سؤال:

ما سر التحول الذي عرفته حياتك الفنية؟

جواب:

أنا لا أسميه تحولا فنيا، لأن ما حدث كان في السنوات الأولى لانطلاقتي فنيا، ثم لأن بدايتي كانت فجائية، وكأي طفل صغير ليست له إمكانية الاختيار، وجدت الآفاق أمامي مفتوحة بإغراء  أو دعني أسميه تشجيعا- من الآخرين دون وعي مني أو تفكير. كان عمري ثلاث عشرة سنة حين دخلت عالم الكبار، هجرت طفولتي مبكرا، هجرت عالم البراءة واللعب، لأجد نفسي في متاهات الشهرة والمال والليل والسهر .. وظللت أحمل داخلي هذا النقيض: البراءة التي تسكنني والعبث الذي أسكنه. وكما لو كنت مخدرا بأجواء الليل والأبهة التي تحاط بي أيقظتني في لحظة ما يد العناية الربانية بشكل مفاجئ كعادة كل المنح الربانية. وأصابني فزع قوي يدعوني إلى التخلي عما أنا فيه. هذا الفزع القوي حرك فيّ معنى وجودي، ووظيفتي في الحياة وبالأساس علاقتي بالله عز وجل.. فكان علي أن أختار.

سؤال:

وهل كان الاختيار صعبا؟

جواب:

كان صعبا على عائلتي ومعارفي والمحبين لصوتي، وحاولوا الضغط علي ليقفوا حائلا بيني وبين نزوعي نحو الأسمى، وبتوفيق من الله تمكنت من تحدي هذه الضغوط لأن الفزع كان أقوى ولأن الرسالة التي أشعر بمسؤولية حملها إلى الناس كان أجل.

سؤال:

ما طبيعة هذه الرسالة؟

جواب:

هناك طبيعتان لهذه الرسالة، الأولى والتي تهدف إلى إقواء صلة الإنسان بخالقه، من خلال الوعي بمعنى وجود الإنسان، وحقيقة دوره في الحياة، والارتقاء به إلى تحسس المعاني السامية في هذا الكون، والثانية فنية، فقد اشتغلت على محاولة بناء ذوق فني جديد يشكل قطيعة مع المفهوم الخاطئ / السائد عن طبيعة الأغاني الدينية. أردت أن أردم الهوة بين القوالب الجمالية الفنية والمضامين الربانية وكان خلافا تاريخيا بينهما.

فحاملوا المشروع الإسلامي لا يتصورون إنشادا دينيا إلا بالدف والسماع دون آلات وترية .. ودون طرب، وهذا تصور شاذ تمثله الوهابية مثلا، والآخرون لا يتصورون المضامين الربانية إلا مرتبطة بالمأتم والحزن وأجواء رمضان..

لهذا أعتز بوجود فرقة سمفونية معي تعيد الاعتبار للمضامين الربانية، وتضيف مبحثا في الفكر الإسلامي الذي لمست خلوه تاريخيا من مباحث الفن والجمال.

سؤال:

وماذا أضفت بهذا اللون الغنائي إلى الفن المغربي؟

جواب:

يكفي أن أؤكد أن السبق كان لي  والفضل لله عز وجل- في إخراج هذا الفن الجميل من الزوايا والتكايا إلى الفضاء العام، حيث كنت سباقا إلى إحياء الليالي المحمدية بداية من سنة 1995 بالمعاريف، ومنذ ذلك الحين صارت الموشحات الدينية تغنى في الفضاءات العامة، وبعدما كانت الأغاني الدينية حماسية وجهادية أعدتها إلى الغرض الأم وهو الحب الإلهي والحب النبوي. وكان لي السبق في إصدار أول شريط ديني بشكل جميل واحترافي بالمغرب سنة 1996 وهو ما زال إلى الآن تباع منه نسخ بالآلاف المؤلفة مما شجع الكثيرين على إصدار ما يماثلها بعد أن صار لها جمهور كبير .. وواظبت  بفضل الله- على إحياء الليالي المحمدية لسنوات حتى سنة 2000 التي شهدت بداية مسلسل المنع.

سؤال:

لكنك شاركت في مهرجان الرباط؟

جواب:

نعم، كان ذلك سنة 2000 في أول ظهور إعلامي لي بهذا اللون الفني بالمغرب، حيث صورت التلفزة المغربية تلك السهرة وظلت تعرضها أكثر من ثلاثين مرة، لكن مباشرة بعد سهرة مهرجان الرباط، فوجئت برجال السلطة يمنعونني من دخول المسرح بالدار البيضاء ومنعوا الناس أيضا وهم يحملون تذاكرهك رغم أننا قمنا بكل الإجراءات المطلوبة، إلا أن المنع لم يكن مبررا واعتبرناه حدثا عارضا، غير أن المنع تكرر في الرباط وفاس ومراكش وبركان وأكادير وطنجة وفي كل المدن المغربية .. ولهذا اعتبرت مسألة منعي ليست اجتهادا من السلطات المحلية بل هو منع مركزي، وأتساءل من يملك الحق في منع فنان من استغلال فضاء عمومي ومن الظهور التلفزيوني؟

ويحز في نفسي أن تفتح لي الأبواب في مختلف دول العالم، وأجدني خارج المغرب أستقبل كفنان مقتدر، ويعاملني الجمهور وكبار الفنانين بما أستحق من تقدير في الوقت الذي أعاني من اللقاء بالمغاربة في وطني ويسلب حقهم في مشاهدة رشيد غلام عبر شاشة التلفزة.

سؤال:

ألا ترى أن المنع نابع من انتمائك إلى جماعة إسلامية غير مرغوب فيها؟

جواب:

أولا انتمائي إلى الحركة الإسلامية جاء لإرواء العطش الروحي الذي حملته معي  كما قلت في البداية- من متاهات الليل إلى طريق الله، ونتيجة طبيعية لوعيي بجدوى الرسالة التي أحملها، لذلك فتبيني لوظيفتي كموجود يفرض علي أن أستخدم كل مواهبي، مواهب الله، لخدمة هذه الرسالة، وهذا الانتماء اقتضته الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نعرفها، وطبيعي أن أنتمي إلى جماعة ذات مشروع تغييري لهذه الظروف.

وثانيا إن كل من يربط بين فني وانتمائي أقول له إن ما أقدمه لا يحمل أية حمولة إيديولوجية أو مضامين سياسية تسوق لتوجه معين، بل هو الحب الإلهي والحب النبوي .. الحب الخالص الذي لا يتغير بتغير المكان والزمان والظرفيات السياسية .. وأنا حقيقة لست أفهم لماذا يمنعون رشيد غلام.

سؤال:

إنهم يمنعون بزيز أيضا؟

جواب:

ربما لأن بزيز يحمل مشروعا انتقاديا ذا خلفيات سياسية، لكني أتحدى أيا كان أن يجد في ما أقدمه غير التغني بحب الله وحب الرسول صلى الله عليه وسلم.

سؤال:

هل يؤلمك هذا المنع؟

جواب:

طبيعي، لأنني محروم من اللقاء بالناس وإيصال رسالة المحبة إلى كل الناس بالمغرب، رغم أنني أحيي سهرات خاصة بكل دول أوربا ومعظم الدول العربية، وأشارك في مهرجانات دولية للموسيقى الروحية أو فن المديح والسماع .. كما أن لي إطلالات بعدة قنوات أجنبية من خلال سهرات مصورة أو حوارات صحفية تلفزية.

سؤال:

هل من أمل في رفع هذا المنع؟

جواب:

الأمل في الله عز وجل، وإيماني بالله يدفعني إلى الاعتقاد في قرب نهاية هذا المنع.

شاهد سهرة رشيد غلام بالجزائر