مجتمع العمران الأخوي أو سؤال قاعدة الحكم الشوري

خالد العسري – [email protected]

هل نكون قد استتممنا الحديث عن الشورى القرآنية إذا وقفنا عند حدود اللوازم الثلاثة السالف ذكرها، والمتمثلة في أسئلة المبايعة الشرعية، وكيفية تدبير الحكم، وحاكمية الكتاب؟ كلا، بل نكون قد سكتنا عن تاج الشورى ورأس أمرها، نكون قد صمتنا عن أس معناها وعن روحها، إذ أن السؤال المائج في أذهان الناس هو: ماذا يريد الإسلاميون من وراء اشتغالهم بالسياسة؟ ويجيب كثير من الإسلاميين أن المطلب والغاية هو إقامة الدولة الإسلامية، وذاك أمر خطير وقلب للأولويات، وإعلاء من شأن ما يُتوسَّل به حتى يغدوَ المقصد الأسمى، بينما أعز ما يطلب هو إقامة الدين.

في النظام الديمقراطي يقوم الدستور على عقد بين الحكام والمحكومين، ويكون الحَكَم في صياغة بنوده عقلانية لا ترجع إلى دين، وتكون الغاية من ورائه تنظيم معاش الناس في دنياهم. تنسجم ثلاثية الدستور الديمقراطي هذه مع أصول الفكر الحداثي القائم على ثلاثية: تأليه الإنسان، والتوسل بالعقلانية بمعزل عن أي دين، وتحقيق الرفاه الدنيوي المنكر لأي معاد. وبذلك تكون اللائكية أخت الديمقراطية ولازمتها ومبتدأها ووسطها وغايتها، لا فكاك لهذه عن تلك، ولا لتلك عن هذه.

أما في النظام الشوري فإن ميثاق المسلمين يكون عقدا بين الحكام والمحكومين على طاعة الله، ويكون الحَكم في صياغة أبوابه عقل مرحوم يتتلمذ على الوحي ويستظل بظله، وتكون الغاية من ورائه تنظيم دنياهم بما يخدم أخراهم. تنسجم ثلاثية الميثاق الشوري هذه مع الأصول العقدية للمسلمين: الله، والوحي، والآخرة. وبذلك لا يكون للشورى من معنى إن لم تكن القيم الإيمانية ملازمة لها، فهي في الأول وفي الوسط وفي الأخير.

الشورى أمر إلهي، وعمل تعبدي يبتغي المؤمنون بها القربى من مولاهم قبل أمر صلاح دنياهم، قال أبو بكر الجصاص: ” وقوله تعالى:والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم  يدل على جلالة موقع المشورة لذكره لها مع الإيمان وإقامة الصلاة ويدل على أنا مأمورون بها “(1). لا يفصل المؤمن بين الصلاة والشورى، فكلاهما من الدين الواجب إقامته في حياة الناس الخاصة والعامة، بل لا يكون أهل الشورى أهلا لها إلا إن استكملوا معانيها الإيمانية، وأخلاقها السلوكية، واستكملوا سياقها المبين في قوله تعالى: “فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا. وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون. والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون. والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون” [الشورى:37-39].

لا تعزل الشورى عن سياق ابتغاء ما عند الله، والتوكل عليه، واجتناب المحرمات، والتخلق بخلق العفو. والْحظ مرة أخرى، حفظك الله، كيف جاءت الصلاة والشورى والإنفاق على مرتبة واحدة من أمر الله. فكيف يفصل مسلم مرجعه القرآن الكريم بين المسجد والسياسة!

إن للشورى أهلها الذين تبين الآيات السابقات أوصافهم الإيمانية والخلقية والنفسية والسلوكية، وتبقى الغاية التي يسعى إليها أهل الشورى مبينة أيضا في كتاب الله عز وجل القائل: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور [الحج:41]، “أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله الذين إن مكناهم في الأرض قال: هذا شرط الله على هذه الأمة”(2). تشترك الأمة حكاما ومحكومين على إيفاء شرط الله عز وجل عليها. والتمكين لا يقصد به الولاة فقط كما سبق تفسير الآية على لسان عمر بن عبد العزيز، ولكن يعنى به مجموع جماعة المسلمين المستخلفة في الأرض، فرحم الله عمر المجدد لخطى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي كان يكتب “إلى عماله: إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع”(3). يتساءل اليوم سياسيون مسلمون عن ما علاقة السياسة بالصلاة! وهذا يجعل من أولى ما يجب تجديده من أمر الدين لهذه الأمة الصلاة، وهل يستقيم معنى للشورى دونما صلاة؟ وهل الصلاة إلا أعلى درجات القرب من الله عز وجل، فهي الركن الثاني من الدين، وهي عماده، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة. فهل يبقى من معنى للنظام الشوري إن لم يجعل سؤال التربية أولى مهماته، وأمر الآخرة مدار دعوته، فيبني عمرانا أخويا يتنافس فيه أهله على الخيرات، تقربا من خالق الناس، لا مكايدة ونفاقا لعموم الناس، وذاك ما عنيناه باللازمة الرابعة من الشورى القرآنية.

فهذه هي الأركان الرباعية للشورى القرآنية، بسطنا القول فيها في إيجاز، على أمل تفصيل البيان حولها في مناسبات قادمات بإذن العليم الحكيم، والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

(1) أبو بكر الجصاص: “أحكام القرآن” دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405. ج: 5 ص: 263.

(2) الإمام السيوطي: “الدر المنثور” دار الفكر، بيروت، 1993. ج:6 . ص: 60.

(3) أخرجه الإمام مالك في “الموطأ”.