هذا الكتاب له مطمح أول هو أن يصبر القارئ عليه حتى ينسجم مع الخط الذي يرجع إليه الفكر بعد تموجات تدعو إليها معاناة واقع نريد تغييره، وأمل نرجو أن يتحقق، وهو قيام دولة القرآن، دولة الخلافة على منهاج النبوة. الخط الذي يعود إليه الفكر ويأوي إليه عبر تعرجات البحث والاستدلال والتخطيط هو ذلك المستقيم الصاعد بالعبد المومن إلى معارج الإيمان والإحسان. هو الصراط المستقيم الذي بلغ الله سبحانه عليه من اصطفاهم من عباده النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. وحسن أولئك رفيقا. فمهما نكتب أو نقرأ منبسطين في أكوان الأرض والسماء، وعوالم السياسة والاقتصاد والصراع مع الباطل، فإنما نهيئ الفهم لجهاد عملي فيه الخبط والضراب والمعارك. فإن لم يكن لنا مع الله عز وجل ساعة لا يسعنا فيها غير ذكره، بل إن لم يكن شغاف قلبنا مخدعا للحنين الدائم إليه سبحانه، ولم يكن محيانا ومماتنا وصلاتنا ونسكنا لله حقا وحده لا شريك له، فقد أوشكنا أن تذرونا الرياح، ونذهب بددا مع الحركة، فتقتطفنا يد الهوى ونصبح من الخاسرين.

مطمح هذا الكتاب الأول أن نحافظ في هذه الرفقة على ذكر الله وما يقربنا إليه، بل أن يوقظ في أنفسنا همَّ الله ولقائه، لكيلا يغلب جسم الحركة والفكر على روح طلب الله عز وجل.

والمطمح الثاني التابع هو أن نرسم في هذه الفصول والأبواب منهاج عمل يتجاوز هَمَّ الساعة إلى التطلع لغد الإسلام. وإن من بيننا من يرى، وله رأيه، أن الحركة الإسلامية ينبغي لها ألا تفكر لغد لا يزال في طي الغيب. ينبغي لها أن تركز الجهد على الحاضر، تاركة فضول الترقب لمراحل تأتي. بل الأدهى من ذلك أن منا من يكتب هذا الكلام المذهل الذي مؤداه أن الحركة الإسلامية غير مسؤولة عما آل إليه أمر المسلمين، ومن ثم فلا داعي لحمل همه. وتبقى الفجوة واسعة في الفكر الإسلامي بين مثالية النموذج النبوي والنداء القرآني الخالدين وبين ما تعانيه الأمة من بأساء على أرض الواقع، أرض الغثائية والاستضعاف والفقر والجهل والعبودية للطاغوت.

كأن بعضنا يتصور أن جند الله يوم يصلون إلى الحكم يكفيهم أن يكنسوا الواقع البغيض بجرة قلم أو ضربة سيف كما كان، ولا يزال، يسمع عامتنا عن خرافات البطل الذي يطرح الآلاف من أعدائه بحركة حسامه.

مطمحنا الثاني التابع هو أن نقدم تصورنا لمنهاج عمل ينطلق بنا مما نحن عليه من علل، ويجمع من أطراف الحكمة لوصف الكيف: كيف كان النموذج النبوي في التربية والجهاد والحكم فذا وبم كان؟ كيف تحول المجتمع الجاهلي مجتمعا إسلاميا؟ كيف تطور التاريخ بالأمة على عهد الخلفاء الراشدين انحدارا إلى زوابع الفتنة، ثم بعد ذلك إلى الملك العاض فالجبري؟ ثم كيف العمل اليوم وغدا لإتمام اليقظة الإسلامية المباركة، فانتزاع إمامة الأمة من يد ذرارينا المغربين، فقيادة الزحف الإسلامي إلى مسك زمام الحكم، فإقامة دولة القرآن بتربية الرجال، وتجنيد الشباب، واكتساب العلم، وتوجيه الجهاد، وبناء المؤسسات السياسية، وإحياء الاقتصاد، وتحرير الأمة من الاستعباد والتبعية حتى توحيد دار الإسلام، ونصب الخلافة على منهاج النبوة؟

لا يغني الوصف لولا صحوة الأمة على عتبة هذا القرن الخامس عشر قرن الإسلام. فهي تزداد تلهفا لمعرفة دينها، وتزداد استعدادا لتحمل أعباء لجهاد، وتزداد، بتردي أوضاعنا وفشل ساسة الطاغوت، تلفها وترقبا ليوم تخفق فيه راية الإسلام على ربوعنا.

نداءات كثيرة تسمع في ديارنا فيما يرجع لمذاهب الفكر وأساليب التنظيم والحكم. كل ينادي على بضاعته، ويزين، ويلهج بالمديح. لكن صوت الإسلام وحده يطرب هذه الأجيال المباركة، وبضاعة الإسلام وحدها تَنفُق.

ما قضَّ ويقُض مضاجع الجبارين إلا هذا النداء وهذه الاستجابة.

لأن الدعوة حق، ولأن الأمة، خاصة شبابها، أُشْرِبَتْ هذا الدين في سويداء القلوب.

في عصر الأقمار الصناعية، والهول النووي، والتسارع الآلي، والثورة الإعلامية، تعاني الإنسانية من ضراوة الحضارة الجاهلية المستعبدة للشعوب، المبذرة لثروات الأرض، لكل ما يرفع شأن المستضعفين، ويحررهم من أوهاق الاستعمار. ويضج المستضعفون، والمسلمون أشدهم آلاما، من وطأة الاستكبار العالمي. ينتظر المستضعفون في الأرض خلاصا من غزو التفقير والنهب، ومن الاحتلال العسكري والاقتصادي والثقافي. وقد بدأ المسلمون، مع العالم، يدركون أية قوة احتفظت بها عقيدة التوحيد، وأية طاقة يستطيع الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر تفجيرها في وجه الاستكبار وأعوانه. رأى العالم بدهشة تنم عما هنالك من ازدراء تقليدي بالمسلمين كيف هب إخوتنا الشيعة في إيران وكيف صال أسْدُ الله في أفغانستان. وكان درسا تعلموه فازدادوا خوفا من العملاق الإسلامي النائم. وتصدر اهتماماتهم جميعا رصد المومنين وملاحقتهم وسفك دمائهم إشفاقا أن تسري روح الجهاد في الأمة فتعصف بالظالمين.

برز جهاد المسلمين العزل في أفغانستان وانتصاراتهم برهانا على أن هذا الدين قوة المستقبل، قوة لا تقهر، قوة تتحدى بالإيمان أعتى طواغيت الأرض.