أجرى موقع “إسلام أون لاين” حوارا هاما مع الأستاذ عبد الكريم العلمي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، حول كيفية التزود الإيماني والدعوة إلى الله في العشر الأواخر من شهر رمضان، هذا نصه:

سؤال:

فضيلة الشيخ، كل عام وأنتم بخير، وأرجو أن تساعدني في محاولتي للتوازن بين العمل في الدعوة والتزود الإيماني خصوصا مع إقبال العشر الأواخر من رمضان؟

جواب:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية طيبة ومباركة للإخوة الكرام القائمين على “إسلام أون لاين.نت”، ولكل المشاركين في هذا اللقاء الحي.

أخي سعيد، الأمران متكاملان فلا دعوة بدون زاد إيماني، ولن يكون لتزودنا الإيماني كبير جدوى إن لم نهتم بأمر أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكل ذلك -زادا ودعوة- غايتنا فيه الله سبحانه تعالى والدار الآخرة.

وعليه فلا بد أن يحرص المؤمن على وضع برنامج ينظم فيه ما يقطعه على نفسه من عبادات وقربات وما يخصصه لأمر الدعوة، بحيث يسعى إلى التوازن بين الأمرين؛ فقد لا يكون لكلامه عند الناس قبول إن لم يصدر من قلب ممتلئ بما يرضي الله سبحانه تعالى مطهر من كل ما سواه.

ولا بأس من الإشارة هنا إلى أن قرباتنا ونوافلنا وعبادتنا عامة ينبغي ألا نجعلها سببا للتزلف والتقرب إلى الناس ونيل الحظوة عندهم، بل الغاية الله تعالى. وهذا الأمر ينبغي أن يكون مصاحبا لنا دائما قبل الدعوة ونحن نسأل الله أن يجعلنا سببا لهداية خلقه، وأن يوفق عباده للصراط المستقيم.

كما ينبغي أن تكون هذه النية معنا في أثناء حديثنا مع الناس وعظا أو خطابة أو لقاء ثنائيا.. وأن يبقى هذا الأمر بعد كل هذه الأعمال استغفارا وطلبا من المولى القبول.

أما في العشر الأواخر فهدي الحبيب صلى الله عليه وسلم هو الاعتكاف إن تيسر للمؤمن ذلك، وما أعظمها فرصة لأخذ زاد المسير إلى الله وزاد الدعوة إليه سبحانه، وإن تيسر أن يكون ذلك في المسجد فهي فرصة للتزود وللدعوة بالحال والخلق الحسن.

سؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الأستاذ عبد الكريم منذ 7 سنوات وأنا أواظب على الاعتكاف في العشر الأواخر، غير أن هذا الشهر لم أستطع التوفيق حتى في صلاة التراويح. كيف يمكن أن نعوض حتى لا نحرم من خيرات هذه العشر الأواخر؟ وجزاكم الله خيرا.

جواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي ابن ياسين، تقبل الله ما مضى وعوضك الله خيرا هذه السنة.

لنتذكر أخي أن كل ما نقوم به -إذا صلحت النية وخلصت لله- عبادة؛ فالعمل والسعي من أجلّ العبادات إن كانت النية فيها الله تعالى. ولنتذكر قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: “إن من الذنوب ما لا يكفر إلا بالسعي على العيال”، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

والأحاديث في الإنفاق على الأهل والسعي عليهم كثيرة وأجر ذلك عند الله عظيم؛ إذن فنحن في عبادة في معاملنا ووظائفنا ومهننا؛ فعبد الله مع الله حيثما كان إن صلح قلبه وتشوف إلى المعالي: “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين”.

هذا المبدأ، ولكن حتى نخرج من حيز الأماني إلى رحال العمل لا بد مع العمل من الاجتهاد خاصة في هذه الأيام المباركات من العشر الأواخر؛ فقد ثبت في الصحيح عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم “كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره”.

وفي حالتك أخي -وفي كل الحالات- ادخل من باب الذل والانكسار والحزن على ما يفوت من خير فهو أعظم باب مع بذل الوسع.

سؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وإخوانه وحزبه.

سيدي الجليل وأستاذنا الفاضل، حفظكم الله وجعلكم للخير والهدى منارا، وأكثر من أمثالكم.

شيخنا المرشد الجليل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نحن في مثل هذه الديار المعزولة التي في الحقيقة نحن فيها غرباء وسط الغرباء -من غير إطالة عليكم- كيف يمكن للمسلم في هذه الديار استثمار هذه العشر الأواخر من شهر رمضان في جو إيماني روحاني يكون أولا خير الزاد لأنفسنا ويعود بالنفع والخير على إخواننا المقيمين معنا هنا؟

أما الأمر الثاني فإننا في الحقيقة نريد أن نكون سببا في هداية الناس، ولكنه نادرا ما يتحقق التأثير؛ وهو ما يدفعنا أحيانا إلى الملل، وذلك لعدم ظهور النتائج. والمطلوب أن ترشدونا إلى تعامل سديد ومؤثر في الناس مراعيا وضعيتهم في هذه الديار وخصوصية الإقبال على الماديات؟

سيدي الكريم، بارك الله فيكم، وجزاكم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء، ولا تنسونا من خالص دعائكم.

جواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قواكم الله أخي التيجاني وكان لكم ومعكم في تلك الديار.

أما عن استثمار هذه الأيام المباركات من شهر رمضان بين المسلمين في ديار الغربة كما سميتها فهي مناسبة مباركة لتعميق أواصر المحبة والتآزر بين المؤمنين. وعمليا كم يكون جميلا أن ينظم المسلمون فيما يتيحه الله عز وجل من مساجد إفطارات جماعية عامة هدفها تلاقي المسلمين وتجالسهم في الله تعالى وتزاورهم في الله تعالى وتحابهم في الله تعالى، ثم إعانة الشباب من الطلبة والعمال وغيرهم ممن لا يجد الوقت والجهد لإعداد ما يستوجبه رمضان.

وفي هذه العشر الأواخر حبذا لو ينظم المسلمون في مدنهم والأحياء التي تتوفر فيها المساجد اعتكافات تكون بركتها عظيمة عليهم وعلى عامة المسلمين في تلك الديار، ويبقى نورها ساريا إن شاء الله لما بعد رمضان.

ولمن لا يتيسر له ذلك فلا بأس من الاجتهاد الثنائي والجماعي خارج الاعتكاف بالمسجد، بالتزاور والتناصح والتجالس في الله.

أما بخصوص الدعوة وما ذكرت من عدم التأثير في الناس وما يعقب ذلك من ملل، فهذا مما ينبغي التنبه إليه. فنحن مطالبون ومسئولون عن العمل وليس عن النتائج.

نعم من باب العمل الإحسان في الدعوة، وتأكد أخي الكريم أنه لا يمكن أن ندعو الناس ولن يكون لدعوتنا تأثير إن لم ندع أنفسنا أولا، بالاستقامة على الفرائض كما أمر الله عز وجل استقامة لا هوادة فيها والتقرب إلى الله عز وجل بالنوافل التي يحب سبحانه من تزلف إليه بها، ففاقد الشيء لا يعطيه ولا بركة في كلمة تصدر من قلب غير صادق لم يجتهد صاحبه في صلاحه وإصلاحه.

ثم بعد ذلك لا بد من الاهتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة؛ فلما أرسل عليه الصلاة والسلام الصحابة رضوان الله عليهم قال: “يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا”، وفي رواية :”يسرا ولا تعسرا” فالرحمة والرفق والبشارة والتيسير عناوين عظمى وشعارات ومشاعر ينبغي أن تكون حادي الدعوة وباعثها، خاصة في تلك الديار التي وصفتها.

ولا يكفي أن نقول الكلمة من حين لآخر ونمشي، فلا بد من المتابعة والتفقد والرعاية والاحتضان، وفي كل ذلك يكون القلب متشوفا إلى: “لأن يهدي الله على يدك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس”، وسبحان الله كيف جعل الله عز وجل الدعوة إليه سابقة على العمل الشخصي: “ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا”.

سؤال:

شيخنا الكريم، السلام عليكم ورحمة الله، بفضل الله تعالى عملنا مع مجموعة من الشباب منذ بداية شهر رمضان، وقد ارتبطوا بنا جيدا حتى الآن، ونحس أنهم مقبلون على الطاعة والخير إقبالا جيدا، كيف نوظف العشر الأواخر من رمضان لتتويج جهدنا معهم؟

جواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تقبل الله أخي محمد.

الدعوة في رمضان ينبغي أن تكون لما بعد رمضان، حتى لا ينقطع الخير ولا يكسل من يسر له الله أسباب الهداية بتصفيد الشياطين في رمضان، ومن هذا الاستعداد لمقبلات الأيام والشهور هذا الذي ذكرته أخي من استثمار وتوظيف العشر الأواخر في احتضان ورعاية هؤلاء الشباب.

فإن تيسر أن يعتكف هؤلاء الإخوة في مسجد وفق برنامج مدروس حسبما يستطيعون وما تلمسه منهم من استعداد، فسيكون الأمر جميلا.

سؤال:

ما الأمور التي ترى فضيلتكم ضرورة التركيز عليها مع المدعوين في أثناء الاعتكاف؟

جواب:

لا بد من التركيز على أساس الأمر وهو ما أوجبه الله عز وجل من فرائض، ولا بد من أن نعلم هؤلاء المدعوين الوضوء والطهارة والصلاة على سنة النبي المجتبى صلى الله عليه وسلم، ولا يكون تعليمنا سطحيا حرفيا جافا، بل لا بد أن نربطهم برسول الله صلى الله عليه وسلم محبة واتباعا واقتداء.

ثم هذه فرصة مباركة ليتعلموا أن جوهر الدين ولبه هو طهارة القلب، ويوضع لهم برنامج لهذا الأمر من إكثار من تلاوة كتاب الله عز وجل وذكر الكلمة الطيبة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مع التوجيه إلى أن الأمر لا يقتصر على الجوارح بل السر في عمل القلب؛ فكما قرر ذلك الصالحون من هذه الأمة: “ذرة من عمل القلب تزن الجبال من عمل الجوارح”، وهذا العلم وهذه النية الحسنى لا تأتي من الكتب ولا من الوعظ والخطابة، بل لا بد فيهما من صحبة عارف بالله يدل على الله ويعلم النية الحسنة فيما نأتي وما نذر.

ومما لا بأس به إن تيسر ذلك أن تعطى لهؤلاء المؤمنين المدعوين الفرصة للتعبير عما يخالجهم وللتعريف بأنفسهم حتى تتمتن أواصر المحبة بين المعتكفين، وحتى يكون ذلك سببا يسهل الدعاء لبعضنا البعض. وفقكم الله تعالى وبارك في جهودكم.

سؤال:

السلام عليكم، كيف يمكن خلق جو الإيمان في البيت خلال العشر الأواخر من رمضان، علما أن لي بنتا صغيرة لا يمكن اصطحابها للمسجد؟

جواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لك في أمهات المؤمنين والصحابيات رضوان الله عليهن جميعا الأسوة. فكن يجتهدن في العشر الأواخر اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وعملا بوصاياه ما لا يجتهدن في غيرها.

فبيتك مسجد إن شاء الله، اكلفي من الأعمال ما تطيقين وابذلي الوسع في تلاوة كتاب الله عز وجل والقيام به وحفظه وذكر الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم، في توازن مع أشغال البيت وهموم تربية الأبناء.

فحسن تبعل المؤمنة من أعظم القربات لله سبحانه وتعالى، خاصة إذا صحب هذا الاشتغال عبادة أخرى، كأن تستمع المؤمنة لكتاب الله مسجلا، وتردد الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الله في مطبخها وفي كل شغلها…

سؤال:

أستاذنا الفاضل، للعشر الأواخر أهمية خاصة باعتبار أجرها وخصوصياتها المعروفة، وسؤالي هو عن البرامج التي تنصحون المساجد والقائمين عليها أن يقوموا بها حتى توظف هذه الليالي خير توظيف، خاصة أننا يمكننا أن نحيي فيها قلوب الكثير ممن غفل وتكاسل عن الالتزام؟

جواب:

سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه العشر كما هو معلوم الاعتكاف؛ ففي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك الاعتكاف حتى قبض. بل كانت نيته صلى الله عليه وسلم أن يعتكف عشرين يوما لو بقي للسنة التي تلت وفاته صلى الله عليه وسلم.

فما أعظم إحياء هذه السنة؛ ففي ذلك بعض لإحياء الأمة؛ فالقائمون -كما سالت أخي- على المساجد مهمتهم أن ييسروا على المؤمنين هذه السنة بل أن يعينوهم وأن يقدموا كل ما يلزم لتتنور بيوت الله عز وجل باعتكاف القلوب على الله عز وجل، وبذلك تسري أنوار العشر الأواخر على الأيام والأسابيع والشهور التاليات.

ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، فيفسح المجال لمجالس الذكر والتلاوة والحفظ وتدارس كتاب الله وقراءة السيرة العطرة وما ينفع المؤمنين زاد إيمانيا وتفقها في الدين.

سؤال:

السلام عليكم، كيف نقضي على الكسل لقيام الليل في العشر الأواخر لرمضان؟

جواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أولا لا بد من معرفة فضائل الأعمال؛ فهي مدخل للعمل، بمعنى أن تأخذ المؤمنة كتابا من كتب الحديث أو الفقه حتى ترى هديه صلى الله عليه وسلم وهدي الصحابة والصالحين رضوان الله عليهم في هذا الشأن حتى تسمو الهمة وترتفع.

ثم لا بد من الدعاء والتضرع لله عز وجل حتى يرفع عنا الكسل، فكما أخبر سيدنا أنس رضي الله عنه أنه كثيرا ما كان يسمع رسول الله عليه الصلاة والسلام يردد في اليوم: “اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل…” الحديث.

والهم والدعاء لا يكفيان إذا لم تضع المؤمنة برنامجا مضبوطا متوكلة فيه على الله لا على عزمها وحولها. ثم لا بد من الاستعانة بالأسباب الطبيعية من ابتعاد عن السهر وعن الإفراط في الأكل والشرب وأخذ ما يلزم من راحة.

سؤال:

السلام عليكم سيدي ومولاي عبد الكريم، بداية أحبكم في الله، وأبلغ سلامي إلى المرشد الحبيب الأستاذ عبد السلام ياسين بالمغرب.

سؤالي هو: كيف يستغل المهاجر في بلاد غير المسلمين العشر الأواخر ولا يتأخر عن عمله ودراسته، علما أن بعض المساجد تنظم اعتكافات؟ وجزاكم الله خيرا.

جواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم لقد سبقت الإجابة عن مثل هذا السؤال. وفقكم الله ويسر أمركم.

سؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أخي في الله، ما هي الأمور التي كان يقوم بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ وكيف يمكنني أن أعوض سنة الاعتكاف؟

جواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبلت العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر، كما أخبرت بذلك أمنا عائشة رضي الله عنها وكما هو ثابت في الصحيح، والأحاديث في ذلك كثيرة كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها.

ولنأخذ المعنى من لفظ الاعتكاف، فهو لزوم الشيء مع التعظيم والتوقير، فإذن هو توجه كامل لله سبحانه تعالى وعكوف للقلب عليه سبحانه وانجماع.

ووسائل هذا العكوف وهذا الانجماع طبعا هي التقرب إلى الله سبحانه تعالى بالفرض والإكثار من النفل، فلا يتحقق هذا بالأماني فقط ولكن لا بد من الجد والتشمير.

أما إذا حالت الحوائل عن هذه السنة العظيمة فلا بأس من الاجتهاد بالإكثار من تلاوة كتاب الله عز وجل والذكر والصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام وكل أعمال البر مع مراعاة عمل القلب في كل ذلك، وعكوفه على مولاه عز وجل.

سؤال:

السلام عليكم، من فضلكم أين تتجلى أهمية الصحبة في الاعتكاف؟

جواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لا بد أن نوضح بداية المقصود بالصحبة، فتعاون المؤمنين فيما بينهم وتصاحبهم في الله وتحابهم أمر جميل ييسر الله به عز وجل شد الأزر والتعاون على البر والتقوى.

ولكن المقصود بالصحبة كما سبقت الإشارة في سؤال سابق هو صحبة العارف بالله عز وجل، وهنا لا تقتصر أهمية الصحبة كما ورد في السؤال على الاعتكاف بل هذا الأمر العظيم يشمل الحياة كلها بل يشمل الدنيا والآخرة.

فكما قال عليه الصلاة والسلام: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”؛ فأنت على دين خليلك في الاعتكاف وفي كل حياتك وحالاتك؛ فصحبة المحسن العارف بالله الدال على الله نور تتغذى به القلوب والأرواح، محبة واتباعا وائتمارا وطاعة.

فأوثق عرى الإيمان كما أخبر بذلك سيد ولد عدنان عليه الصلاة والسلام الحب في الله والبغض في الله، و”ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يحب الله ورسوله وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار”.

والعودة إلى الحديث القدسي الصحيح الذي سبق التلميح إليه عند الحديث عن الفرض والنفل خير موضح لهذه المعاني، قال عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الإمام البخاري وفيما يرويه صلى الله عليه وسلم عن ربه: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب” فكيف إذا أحببت الولي في الله؟ فأبشر بالقرب.

سؤال:

السلام عليكم ورحمة الله أستاذنا الكريم، كيف نستفيد من صحبة الأخ المرشد في هده الأيام المباركة؟ نسألكم الدعاء.

جواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، تسال أخي عن الاستفادة من صحبة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في هذه الأيام، وأعيد ما قلته من قبل بأن أمر صحبة العارف بالله الدال على الله -نسأل الله أن ينفعنا بصحبته في الدنيا والآخرة- لا تقتصر على أيام معدودات مهما كان فضلها بل الأمر ممتد وشامل للحياة كلها.

وللجواب تحديدا على سؤالك من بين ما نستفيد به من صحبة الأستاذ المرشد هو اتباع نصائحه وتوجيهاته، فإن أعظم ما يوجه إليه في هذه العشر المباركة من هذا الشهر العظيم هو الانجماع على الله سبحانه وتعالى والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى التشتت؛ فهذه عبادة قلبية وعمل قلبي من أعظم العبادات والأعمال إن لم يكن أعظمها على الإطلاق: الانجماع على الله.

نسأل الله تعالى أن يعلمنا ويمن علينا بذلك، ثم من أكبر ما يوصي به الأستاذ المرشد خاصة في مثل هذه الاعتكافات -ويعم التوجيه عمر المؤمن كله- الإقبال القوي على حفظ كتاب الله وإتقان حفظه والاشتغال به تلاوة وتخلقا ودعوة، فما أكثر ما يردد الأستاذ المرشد أن يكون المؤمن والمؤمنة مدرسة قرآنية عبر الأجيال.

وإن تيسر للأخ السائل الاعتكاف في هذه العشر الأواخر فمما ينبغي أن ينتصح به من توجيهات الأستاذ المرشد حفظه الله خفض الجناح والذلة والتواضع للمؤمنين والحلم وهضم النفس، النفس التي هي أكبر حجاب وعقبة وعائق في السير إلى الله سبحانه وتعالى وابتغاء الآخرة والتزود للقاء الرب الكريم سبحانه. والله الموفق.

سؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى، أتقدم إلى سيادتكم بسؤالي هذا راجية منكم أن أجد حلا.. إنني أذهب إلى المسجد لصلاة التراويح وأقوم ليلا قبل الفجر بساعة أقيم للثلث الأخير من الليل لكن دون فائدة.

أتعلم سيدي الشيخ أنني أصلي التراويح والقيام في غير وعي، أي أصلي دون خشوع كالإنسان المخدر أصلي وأنا نائمة، أي واقفة للتراويح والقيام الثلث الأخير من الليل، لكن دون خشوع؛ فقلبي ميت وعقلي ميت، لا أعلم لماذا وهذه الحادثة فقط عند الصلاة أرجوكم أجيبوني هل صلاتي مقبولة؟

جواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، نسأل الله عز وجل لنا القبول جميعا وأن يتجاوز عن تقصيرنا وقصورنا.

ما تسأل عنه هذه المؤمنة يعيشه الكثير من الناس؛ فغياب الخشوع والسهو في الصلاة والشرود هذا مما يشكو منه كثير من المصلين.

فلا بد من معرفة أصل المشكل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب”، ونبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى أحد المصلين يعبث بلحيته في صلاته فقال عليه الصلاة والسلام: “لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه” فالذي يخشع من الإنسان هو هذه المضغة وعليها المعول، فلنبحث عن أسباب صلاحها، ولنقتبس من مشكاة النبوة دواءها.

وأعود للتأكيد بقوة على ما سبقت إليه الإشارة في السؤال السابق من أمر الصحبة؛ صحبة ولي لله تحيا بها القلوب، ثم الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإكثار، الإكثار.. فهي طهارة وأي طهارة للفؤاد.

وقبل ذلك وبعد ذلك البكاء والتعوذ كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ وكما علمنا أن نتعوذ: “من قلب لا يخشع وعين لا تدمع”، وعمليا لا بد من التركيز ما أمكن في أثناء الصلاة وأثناء تلاوة القرآن والبداية بمحاولة -على الأقل- معرفة ألفاظ ما نقرأ وتتبع معاني ما نتلو وما نسمع.

سؤال:

السلام عليكم إذا كنت لا أرتدي الحجاب فهل يكون صيامي مقبولا عند الله؟

جواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هما أمران ربانيان منفصلان؛ فسترة المؤمنة كما أمر الله عز وجل دين تدين به المؤمنة ربها وتتقرب إليه بما أوجب والابتعاد عما نهى عنه. ولا علاقة لذلك بقبول الصيام وعدمه.

فشروط قبول الصيام لا يندرج فيها هذا الأمر. ولعل هذا من باب التوفيق لهذه المؤمنة السائلة؛ فما يعتمل في قلبها من حزن على تركها لهذا الأمر الإلهي ولهذه الوصية النبوية العظيمة دليل على خير مستبطن ينبغي أن يصدقه العمل إن شاء الله بارتداء الزي الشرعي.

ولا بأس من التذكير أن الزي الشرعي ليس هو كل شيء في حياة المؤمنة؛ فكمال الخلق والسعي إلى كمال العلم بعد التوبة وكمالها كل ذلك ينبغي أن تسعى له المؤمنات سعيا وأن يكون مشروع العمر كله.