدث تأثيرا عند الناس ومحبة لهذا الشخص، ومحبته لما ينتمي إليه هذا الشخص وربما شيء من هذا القبيل. أو ربما أن الدولة تنقم على كل من يأتي من العدل والإحسان، وهذا لم يحدث لهذه الجماعة فقط، بل لكل الكفاءات التي كانت تأتي من الأحزاب السياسية التي كانت ممنوعة أيضا، فيمنعون بغض النظر عن كفاءتهم الفنية، يتم إقصاء الإنسان فقط بحيثيته الفكرية أو التنظيمية. والسلطة تاريخيا كانت تمنع الفنان الذي يخالفها، وتركنه إلى الظل، والتاريخ حافل بهذه الأمثال من الفراعنة والقياصرة. ولم يُعرف هؤلاء الفنانين من الأجيال التي جاءت من بعدهم لأنهم أقبروا ودسوا في التراب السلطاني.

سؤال:

ألا تعتبر أن هذا المنع هو نوع من الإشهار لرشيد غلام؟

جواب:

هذا خطأ تتحمله الدولة، وأستفيد منه. أنا لا أعتمد عليه لأتسول الشهرة، وما خرجت لأطلبها أصلا، وإنما هذا خطأ وقع فيه النظام، وليتحمل عواقبه، فعلى نفسها تجني براقش، وينقلب السحر على الساحر. فهذا القمع الذي طالني منذ التسعينات لم يزدني إلا شهرة إن داخل المغرب أو خارجه. ويحتفى بي في أكثر من بلد، بل أصبحت معروفا خارج وطني الذي أنا ممنوع داخله. وسأسجل إن شاء الله برامج مع قنوات خارجية بسبب منعي.

سؤال:

ألا ترى أن تحملك مسؤولية تنظيمية داخل جماعة العدل والإحسان بصفتك مشرفا على مجلس للنصيحة هو ما دفع السلطات إلى اتخاذ هذا الموقف تجاهك؟ فإذا كنت تريد إبلاغ رسالة فنية نظيفة من الحسابات السياسية فلماذا لا تحتفظ بعضويتك بالجماعة فقط دون أن تباشر مهام تنظيمية داخلها؟

جواب:

أنا لا أفهم ولا أتفهم أن يسوغ الإنسان حياته حسب نظرية خاطئة عند الآخر. أليس من حقنا أن نكون بشرا، وعندنا كفاءات في مجالات كثيرة .. في الخطابة والنصيحة والفن .. قد أكون طبيبا أو مهندسا، فهل هذه المسألة تتنافى مع حقي في الانتماء إلى جماعةما؟ النظام هو من لديه هذا الغبش، وهذا مشكله.

أين يتعارض رشيد غلام الفنان مع رشيد غلام الإنسان؟ أنا أرى أن إنسانيته التي ألجأته إلى أن يكون عضوا في جماعة العدل والإحسان هي التي تغذي فنيته التي جعلته يتفنن بالحب الإلهي.

وأنا كما قلت لم أتسور الفن لأتغنى بالخطاب السياسي، بل لأتغنى بالحب الإلهي المجرد، ولو كنت تسورته كذلك لقيل هذا.

ثم أنا لا أطلب من أجل فنيتي أن أجرد من إنسانيتي. انتمائي إلى جماعة العدل والإحسان كان ضرورة إنسانية خاصة بي، ولا تأثير سلبي لها على المجال الفني، بل لها تأثير إيجابي، لأنني من ذلك العمق والمشرب التربوي أتغذى.. وأنا لا أنتج خطابا سياسيا ولا نقابيا، فلماذا أمنع؟

سؤال:

هل ساندتك العدل والإحسان بعد منعك الأخير؟

جواب:

الجماعة دائما تحتسب إلى الله هذا المنع الذي يقع لنا، فرشيد غلام واحد من آلاف الناس سواء من داخل الجماعة أو من خارجها الذين يمنعون في كل يوم من مجالات الإبداع والظهور .. فأنا فنان واحد وإن كان في الجماعة فنانون كثر، وأنا مبدع واحد وفي الجماعة مبدعون أكثر، ولا أقول الجماعة مستثنيا، ففي عامة الشعب المغربي أناس كثيرون إما يمنعون لقلة إمكانات الظهور .. كم من كاتب وكم من روائي وكم من فنان .. لكن تسد في وجوههم الأبواب، لأن هناك السلطة وأزلامها، لأن هناك لوبي أتعرف عليه في كثير من الصالونات المغربية وأراه، يمتلك جميع خيوط المهرجانات ووسائل الإنتاج حتى لا يمرروا إلى الشعب المغربي إلا ما يحب ولا يمرر إلى المهرجانات إلا من يحب. فكأننا في المغرب ليس لنا الحق حتى في اختيار من نستمع له من فنانين، واختيار ذوقنا الفني.. وهذه إشكالية تاريخية .. تسلط السلطة والثروة على الفن وإشهار من تريد وتقتل من تريد، هذه مسألة معروفة.

سؤال:

لكن ألا تعتبر أنه من حقك على العدل والإحسان أن تساندك في مثل هذا الموقف؟

جواب:

الجماعة ليس لها فقط رشيد غلام حتى تصدر موقفا، فهي دائما يعرض عليها الكثير من المظالم، والله تعالى يسمع لها ولهذا الشعب المظلوم والمحروم يوما للإنصاف ولأخذ الحق انتزاعا، لا استجداءهم. فأنا أعجب لهذا الشعب المغربي كيف لا يرى إلا شعبا مستجديا لحقه، حتى حقه في المعاش لا يعطى له إلا في سلة الحريرة، وكأن ذلك من الصدقات التي تعطاه، وهو حقه. أنا أعجب لهذا الشعب كيف تعطى له الحريرة ويمنع من الحريات ويرضى بذلك، ويبهرج لذلك في وسائل الإعلام.. ها أنا أتصدق. كيف يرضى حاكم لشعبه أن يكون شعبا متسولا شحاتا؟ كيف يرضى له ذلك؟ هذا حق الشعب السياسي والاقتصادي يجب أن يعطى له خدمة لا أن يعطى مَنّاً. فإذن حتى الحق في الخروج الإعلامي وحرية التعبير من حقوقنا كشعب مغربي على السلطة وعلى من يملك السلطة. لا يعطى لنا استجداء.

سؤال:

هل تنوي أن تقول نفس هذا الخطاب إذا ما أفسح لك المجال في الإعلام العمومي؟

جواب:

طبعا، هل تسألني تهويلا لما أقول؟ أنا لا أتهول مما أقول.

سؤال:

لكنك تقول إن رسالتك الفنية لا تروج للخطاب السياسي وأنت بصدد ترويجه الآن؟

جواب:

هذا ليس خطابا سياسيا، وإنما من باب السماء فوقنا. حق الحياة حق مشروع لكل واحد. وإذا سألت أحدا هل لك الحق في الحياة وأجاب نعم، فلن تقول له هذا خطاب سياسي. ولكن ربما من زاوية معينة، زاوية نظر من يرصد الخطاب السياسي ويريد أن يسوغ له، فسيراه خطابا سياسيا، ومن أراد أن يراه حقوقيا فيراه كذلك. فليس انتمائي لجماعة العدل والإحسان هو ما يسمح لي بهذا، أو أتحسس وجود هذا الأمر، بل إن أي فرد من أفراد المجتمع يمكن عندما ينتزع حقه، بغض النظر عن حيثياته المعنوية أو السياسية سيقول هذا حق ضاع مني. فلن نقول له هذا خطاب سياسي، هذا واقع نعيشه بالمغرب. بل حتى الأبكم يمكن أن يصفه..

سؤال:

خلاصة ما حدث أن رشيد غلام تسبب في منع حلقته من برنامج “شذى الألحان” شارك فيها إلى جانب كل من الفنانة إحسان الرميقي والفنان التهامي الحراق. هل كان لك اتصال بهما؟

جواب:

اتصلت بهم وقلت لهم من باب الدعابة فقط .. اسمحوا لي كنت سببا في إبعادكم عن الشاشة المغربية، وإن كان لا زال أمامهم مجال للظهور مرة أخرى.

سؤال:

ما الخطوة التي ستقوم بها بعد هذا المنع؟

جواب:

ماذا سأفعل وأنا الضعيف، لا يمكنني أن أفعل شيئا إلى أن ألتجئ إلى كل الغيورين والحقوقيين في هذا البلد، وعلى رأسهم الائتلاف الوطني للثقافة والفنون، ليساندني في هذا الأمر ويطالب بحقي..

وأيضا المشاهدين الذين يؤدون فاتورة القناة الثانية والقناة الأولى، من حقهم أن يحددوا ما يريدون مشاهدته، فالمستهلك لا يتحدث عنه أحد. فلا حزب هناك أو مؤسسة تتحدث صراحة عن حق المواطن في الفن.

أنا أرى الناس تضخم ما يحدث من اختلاسات مالية في إدارة معينة، لكن لا تتحدث عمن يفسد ذوق جيل بأكمله، عمن يفسد ثقافة ويغرب أمة، وهذا جرم تاريخي، حتى نصلحه يجب إعادة التربية وسن سياسة بيداغوجية تمتد لسنوات .. لا أحد يتحدث عن هؤلاء، وأنا أجد أنهم أكثر إجراما من أولئك الذين يختلسون المال.

شاهد سهرة رشيد غلام بالجزائر