بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله، والرضا على أولياء الله.

أما بعد..

فقد كثرت الأقاويل حول عقيدة العدل والإحسان، وتكاثرت الألسنة الطاعنة في قادتها وقاعدتها، وكان آخر ما جادت به القرائح، تلك التصريحات التي أدلى بها الدكتور حسن العلمي المتستر خلف أبي جميل السجلماسي لصحيفة الأيام العدد 198.

لقد زعم الدكتور الفاضل أن الشيخ عبد السلام ياسين، حفظه الله، يؤسس مشروعه على “الخرافات والانحرافات المخالفة لعقائد المسلمين”، وأن هذا المشروع خبل “يهاجم عقيدة المسلمين وأسس الشريعة”، ومثل لتلك الانحرافات بالآتي:

أولا: ادعاء قيام الخلافة سنة 2006 أو 2010.

ثانيا: ادعاء مشاهدة الملائكة يقظة.

ثالثا: تجويز الشيخ علم اللوح المحفوظ لغير الأنبياء.

رابعا: قص الرؤى والمنامات التي تتضمن الاجتراء على الأنبياء والملائكة وغيرهم.

ولم يكتف الدكتور بهذا القدر، بل سطر دعوى عريضة لا تصدر عمن يخشى الله، ويستشعر قلة علمه مهما كانت شهادته، فقال عما سلف من “التخريف” في نظره: [ما وجدناه لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله، ولا في كتب المفسرين].

ثم ختم حواره بهذا التحدي: [فالواجب أن يردوا وأن يبينوا لنا أن هذا موافق كل الموافقة لهذه الشريعة ولهذه العقيدة، فالعلم يرد عليه بالعلم].

قلت: فلما كان الرجل مستعدا للإنصات، جاهلا بأن ما عده انحرافا وتخريفا من ثوابت العقيدة ومسلماتها، متطلعا للنقاش العلمي، كان لزاما علينا أن نكشف له تهافت دعاويه بهذه المقالات، فنسأل الله أن تكون سببا في هداية كثير من المجازفين والمتسرعين الذين يستهوون إصدار الأحكام قبل البحث والتمحيص الرصين.

المسألة الأولى: نبوءة الخلافة سنة 2006 أو 2010:

يزعم الدكتور وغيره أن جماعة العدل والإحسان تدعي قيام الخلافة الإسلامية سنة 2006 أو عام 2010!

ولست أدري مصدره في هذا الخبر، فإن الذي يفهم من المقالات الموجودة في المواقع الإلكترونية للجماعة، ومن الحوارات التي أجرتها بعض الصحف مع قادتها، ومن سماعي الشخصي من بعض أعضائها، هو أن حدثا عظيما سيحدث بالمغرب عام 2006، من غير تفسير هذا الحدث وطبيعته.

نعم، إنهم يعتقدون أن هذا الحدث سيكون خيرا للإسلام والمسلمين كافة، وذلك بناء على رؤى ومشاهدات تواترت بين أبناء العدل والإحسان، وتولى تعبيرها بعض قادتها الربانيين.

فأين الانحراف في هذا؟ وأين التخريف والضلال يا علماء الإسلام؟

دعونا من نبوءة العدل والإحسان، وتعالوا نطرح هذا السؤال: هل يمكن أن يتجلى الغيب لغير الأنبياء؟

إن الجواب على هذا السؤال هو الفيصل في المسألة، فإن كان ذلك ممكنا، فالواجب شريعة وديانة، يقتضي انتظار نهاية عام 2006 للتحقق من صدق نبوءة العدل والإحسان أو كذبها.

ويجب التنبيه إلى أن تعبير الرؤى قد يخطئ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في السنة السادسة لأداء العمرة بناء على رؤيا رآها، ولم تتحقق إلا في السنة السابعة، وفي ذلك يقول الحق جل جلاله: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين}.

فإذا لم يحدث شيء ذو بال خلال عام 2006، فإن هذا لا يستلزم كذب جماعة العدل والإحسان، ولا يفقدها مصداقيتها.

ونعود للجواب على السؤال المتقدم فنقول مستعينين بالله مستمطرين الصواب منه:

إن الله يطلع من يشاء من عباده على المغيبات الماضية والحاضرة والمستقبلة، ولا تشترط النبوة لذلك أبدا.

وله في ذلك سبحانه طرق شتى ووسائل عدة، يعرفها أهل العلم الراسخون، وقد من الله علي بتفصيل القول فيها في كتاب مستقل، يسر الله نشره، فما أورده هنا منقول منه باختصار:

الوسيلة الأولى: إرسال الملائكة إلى الأولياء والصالحين:

يجوز أن يبعث الله إلى بعض الأولياء ملكا أو أكثر يطلعونهم على بعض غيبه، وهناك أدلة كثيرة على ذلك، نذكر منها:

الشاهد الأول:

عن علي رضي الله عنه، في قصة هاجر رضي الله عنها لما عطش ابنها إسماعيل عليه السلام: .. فصعدت هاجر الصفا، فنظرت فلم تر شيئا، ثم أتت المروة فنظرت فلم تر شيئا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئا، حتى فعلت ذلك سبع مرات، فقالت: يا إسماعيل مت حيث لا أراك، فأتته وهو يفحص برجله من العطش، فناداها جبريل، فقال لها: من أنت؟ فقالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم. قال: إلى من وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى الله. قال: وكلكما إلى كاف، قال: ففحص الأرض بأصبعه، فنبعت زمزم، فجعلت تحبس الماء. فقال: دعيه فإنها رواء.

أخرجه الطبري في تفسيره، عند قوله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت…} من سورة البقرة، وهو في تاريخه 1/152.

وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري 6/402.

وفي صحيح البخاري 3/1228 من حديث ابن عباس: فلما أشرفت على المروة، سمعت صوتا فقالت: صه. تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت، إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو قال بجناحه، حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف، قال بن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معيناَ! قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة، فإن ها هنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.

في رواية: فإذا هي بصوت فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا جبريل، فقال بعقبه هكذا وغمز عقبه على الأرض، فانبثق الماء، فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفر.

فإذا هي بصوت فقالت: أغث إن كان عندك خير. فإذا جبريل، فقال بعقبه هكذا وغمز عقبه على الأرض، فانبثق الماء فدهشت أم إسماعيل فجعلت تحفر.

في رواية عند الفاكهي في تاريخ مكة: لا تخافي على أهل هذا الوادي ظمأ، فإنها عين يشرب بها ضيفان الله، زاد في حديث أبي جهم فقالت: بشرك الله بخير.

أفادت هذه الروايات أن هاجر رضي الله عنها، وهي امرأة صالحة غير نبية، رأت جبريل عليه السلام، وأنه أعلمها بجملة من الأمور الغيبية، وهي:

1- زمزم بئر لا ينتهي ماؤه أبدا.

2- زمزم عين يشرب منها حجاج بيت الله، وذلك قبل أن يبنى البيت العتيق وينادي إبراهيم عليه السلام بالحج إليه.

3- قرب زمزم سيكون بيت الله الحرام، وسيتولى بناءه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

الشاهد الثاني:

قال الله تعالى في سورة آل عمران: {وإذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين} إلى قوله سبحانه: {إذ قالت الملائكة: يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه، اسمه المسيح عيسى ابن مريم، وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين، ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين}

وقال عز من قائل: {واذكر في الكتاب مريم إذ نتبذت من أهلها مكانا شرقيا، فاتخذت من دونهم حجابا، فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا، قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا. قال: إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا. قالت: أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا! قال: كذلك قال ربك هو علي هين، ولنجعله آية منا، وكان أمرا مقضيا}.

تضمنت هذه الآيات جملة من الغيوب التي أوحاها الله تعالى لمريم عليها السلام، بواسطة الملائكة، ومريم امرأة صديقة لا نبية، ومن هذه الغيوب:

1- تفضيل مريم عليها السلام على نساء عصرها.

2- وضع مولود من غير أب يسمى عيسى، ينطق في المهد، ويكون نبيا.

الشاهد الثالث:

قال الله عز وجل في قصة إبراهيم الخليل: {وامرأته قائمة فضحكت، فبشرناها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، قالت: يا وليتا آلد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا! إن هذا لشيء عجيب! قالوا: أتعجبين من أمر الله، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت}.

أوضحت هذه الآيات أن الملائكة خاطبوا زوج إبراهيم عليهما السلام، وأعلموها أنها ستحمل بإسحاق، وإن إسحاق سيولد له يعقوب عليهما السلام.

وأم إسحاق امرأة صالحة.

الشاهد الرابع:

روى الإمام مسلم 4/1988 عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: “أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى له ملَكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربّها عليه؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه”.

محبة الله للعبد غيب، وهي تستلزم دخول الجنة، وهو غيب يتعلق بما بعد الموت، وقد أرسل سبحانه ملكا في صورة رجل ليعلم الزائر بمستقبله يوم القيامة.

ومثل هذا ما تضمنه حديث الأقرع والأبرص والأعمى، وفي آخره أن الملك أتى الأعمى في صورته، أي في صورة الأعمى قبل أن يرتد إليه بصره فقال: رجل مسكين وابن سبيل، وتقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيرا فقد أغناني، فخذ ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال الملك: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك.

رواه البخاري3/1276 ومسلم4/2275.

قلت: فهؤلاء جماعة من غير الأنبياء، أعلمهم الله تعالى ببعض المغيبات بواسطة الملائكة في اليقظة، فدل ذلك على أن تجلي الملائكة لبني آدم ليس خاصا بالأنبياء.

ولا يقال: ما تقدم وقع لأناس من الأمم السابقة.

فإن النسخ لا يتناول الكرامات والمعجزات بإجماع أئمة الاجتهاد، بل إن أولياء الأمة المحمدية أكرم عند الله ممن سبقهم.

فأجب على هذا حضرة الدكتور: هل هذه الشواهد موجودة في الكتاب والسنة؟ وهل تدل على ما قررناه؟ أم أننا نحملها ما لا تحتمل؟

الوسيلة الثانيــة: الإلهـام والتحديث

وهو أن يقذف الله في قلب عبد من عباده، معلومة لا يتردد في صدقها، فالله تعالى يزرع في فؤاده يقينا لا يخالطه أدنى شك، ويجمع أئمة الإسلام على أن الإلهام من أقسام الوحي، وعلى أنه ليس خاصا بالأنبياء.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري12/376: الإلهام فإن فيه أخبار بما سيكون، وهو للأنبياء بالنسبة للوحي كالرؤيا، ويقع لغير الأنبياء كما في الحديث الماضي في مناقب عمر: “قد كان فيمن مضى من الأمم محدثون” وفسر المحدث بفتح الدال بالملهم بالفتح أيضا، وقد أخبر كثير من الأولياء عن أمور مغيبة فكانت كما أخبروا… وكان السر في ندور الإلهام في زمنه صلى الله عليه وسلم وكثرته من بعده، غلبة الوحي إليه صلى الله عليه وسلم في اليقظة، وأراد إظهار المعجزات منه، فكان المناسب أن لا يقع لغيره منه في زمانه شيء، فلما انقطع الوحي بموته، وقع الإلهام لمن اختصه الله به، للأمن من اللبس في ذلك، وفي إنكار وقوع ذلك، مع كثرته واشتهاره، مكابرة ممن أنكره.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى12/398:

ثبت فى الصحيح عن النبى أنه قال: “قد كان فى الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن فى أمتي فعمر”، وفى رواية فى الصحيح: “مكلمون”، وقد قال تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بى وبرسولى}، وقال تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه}، بل قد قال تعالى: {وأوحى فى كل سماء أمرها}، وقال تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل}، فهذا الوحي يكون لغيرالأنبياء، ويكون يقظة ومناما.

وقال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين1/44: التحديث أخص من الإلهام، فإن الإلهام عام للمؤمنين بحسب إيمانهم، فكل مؤمن فقد ألهمه الله رشده الذي حصل له به الإيمان، فأما التحديث فالنبي قال فيه: “إن يكن في هذه الأمة أحد فعمر”، يعني من المحدثين. فالتحديث إلهام خاص، وهو الوحي إلى غير الأنبياء إما من المكلفين كقوله تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} وقوله: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي}. وإما من غير المكلفين كقوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون}. فهذا كله وحي إلهام.

قلت: ومن الشواهد الدالة على أن الله يطلع غير الأنبياء على المغيبات بواسطة الإلهام والتحديث ما يلي:

الشاهد الأول:

قال الحق سبحانه في سورة القصص: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين}

وفي سورة “طه”: {قد أوتيت سؤلك يا موسى، ولقد مننا عليك مرة أخرى، إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى، أن اقدفيه في التابوت فاقذفيه في اليم، فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له}

بينت هذه الآيات أن الله تعالى أطلع أم موسى رضي الله عنها على جملة من الغيب المتعلق بمستقبل وليدها، فهو سينجو من الغرق وإن وضعته في البحر، وسيوصله ماؤه إلى عدو لله وله هو فرعون فيتعهده ويربيه، وسيعود إليها بعد ذلك، وسيكرمه الله بالرسالة.

وقد كان الوحي إلى أم موسى بطريق الإلهام كما أكد ابن تيمية وابن القيم:

وقال السيوطي رحمه الله في “الدر المنثور” في تفسير “القصص”: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وأوحينا إلى أم موسى} يقول: ألهمناها الذي صنعت بموسى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {وأوحينا إلى أم موسى} قال: قذف في نفسها.

الشاهد الثاني:

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر الصديق كان نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك، ولا أعز علي فقرا بعدي منك، وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا، فلو كنت جذذتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله. فقلت: يا أبت، والله لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء، فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر: ذو بطن بنت خارجة، أراها جارية.

قلت: هذه كرامة صحيحة، أخرجها مالك في الموطأ2/752: باب ما لا يجوز من النحل. واللالكائي في كرامات الأولياء 116-117. والبيهقي في الشعب 6/169-178-257.

وقال ابن الجوزي في “صفوة الصفوة”1/266: في رواية: قد ألقي في روعي أنها جارية، فولدت أم كلثوم.

وفي الرياض النضرة لأبي جعفر الطبري2/123: وخرجه أبو معاوية الضرير، وزاد بعد قوله: ذو بطن بنت خارجة: استوصي بها خيرا، وإنه قد ألقي في نفسي أنها جارية. فولدت أم كلثوم.

فنحن نرى سيد المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجزم بأن زوجه حامل بأنثى، ويوصي بحقها في الميراث بناء على ما وقر في قلبه من إلهام، وقد تحقق ما ألهمه رضي الله عنه.

الشاهد الثالث:

عن عبد الله بن سلمة قال: دخلنا على عمر معاشر مذحج، وكنت من أقربهم منه مجلسا، فجعل عمر ينظر إلى الأشتر ويصرف بصره فقال: أمنكم هذا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ماله قاتله الله، كفى الله أمة محمد شره، والله إني لأحسب أن للناس منه يوما عصيبا.

رواه الخلال في السنة3/517 والخطيب في تاريخ بغداد7/119 والمزي في تهذيب الكمال4/87.

وإسناده حسن، والأشتر هو مالك بن الحارث النخعي أحد ملوك العرب، وقد صدقت فراسة سيدنا عمر فيه، فإنه كان من أشد الثائرين على سيدنا عثمان، وكان سيدنا علي يحاذر شره، لشوكته وكثرة أشياعه.

إن عمر رضي الله عنه لا يعلم الغيب، لكن الله تعالى ألهمه في سره، وقذف في روعه، أن الأشتر خطر على أمة الإسلام، فقال ما قال حتى يحتاط المسلمون منه ويحاذرون.

فيا حضرة الدكتور: هل هذه الشواهد موجودة في كتب الإسلام أم لا؟

وهل تفيد أن الإلهام ليس من خصائص الأنبياء أم لا؟

وهل ألهم كل من أم موسى وأبي بكر وعمر رضي الله عنهم أمورا غيبية أم لا؟

الوسيلة الثالثة: الرؤيا الصادقة:

في صحيح البخاري6/2574 وصحيح مسلم4/1773 عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا”.

فلا يجوز لأحد أن يكذب رؤى أهل وقته، ويحتقر معاصريه، بدعوى أننا في زمن الفتنة، أو أن الصحابة أولى من غيرهم، فإن حكمة الله اقتضت أن تكثر الخوارق بعدهم، تثبيتا لأهل الإسلام في أوقات الغربة والشدائد.

وإن الاطلاع على المغيبات بواسطة الرؤيا أمر مجمع عليه بين أهل العلم، سلفا وخلفا، وهذه نصوص بعضهم:

قال القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعليق على حديث: “الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة”:

أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أونبي، وإنما القدر الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة، لأن فيها اطلاعا على الغيب من وجــه ما. فتح الباري12/365

وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: لما كانت النبوة تتضمن اطلاعا على أمور يظهر تحقيقها فيما بعد، وقع تشبيه رؤيا المؤمن بها، وقيل : إن جماعة من الأنبياء كانت نبوتهم وحيا في المنام فقط وأكثرهم ابتدىء بالوحي في المنام، ثم رقوا إلى الوحي في اليقظة، فهذا بيان مناسبة تشبيه المنام الصادق بالنبوة. فتح الباري12/367

وقال الإمام القرطبي في تفسير أول سورة يوسف:

إنما كانت الرؤيا جزء من النبوة لأن فيها ما يعجز ويمتنع كالطيران وقلب الأعيان والاطلاع على شيء من علم الغيب كما قال عليه السلام: “إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم” الحديث.

وقال شيخه أبو العباس القرطبي صاحب “المفهم بشرح صحيح مسلم”: المسلم الصادق الصالح هو الذي يناسب حاله حال الأنبياء، فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء، وهو الاطلاع على الغيب، وأما الكافر والفاسق والمخلط فلا ولو صدقت رؤياهم أحيانا، فذاك كما قد يصدق الكذوب، وليس كل من حدث عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة كالكاهن والمنجم. فتح الباري12/362

وقال الإمام الشاطبي رحمه الله في الموافقات2/74: جاء النبي صلى الله عليه وسلم بجهة من تعرف علم الغيب مما هو حق محض، وهو الوحي والإلهام، وأبقى للناس من ذلك بعد موته عليه السلام جزء من النبوة، وهو الرؤيا الصالحة، وأنموذج من غيره لبعض الخاصة، وهو الإلهام والفراسة.

بعد هذه التقريرات السلفية أقول: إن مطالعة سريعة للقرآن والسنة، وجولة بين صفحات كتب التاريخ والتراجم، تنتجان أن هؤلاء الرجال كانوا على هدى من دينهم، وأنهم استقرأوا نصوص الشريعة فأقنعتهم بأن الرؤيا باب من أبواب الاطلاع على الغيب.

فإن قلت: فهلا ذكرت لنا أمثلة مقنعة، وشواهد ناطقة بما سبق تقريره.

قلنا لك: إن الشواهد كثيرة، يصعب حدها وحصرها، وهذه بعضها:

الشاهد الأول:

عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: رأيت فيما يرى النائم كأن ثلاثة أقمار وقعن في حجرتي، فأخبرت بذلك أبا بكر فقال: خيرا رأيت، إن صدقت رؤياك، دفن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم دفن في بيتها فقال أبو بكر: يا عائشة هذا خير أقمارك، ودفن في بيتها أبو بكر وعمر.

رواه الإمام مالك1/232 وابن سعد2/293 والطبراني في الأوسط 6/266 والكبير23/47 48 والحاكم3/63 و4/437 وصححه، كلهم من طرق عن جماعة عن عائشة.

الشاهد الثاني:

وعن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم و ذكر أبا بكر ثم قال: إني رأيت كأن ديكا نقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن أقواما يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته ولا الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض.

وعن عبد الله بن عمر قال: خطب عمر بن الخطاب الناس فقال: إني رأيت في منامي ديكا أحمر، نقرني على مقعد إزاري ثلاث نقرات، فاستعبرتها أسماء بنت عميس فقالت: إن صدقت رؤياك قتلك رجل من العجم.

رواه مسلم1/396 وابن أبي شيبة 6/180 والحميدي1/17 والبزار1/444 والحاكم3/97.

قلت: صدق تعبير أسماء رضي الله عنها، فقد قتل عمر بعد هذه الرؤيا بقليل، بيد رجل من العجم.

الشاهد الثالث:

عن نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان بن عفان قالت: نعس أمير المؤمنين عثمان فأغفى، فاستيقظ فقال: ليقتلنني القوم، قلت: كلا إن شاء الله، لم يبلغ ذاك إن رعيتك استعتبوك! قال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي، و أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فقالوا: تفطر عندنا الليلة.

وفي رواية كثير بن الصلت قال: دخلت على عثمان بن عفان، وهو محصور، فقال لي عثمان: يا كثير بن الصلت، ما أراني إلا مقتولا من يومي هذا، قال: بل ينصرك الله على عدوك يا أمير المؤمنين، ثم أعاد علي فقال: يا كثير ما أراني إلا مقتولا من يومي هذا، قال قلت: وُقت لك في هذا اليوم شيء أو قيل لك فيه شيء؟ قال: لا، ولكن سهرت في ليلتي هذه الماضية، فلما كان عند السحر أغفيت إغفاءة، فرأيت فيما يرى النائم رسول الله وأبا بكر وعمر ورسول الله يقول: يا عثمان إلحقنا، لا تحبسنا فإنا ننتظرك. قال: فقتل من يومه ذلك.

هذه قصة صحيحة متواترة عن سيدنا عثمان، انظرها في مصنف ابن أبي شيبة6/181 ومسند أحمد1/73 ومنامات ابن أبي الدنيا124 وفضائل الصحابة لأحمد1/497 ومستدرك الحاكم3/106 وغيرها.

وهكذا فإن سيدنا عثمان علم أنه مقتول لا محالة، وعلى ما رآه في منامه بنى موقفه من البغاة، فكان ينهى عن قتالهم.

الشاهد الرابع:

عن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم، وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فقال لي: ادنه، فدنوت حتى قمت بين يديه، فرفع إلي بصره فقال: أما إنك ستلي هذه الأمة وستعدل عليهم.

رواه نعيم بن حماد في كتاب “الفتن1/122” وابن سعد في الطبقات3 /291 وابن نقطة في التقييد 359  360، وإسناد نعيم بن حماد صحيح، على شرط الصحيح.

وقد تحققت هذه الرؤيا، فكان عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين.

الشاهد الخامس:

عن محمد بن عبيد الطنافسي قال: كنا عند سفيان الثوري، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله، رأيت في المنام كأن ريحانة قبل الشام ماتت، فقال له سفيان: إن صدقت رؤياك، مات الأوزاعي، قال: فجاء رجل إلى سفيان فقال: عظم الله أجرك في أخيك الأوزاعي، فقد مات.

قلت: رواه ابن معين في تاريخ الدوري4/223 وأحمد في العلل3/232 من طريقين صحيحين.

الشاهد السادس:

روى ابن سعد في طبقاته5/123 عن عمر بن حبيب بن قليع بإسناد لا بأس به قال: كنت جالسا عند سعيد بن المسيب يوما وقد ضاقت علي الأشياء ورهقني دين، فجلست إلى ابن المسيب، وما أدري أين أذهب، فجاءه رجل فقال: يا أبا محمد، إني رأيت رؤيا، قال: ما هي؟ قال: رأيت كأني أخذت عبد الملك بن مروان، فأضجعته إلى الأرض، ثم بطحته فأوتدت في ظهره أربعة أوتاد، قال: أنت رأيتها؟ قال: بلى أنا رأيتها، قال: لا أخبرك أو تخبرني، قال: ابن الزبير رآها، وهو بعثني إليك، قال: لئن صدقت رؤياه، قتله عبد الملك بن مروان، وخرج من صلب عبد الملك أربعة كلهم يكون خليفة.

قلت: وقد كان بين ابن الزبير رضي الله عنه وعبد الملك حروب حول الخلافة، فقتل الأول على يد جيش الثاني، وتولى الملك من أبناء قاتل ابن الزبير أربعة: الوليد وسليمان ويزيد وهشام، فصدق الله تعبير ابن المسيب رحمه الله.

قلت: أكتفي بهذه الوسائل الثلاث، وهناك خمس أخرى أفضل عدم ذكرها في هذا السياق، وأترك فضيلة الدكتور مع هذه الأخبار يتملى طلعتها ويستكنه حقائقها:

قال ابن القيم في “مدارج السالكين2/489”:

شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أمورا عجيبة، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم، ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما:

أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة، وأن جيوش المسلمين تكسر، وأن دمشق لا يكون بها قتل عام ولا سبي عام، وأن كلب الجيش وحدته في الأموال، وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة.

إخباره بهزيمتهم بالشام وإقسامه عليه، وتعيين يومه:

قال ابن القيم: ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة، لما تحرك التتار وقصدوا الشام، أن الدائرة والهزيمة عليهم، وأن الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا، فيقال له: قل: إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا.

وسمعته يقول ذلك، قال: فلما أكثروا علي قلت: لا تكثروا، كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة، وأن النصر لجيوش الإسلام! قال: وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو.

قلت: لاحظ أن ابن تيمية كان شديد اليقين من هزيمة التتار في الوقعة المذكورة، يدل عليه إقسامه سبعين يمينا من غير تعليق بالمشيئة، وقوله بعد استغرابهم: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، ثم جزمه بأن ما قاله مكتوب في اللوح المحفوظ.

وفي “الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية” ص60 للحافظ عمر البزار:

حدثني من لا أتهمه، أن الشيخ رضي الله عنه حين نزل المغل بالشام لأخذ دمشق وغيرها، رجف أهلها وخافوا خوفا شديدا، وجاء إليه جماعة منهم وسألوه الدعاء للمسلمين، فتوجه إلى الله ثم قال: أبشروا، فإن الله يأتيكم بالنصر في اليوم الفلاني بعد ثالثة، حتى ترون الرؤوس معبأة بعضها فوق بعض.

قال الذي حدثني: فوالذي نفسي بيده أو كما حلف: ما مضى إلا ثلاث مثل قوله، حتى رأينا رؤوسهم كما قال الشيخ على ظاهر دمشق، معبأة بعضها فوق بعض.

إخباره بدخوله السجن ونجاته من القتل:

قال ابن القيم: ولما طلب إلى الديار المصرية، وأريد قتله بعد ما أنضجت له القدور وقلبت له الأمور، اجتمع أصحابه لوداعه وقالوا: قد تواترت الكتب بأن القوم عاملون على قتلك! فقال: والله لا يصلون إلى ذلك أبدا. قالوا: أفتحبس؟ قال: نعم، ويطول حبسي، ثم أخرج وأتكلم بالسنة على رؤوس الناس. سمعته يقول ذلك.

قلت: قسم شيخ الإسلام صريح في أنه كان على يقين من طول عمره!

إخباره بوقت زوال ملك الجاشنكير:

قال ابن القيم: ولما تولى عدوه الملقب بالجاشنكير الملك، أخبروه بذلك وقالوا: الآن بلغ مراده منك. فسجد لله شكرا وأطال، فقيل له: ما سبب هذه السجدة؟ فقال: هذا بداية ذله ومفارقة عزه من الآن، وقرب زوال أمره. فقيل له: متى هذا؟ فقال: لا تربط خيول الجند على القرط حتى تغلب دولته. فوقع الأمر مثل ما أخبر به. سمعت ذلك منه.

قلت: فالإمام كان على علم بأن عدوه سيلي الملك، وأن دولته لن تطول، لذلك سجد شكرا لله.

ابن تيمية يقرأ ضمائر أصحابه:

قال ابن القيم: وقال مرة: يدخل علي أصحابي وغيرهم، فأرى في وجوههم وأعينهم أمورا لا أذكرها لهم. فقلت له أو غيري: لو أخبرتهم! فقال: أتريدون أن أكون معرفا كمعرف الولاةّ!

وقلت له يوما: لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح. فقال: لا تصبرون معي على ذلك جمعة، أو قال شهرا.

وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه، ولم ينطق به لساني.

قلت: وقال الحافظ عمر بن علي البزار، وهو من تلامذة شيخ الإسلام، في كتابه “الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية” ص56:

الفصل التاسع: في ذكر بعض كراماته وفراسته، أخبرني غير واحد من الثقات ببعض ما شاهده من كراماته، وأنا أذكر بعضها على سبيل الاختصار، وأبدأ من ذلك ببعض ما شاهدته، فمنها اثنين:

جرى بيني وبين بعض الفضلاء منازعة في عدة مسائل، وطال كلامنا فيها، وجعلنا نقطع الكلام في كل مسألة بأن نرجع إلى الشيخ وما يرجحه من القول فيها، ثم إن الشيخ رضي الله عنه حضر، فلما هممنا بسؤاله عن ذلك، سبقنا هو وشرع يذكر لنا مسألة مسألة، كما كنا فيه، وجعل يذكر غالب ما أوردناه في كل مسألة، ويذكر أقوال العلماء ثم يرجح منها ما يرجحه الدليل، حتى أتى على آخر ما أردنا أن نسأله عنه، وبين لنا ما قصدنا أن نستعلمه منه، فبقيت أنا وصاحبي ومن حضرنا أولا مبهوتين متعجبين، مما كاشفنا به وأظهره الله عليه مما كان في خواطرنا.

وكنت في خلال الأيام التي صحبته فيها، إذا بحث مسألة، يحضر لي إيراد، فما يستتم خاطري به، حتى يشرع فيورده ويذكر الجواب من عدة وجوه!

ابن تيمية يخبر ابن القيم بحوادث مستقبلية:

قال ابن القيم: وأخبرني ببعض حوادث كبار، تجري في المستقبل، ولم يعين أوقاتها، وقد رأيت بعضها، وأنا أنتظر بقيتها، وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته. والله أعلم

ابن تيمية يكاشف بحاجة الغرباء:

قال الحافظ عمر البزار: وحدثني الشيخ الصالح المقريء أحمد بن الحريمي، أنه سافر إلى دمشق، قال: فاتفق أني لما قدمتها لم يكن معي شيء من النفقة البتة، وأنا لا أعرف أحدا من أهلها، فجعلت أمشي في زقاق منها كالحائر، فإذا بشيخ قد أقبل نحوي مسرعا، فسلم وهش في وجهي، ووضع في يدي صرة فيها دراهم صالحة، وقال لي: أنفق هذه الآن، وخل خاطرك مما أنت فيه، فإن الله لا يضيعك. ثم رد على أثره كأنه ما جاء إلا من أجلي، فدعوت له وفرحت بذلك. وقلت لبعض من رأيته من الناس: من هذا الشيخ؟ فقال: وكأنك لا تعرفه! هذا ابن تيمية، لي مدة طويلة لم أره اجتاز بهذا الدرب.

وكان جل قصدي من سفري إلى دمشق لقاءه، فتحققت أن الله أظهره علي وعلى حالي، فما احتجت بعدها إلى أحد مدة إقامتي بدمشق، بل فتح الله علي من حيث لا أحتسب، واستدللت فيما بعد عليه وقصدت زيارته والسلام عليه، فكان يكرمني ويسألني عن حالي، فأحمد الله تعالى إليه.

وحدثني الشيخ العالم المقريء تقي الدين عبد الله ابن الشيخ الصالح المقريء أحمد بن سعيد قال: سافرت إلى مصر حين كان الشيخ مقيما بها، فاتفق أني قدمتها ليلا، وأنا مثقل مريض، فأنزلت في بعض الأمكنة، فلم ألبث أن سمعت من ينادي باسمي وكنيتي، فأجبته وأنا ضعيف، فدخل إلي جماعة من أصحاب الشيخ، ممن كنت قد اجتمعت ببعضهم في دمشق، فقلت: كيف عرفتم بقدومي وأنا قدمت هذه الساعة! فذكروا أن الشيخ أخبرنا بأنك قدمت وأنت مريض، وأمرنا أن نسرع بنقلك، وما رأينا أحدا جاء ولا أخبرنا بشيء! فعلمت أن ذلك من كرامات الشيخ رضي الله عنه.

ابن تيمية يطلع على نفاد نفقة أحد تلامذته:

قال الحافظ البزار: وحدثني أيضا قال: أخبرني الشيخ ابن عماد الدين المقرئ المطرز قال: قدمت على الشيخ ومعي حينئذ نفقة، فسلمت عليه، فرد علي ورحب بي وأدناني ولم يسألني هل معك نفقة أم لا. فلما كان بعد أيام ونفدت نفقتي، أردت أن أخرج من مجلسه بعد أن صليت مع الناس وراءه، فمنعني وأجلسني دونهم، فلما خلا المجلس، دفع إلي جملة دراهم وقال: أنت الآن بغير نفقة، فارتفق بهذه.

فعجبت من ذلك، وعلمت أن الله كشفه على حالي، أولا لما كان معي نفقة، وآخرا لما نفدت واحتجت إلى نفقة.

ابن تيمية يخبر عاصيا بمعصيته لا يعرفها غيره:

قال البزار: وحدثني الشيخ الصالح الورع عثمان بن أحمد بن عيسى النساج، أن الشيخ رضي الله عنه كان يعود المرضى بالبيمارستان بدمشق في كل أسبوع، فجاء على عادته فعادهم، فوصل إلى شاب منهم فدعا له، فشفي سريعا، وجاء إلى الشيخ يقصد السلام عليه، فلما رآه هش له وأدناه، ثم دفع إليه نفقة وقال: قد شفاك الله، فعاهد الله أن تعجل الرجوع إلى بلدك، أيجوز أن تترك زوجتك وبناتيك أربعا ضيعة، وتقيم ها هنا؟

فقبل يده وقال: يا سيدي، أنا تائب إلى الله على يدك. وقال الفتى: وعجبت مما كاشفني به، وكنت قد تركتهم بلا نفقة، ولم يكن قد عرف بحالي أحد من أهل دمشق.

ابن تيمية يخبر بحلول أجل أحد القضاة:

وحدثني من أثق به أن الشيخ رضي الله عنه، أخبر عن بعض القضاة أنه قد مضى متوجها إلى مصر المحروسة ليقلد القضاء، وأنه سمعه يقول: حال ما أصل إلى البلد قاضيا، أحكم بقتل فلان، رجل معين من فضلاء أهل العلم والدين، قد أجمع الناس على علمه وزهده وورعه، ولكن حصل في قلب القاضي منه من الشحناء والعداوة ما صوب له الحكم بقتله، فعظم ذلك على من سمعه، خوفا من وقوع ما عزم عليه من القتل لمثل هذا الرجل الصالح، وحذرا على القاضي أن يوقعه الهوى والشيطان في ذلك، فيلقى الله متلبسا بدم حرام، وفتك بمسلم معصوم الدم بيقين، وكرهوا وقوع مثل ذلك لما فيه من عظيم المفاسد، فأبلغ الشيخ رضي الله عنه هذا الخبر بصفته فقال: إن الله لا يمكنه مما قصد، ولا يصل إلى مصر حيا.

فبقي بين القاضي وبين مصر قدر يسير، وأدركه الموت، فمات قبل وصولها كما أجرى الله تعالى على لسان الشيخ رضي الله عنه.

يتبع بإذن الله