بسم الله الرحمن الرحيم. (وسع ربنا كل شيء علما). أعـوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وشماتة الأعداء. وأعوذ بك من السجن والقيد والسوط.

لما صنفت شعب الإيمان رتبت من الإيمان طلب العلم وبذله، ثم التعلم والتعليم بآدابه الشرعية، ثم تعلم القرآن وتعليمه، ثم تعلم الحديث الشريف واتباع السنة النبوية، ثم التعليم بالخطابة، ثم التعليم بالمواعظ والقصص.

لم أتعرض في تصنيفي على مستوى الإيمان أن العلم ظاهر وباطن، ولا إلى انفتاح عين القلب، ولا إلى وعلوم الأولياء، ولا إلى المعرفة والوصول ومشاهدة الله عز وجل. لم أفعل ذلك لأن هذه العلوم الإحسانية، وإن كانت من الدين، بل هي جوهر الدين وأشرف أركانه، ليست في متناول عامة المومنين الذين يتكون منهم حزب الله وجنده.

فمِنْ مطالع الإحسان أحاوِر هنا الدعاة المعرضين عن التربية الإحسانية، والدعاة الذين لم يسمعوا سمعا مُجْدِيا عن الإحسان.

يا أيها النوابغُ المهتمون بمصير الأمة، المستقبِلون بصدق وحماس وعدَ الله بالنصر الظاهر في آفاق الصحوة الإسلامية، الحاملون أعباء الهم وأعباء التخطيط والتنظير والتنظيم والحركة.

إن مجهوداتكم لَحميدة، وإن جهادكم لمشكور إذ تعلِّمون الناشئة الإسلامية المباركة أن الإنسانية في حاجة إلى الدين الصحيح دين الإسلام، وإذ تخبرونها أن العالم من حولنا عالَمُ توازن القوى وأنه لا سبيل إلى نهضة المسلمين إلا بالوحدة تحت حكم الله، وإذ توضحون أن عمارة الأرض والاستخلاف فيها مطلب شرعي يجب أن تُرْصَدَ لتحقيقه الجهود الخيِّرة حتى يظهر الله هذا الدين على الدين كله ولو كره الكافرون.

لا يستهين عاقل، ولا يستهين مومن بالطاقة التي تجمعونها حولكم، القادرة بإذن الله على تقويض الباطل ودكِّ حصونه.

لكنَّ سؤال الربانيين إياكم يتلخص في بحث الأسباب التي جعلت النداء العقلاني يعلو من منابركم حين يقال: إن الإسلام دين العقل والعلم، ثم يُسكَت عن الغيب سكوتا أخرس، أو سكوت تحريف، أو سكوت إهمال.

مفهوم “العلم” حين يطلق في عصرنا ينصرف إلى العلوم الكونية الرائجة في الأرض، الضرورية للحياة، المهيمنة على مسار البشرية. فتدعو ضرورة أن يتحقق المسلمون بأسباب القوة الناطق الإسلاميَّ إلى التركيز على “المعرفة” و”أسلمتها”، وصياغتها صياغة إسلامية، وضبطها لتخدم الأهداف الإسلامية، ورصدها لتحمل الخير للناس كافة بدل أن تكون سبب الدمار الذي يهدد مستقبل العالم لسوء استعمال المشركين الكافرين إياها. وفي الانشغال بهذا التركيز انشغال عن العلم الإيماني وعن المعرفة الإحسانية. وكأنَّ اكتساب المعارف التكنولوجية هو الغاية التي ما بعدها غاية.

إن من اليقظة وفقه الواقع أن ندرك اتساع الفجوة التي تفصل عالم المستضعفين، ونحن المسلمين في مؤخِّرَة القافلة المقهورة، عن العالم المصنع الخبير بقضايا العلوم والتكنولوجيا. ومن الجهاد أن نوقد في الشباب الإسلامي إرادة التقدم بخطى ثابتة إلى معركة بناء القاعدة العلومية التكنولوجية الكفيلة بإعطائنا القوة المادية التي أمرنا في القرآن المنزل من عند رب العالمين بإعدادها. ومن الرجولة أن نَبُثَّ في نفوس الشباب الإسلامي الثقة بأن هذه الفجوة الهائلة بيننا وبينهم خطوةٌ يمكن قطعها بتوفيق الله في جيلين أو ثلاثة أجيال. ومن الإيمان أن نقاوم الاتجاه الاستسلامي الانهزامي الذي يصوِّر للمسلمين مستقبلهم على أنه خيارٌ بين حلين لا ثالث لهما: إما السير في ركاب اليابان والغرب والشرق في ذيل القافلة وإما الموت.

لكنَّ الوعيَ بالفجوة العلمية التكنولوجية، وإرادة عبورها وتقصيرها، انصرافٌ بالهمة والجهد والفكر شرَّ مُنْصَرَف إن لم يزامنه الشعور بالفجوة الهائلة في ديننا. من المنطلق الإحساني يتساءل المرء: ما هو الإسلام الذي يطمح إلى الجمع في تركيبة فريدة بين العلوم التجريبية وبين العلوم الشرعية الفقهية باعتبار أن الإسلام تشريع الهي سماوي بديل عن التشريع الأرضي البشري! أين إيمان المومن وإحسان المحسن! أين الآخرة من الدنيا! أين الغاية التي خلق الله عز وجل لها الإنسان ودعاه لكرامته!

أخشى أن تكون ريحُ المنافسة مع ساكن الأرض حطت من سمو نظرتنا إلى الدين. إن لم نبدأ بنقد الجاهلية من جهة فقدها للمعنى والغاية نقدا كليا شاملا سقطنا في نقدٍ لها جزئيٍّ لن يلبث أن يُعقِبه تَبَنٍّ تدريجي لذهنيتها. إن الحضارة العالمة الصانعة التقنية آلة صماءُ رغم تَنَصُّتِها على الكواكب والنجوم، بكماءُ رغم ضجيجها المثير، عمياء رغم كواكبها الصناعية التي تترصد كل شيء في الأرض ورغم منظاراتها التي تفحص المجرّاتِ.

(إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) (سورة الأنفال، الآية: 22).

إن تلهفنا على اللحاق بالركب التكنولوجي مقدمة ضرورية للجهاد. لكن الرحلة الشاقة تكون تدحرجا إلى الهاوية إن لم نستحضر، وإن لم نتمثل في صميم صميمنا كل لحظة، أن هذه العلوم والاختراعات وسائلُ تملَّكَت البشريةَ الهائمة مع “العقل” الهائم، عقل الصم البكم الذين لا يعقلون، واستعبدتْها، فهي تسير بها مُكْرهة مسلسلة في مسلسل الإنتاج والاستهلاك إلى أسفل دركات الدوابِّيَّة.

الإحسان، وهو طلب وجه الله تعالى ومعرفته وعبادته كأننا نراه، هو الركن الأشرف في الدين. ذاك ما جاء سيدنا جبريل عليه السلام يعلمه الأمة حين جلس إلى حبيب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم يسأله: أخبرني عن الإسلام، أخبرني عن الإيمان، أخبرني عن الإحسان، أخبرني عن الساعة.

سكوتنا عن الإحسان اقتضابا أو جهلا أو محاباةً لفكر حرفِيٍّ يكرَهُ أولياء الله ويرفضهم تفريطٌ في الدين، وخرق في الدين، وتضييع للدين، وفجوة في الدين. فإن تركنا هذا الانخراق يتسع، ونسينا ذكر الله، وتنكرنا لِحِلَقِ الذكر، واتهمنا من قال أحب الله وأحب رسول الله، وأوّلنا المعجزات، وجهَّلنا من تحدث عن الكرامات، وتغافلنا عن أعظم بشارة وأفخم إشارة وصلتنا من رب العالمين من أنه لا يزال العبد يتقرب إليه حتى يحبه فيكون سمعه وبصره ويده ورجله فإلى أين نجري؟

ديننا ناقص إن تمسكنا بإيمان الأخلاق والعبادة والاستقامة والطاعة والجهاد دون تطلع إحساني.

ديننا قضية محرفة معكوسة إن اعتبرنا الدين نظاما للجماعة يصوغها ويقنن لها ويوحدها ويوجه جهدها ونسينا أن لله عز وجل قصدا في تمييز العبيد بعضهم من بعض، فردٍ عن فرد، في سباق أعلن سبحانه انطلاقه في قوله: “سارعوا” “سابقوا” وخصص جائزته العظمى في قوله “كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به”.

ماذا يبقى من القرآن إن ألغينا منه حبَّ الله للمحسنين، وحبَّه للتوابين والمتطهرين، وحبَّه للذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، وحبَّه لقوم أذلة على المومنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم! ماذا بقي من القرآن إن جَمَّدْنا معاني أمراض القلوب وطبها وشفاءها وطمأنينتها وتنوُّرها! ماذا يبقى بعد إسقاط التوبة والإنابة والإرادة والصحبة في الله والصدق والمراقبة والمحاسبة والذكر والتفكر والتقوى والمحبة والتوكل ومخالفة النفس الأمارة والشيطان ومحاربة الهوى!

تبقى الصيغ الآمرة الناهية كأنها إلزام ونَكال إن لم تعلمنا التربية الإحسانية أن الله تعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين. أرسله شخصا منا، من أنفسنا، فردا ألقى عليه محبة منه ليضرب موعدا للصفوة من عباد الله عند كرسي الله يوم النظر إلى وجه الله.

تبقى، بدون العلم الإحساني والسلوك الإحساني، قصص أنبياء الله في القرآن، وقصص الأمم الهالكة وخبر الملائكة والجنة والنار والبعث والنشور حشوا وزيادات هامشية.

إن حِواري مع الدعاة لا يريد أن ننفُض اليدَ من الدنيا ومشاغلها. فذاك نكوص وارتكاس نعوذ بالله. وإن وجود الأمة وبقاءها على وجه الأرض تحمي بقوتها المادية والعددية بيضة الدين لهو الشرط الأول والضروري لحياة المسلم والمومن والمحسن. وإن الصورة الصوفية للسلوك صيغة مصغرة، صغرها الهروب من الساحة العامة، للإحسان الكامل الذي عاشه الصحابة رضي الله عنهم. فينبغي للدعاة أن لا يجفلوا من الإحسان ودعاة الربانية مخافةَ الانطواء كما انطوى الصوفية. ذاك زمان، وتلك ظروف، وهاتيك أعذار. ومستقبل المحسنين مرتبط في غد الخلافة الثانية بمصير الأمة، حظهم من الله مرتبط بقوة الأمة في الأرض، خلافتهم المعنوية مرتبطة بخلافة الأمّة في الأرض، رتبتُهم بين العارفين المحبوبين رهن بما قدموه من جهاد لتكون أمة الإسلام الوارثة في الأرض.

قال الولي الكامل الشيخ عبد القادر: “أولياء الله بالإضافة إلى الخلق صُم بُكم عُمي. إذا قربت قلوبهم من الحق عز وجل لا يسمعون من غيره، ولا يبصرون غيرَه. يُبيحهم القرب، وتغشاهم الهيبة، وتُفيدهم المحبة عند محبوبهم. فهم بين الجلال والجمال. لا يميلون يمينا ولا شمالا. لهم أمام بلا وراء.(…). يخدُمهم الحكم والعِلم، يغذيهم الفضل ويُرويهم الأنس. من طعام فضله يأكلون، ومن شراب أنسه يشربون. عندهم شغل عن سماع كلام الخلق. فهم في واد والخلق في واد. يأمرون الخلق بأمر الله عز وجل، وينهونهم بنهيه نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم. هم الوارثون على الحقيقة. شُغلهم ردُّ الخلق إلى باب الحق عز وجل. يركبون حجته عليهم، يوقعون الأشياء في مواقعها”. [1]

وقال رحمه الله: “يا غلام! استدلَّ بصنعة الله عز وجل عليه. تفكر في الصنعة وقد وصلت إلى الصانع. المومن الموفق العارف له عينان ظاهرتان وعينان باطنتان. فيرى بالعينين الظاهرتين ما خلق الله عز وجل في الأرض، ويرى بالعينين الباطنتين ما خلق الله عز وجل في السماوات. ثم يَرفع الحجُبَ عن قلبه فيراه بلا تشبيه ولا تكييف. فيصير مقربا محبوبا. والمحبوب لا يكتم عنه شيء.

“إنما تُرفع الحجب عن قلب تعرّى عن الخلق وعن النفس والطبع والهوى والشيطان. ألقى مفاتيح كنوز الأرض من يده، واستوى عنده الحجَر والمدَر. كن عاقلا! تدبّر ما أقول وتفَهَّمْ! فإني بلُبِّ الكلام أتكلم. بجوهره. بباطنه. بصحيح معانيه”. [2]

وقال أكرمه الله: “يا قوم! اعرفوا هذا الخالق وتأدبوا بين يديه! مادامت قلوبكم بعيدة عنه فأنتم سَيِّئُو الأدب عليه، وإذا قربت حسن أدبها. هذيان الغلمان على الباب قبل أن يركب المَلِكُ، فإذا ركب جاء خرَسُهم وحسُن أدبهم لأنهم قريبون منه. كل منهم يهرب إلى زاوية.

“الإقبال على الخلق هو عين الإدبار عن الحق عز وجل. لا فلاح لك حتى تخلع الأرباب، وتقطّع الأسباب، وتترك رؤية الخلق في النفع والضر.أنتم أصحاءُ مرضى! أغنياء فقراء! أحياءٌ موتى! موجودون معدومون!

“إلى متى هذا الإباقُ عن الحق عز وجل والإعراضُ عنه! إلى متى عمارة الدنيا وتخريب الآخرة! إنما لكل واحد منكم قلب واحد، فكيف يحب به الدنيا والآخرة. كيف يكون فيه الخلق والحق؟(& )

“باطنك ظاهر عند الله عز وجل وعند خواصه من عباده. إذا وقع بيدك واحد منهم فتأدب بين يديه، وتب من ذنوبك قبل لقائه. تصاغرْ عنده وتواضع له. إذا تواضعت للصالحين فقد تواضعت لله عز وجل. فتواضع فإن من تواضع رفعه الله عز وجل”. [3]

قال محب قلَّ أنيسه بعد فراق الأصحاب يحن إلى تلك الأيام والليالي: أحِنُّ إلى نجد ومن حلَّ فـي نجـد *** وماذا الذي يغني حنينيَ أو يُجـدي

وقد أوطنوهـا وادِعيـن وخلَّفـوا *** محبَّهم رَهـنَ الصَّبَابـة والوَجـد

وضاقت علي الأرض حتى كأنَّهـا *** وِشاحٌ بِخَصْرٍ أو سوارٌ علـى زَنْد

إلى الله أشكو ما ألاقي من الجوَى *** وبعضُ الذي لاقيته من جوًى يُرْدي

فـراق أخـلاء وصـدُّ أحـبـة *** كأن صروف الدهر كانت على وعد

لياليَ نجني الأنس من شجر المنى *** ونقطُفُ زهر الوصل من شجر الصَّدِّ

وقلت:

مِنَ الأحْبَابِ يَاتِينَـا *** نَسِيمُ القُرْبِ وَالوَصْلِ

نُفَدِّيهِـمْ بِمُهْجَتِنَـا *** بِتَرْحَالٍ وَفـي حَـلِّ

فَحَيَّ اللَّهُ مَوْلاَنَـا *** فَتَى الإحْسَانِ والعَدْلِ

الهوامش:

[1] الفتح الرباني ص 23.

[2] الفتح الرباني ص 25.

[3] المصدر السابق ص 49.