رجل آخر ممن صحبوا خير الورى عليه أفضل الصلاة والسلام. رجل كانت له البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، حيث قال فيه صلى الله عليه وسلم بعد أن تلا قول الله تعالى “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا” : (من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض، وقد قضى نحبه، فلينظر إلى طلحة). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اهدإ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد).

وروي عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما أن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قالوا لأعرابي جاء يسأله عمن قضى نحبه من هو وكانوا لا يجترئون على مسألته (صلى الله عليه وسلم) يوقرونه ويهابونه فسأله الأعرابي فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر فلما رآني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (أين السائل عمن قضى نحبه) قال الأعرابي أنا قال: (هذا ممن قضى نحبه).

نسبه ووصفه رضي الله عنه

هو طلحة بن عبيد الله ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي التيمي المكي أبو محمد.

قال أبو عبد الله بن منده كان رجلا آدم كثير الشعر ليس بالجعد القطط ولا بالسبط حسن الوجه إذا مشى أسرع ولا يغير شعره. وعن موسى بن طلحة قال كان أبي أبيض يضرب إلى الحمرة مربوعا، إلى القصر هو أقرب، رحب الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم القدمين، إذا التفت التفت جميعا.

صحبته وجهاده رضي الله عنه

كان طلحة بن عبيد الله يمضي مع قافلة من قوافل قريش في تجارة له إلى بلاد الشام، قال طلحة: بينما نحن في السوق، إذا راهب ينادي في الناس: هل فيكم أحد من الحرم؟ قلتُ: نعم أنا من أهل الحرم فقال: هل ظهر فيكم أحمد؟ فقلتُ: ومَن أحمد؟ فقال: ابن عبد الله بن عبد المطلب… قال طلحة: فوقعت مقالته في قلبي، فبادرت إلى مطاياي ومضيت أهوي إلى مكة، فلما بلغتها قلت لأهلي: أكان من حَدَث بعدنا في مكة؟ قالوا: نعم، قام محمد بن عبد الله، يزعم أنه نبي، وقد تبعه أبو بكر، قال طلحة: فمضيت إلى أبي بكر وقلتُ له: أحقاً ما يقال من أن محمد بن عبد الله أظهر النبوة، وأنك اتبعته؟. قال: نعم، وجعل يقص عليَّ مِن خبره، ويرغبني في الدخول معه.. فمضيتُ معه إلى محمد، ثم أعلنت الشهادة أمامه، وبشرني بخير الدنيا والآخرة.

وقع إسلام الفتى على أهله وذويه وقوع الصاعقة… فلما يئسوا من إقناعه بالحسنى لجئوا إلى تعذيبه والتنكيل به.

ثم جعلت الأيام تمضي، وطلحة بن عبيد الله يزداد مع الأيام اكتمالاً وبلاؤه في سبيل الله يكبر ويتعاظم، وبِّره بالمسلمين ينمو ويتسع، حتى أطلق عليه المسلمون لقب الشهيد الحي، ودعاه رسول الله بطلحة الخير وطلحة الجود، وطلحة الفياض.

أما قصة تلقيبه بالشهيد الحي: فكانت يوم أحد حين انهزم المسلمون ولم يبق مع رسول الله سوى أحد عشر رجلاً، وكان طلحة من بينهم.

وكان النبي عليه الصلاة والسلام يصعد هو ومن معه في الجبل فلحقت به عُصبة من المشركين تريد قتله، فقال: مَن يردُّ عنا هؤلاء وهو رفيقي في الجنة؟ فقال طلحة: أنا. فقال رسول الله: لا.. مكانك فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله. قال: نعم فقاتل الأنصاري حتى قُتل، ثم صعد رسول الله بمن معه فلحقه المشركون، فقال: ألا رجل لهؤلاء؟ قال طلحة: أنا يا رسول الله. فقال: لا مكانك. فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله. قال: نعم، ثم قاتل الأنصاري حتى قُتل. وتابع الرسول صعوده في الجبل، فلحق به المشركون، ولم يبق معه إلا طلحة، فأذن له بالقتال، فجعل يهجم على المشركين حتى يدفعهم عن رسول الله، ثم ينقلب إلى النبي فيرقى به قليلاً في الجبل، وما زال كذلك حتى صدَّهم عنه.

قال أبو بكر: كنت أنا وأبو عبيدة بعيدين عن رسول الله، فلما أقبلنا عليه نريد إسعافه، قال: اتركاني وانصرِفا إلى طلحة.

فإذا طلحة تنزف دماؤه، وفيه بضع وسبعون ضربة بسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم.

وإذا هو قد قطعت كفه، وسقط في حفرة مغشياً عليه.. فكان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول بعد ذلك: “مَن سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله”.

وروي عن عائشة وأم إسحاق بنتي طلحة قالتا جرح أبونا يوم أحد أربعا وعشرين جراحة وقع منها في رأسه شجة مربعة وقطع نساه يعني العرق وشلت إصبعه وكان سائر الجراح في جسده وغلبه الغشي (الإغماء) ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) مكسورة رباعيته مشجوج في وجهه قد علاه الغشي وطلحة محتمله يرجع به القهقرى كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب.

بهذه الصحبة وبهذا الجهاد كان لسيدنا طلحة رضي الله ذلك المقام المحمود في الآخرة حيث قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الجَنَّةِ).

طلحة الجود.. طلحة الخير

اشتهر سيدنا طلحة رضي الله عنه بجوده وسخائه. فقد روي عن موسى بن طلحة عن أبيه قال لما كان يوم أحد سماه النبي (صلى الله عليه وسلم) طلحة الخير وفي غزوة ذي العشيرة طلحة الفياض ويوم خيبر طلحة الجود.

وقال مجالد عن الشعبي عن قبيصة بن جابر قال صحبت طلحة فما رأيت أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه.

هناك العديد من المواقف التي تؤكد جوده وسخاءه رضي الله عنه. روي عن سلمة ابن الأكوع قال ابتاع طلحة بئرا بناحية الجبل ونحر جزورا فأطعم الناس فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “أنت طلحة الفياض”.

عن موسى بن طلحة عن أبيه أنه أتاه مال من حضرموت سبع مائة ألف فبات ليلته يتململ فقالت له زوجته مالك قال تفكرت منذ الليلة فقلت ما ظن رجل بربه يبيت وهذا المال في بيته قالت فأين أنت عن بعض أخلائك فإذا أصبحت فادع بجفان وقصاع فقسمه فقال لها رحمك الله إنك موفقة بنت موفق وهي أم كلثوم بنت الصديق فلما أصبح دعا بجفان فقسمها بين المهاجرين والأنصار فبعث إلى علي منها بجفنة فقالت له زوجته أبا محمد أما كان لنا في هذا المال من نصيب قال فأين كنت منذ اليوم فشأنك بما بقي قالت فكانت صرة فيها نحو ألف درهم.

جاء أعرابي إلى طلحة يسأله فتقرب إليه برحم فقال إن هذه لرحم ما سألني بها أحد قبلك إن لي أرضا قد أعطاني بها عثمان ثلاث مائة ألف فاقبضها وإن شئت بعتها من عثمان ودفعت إليك الثمن فقال الثمن فأعطاه.

وعَنْ طَلْحَةَ بنِ يَحْيَى، حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي سُعْدَى بِنْتُ عَوْفٍ المُرِّيَّةُ، قَالَتْ:

دَخَلْتُ عَلَى طَلْحَةَ يَوْماً وَهُوَ خَاثِرٌ.

فَقُلْتُ: مَا لَكَ، لَعَلَّ رَابَكَ مِنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ؟

قَالَ: لاَ وَاللهِ، وَنِعْمَ حَلِيْلَةُ المُسْلِمِ أَنْتِ، وَلَكِنْ مَالٌ عِنْدِي قَدْ غَمَّنِي.

فَقُلْتُ: مَا يَغُمُّكَ؟ عَلَيْكَ بِقَوْمِكَ.

قَالَ: يَا غُلاَمُ! ادْعُ لِي قَوْمِي، فَقَسَّمَهُ فِيْهِم.

فَسَأَلْتُ الخَازِنَ: كَمْ أَعْطَى؟

قَالَ: أَرْبَعَ مَائَةِ أَلْفٍ.

وفي إحدى الأيام باع أرضا له بثمن عال، فلما رأى المال أمامه فاضت عيناه من الدمع وقال: (إن رجلا تبيت هذه الأموال في بيته لا يدري ما يطرق من أمر، لمغرور بالله). فدعا بعض أصحابه وحملوا المال معه ومضى في الشوارع يوزعها حتى أسحر وما عنده منها درهما وكان -رضي الله عنه- من أكثر الناس برا بأهله وأقاربه، وكان يعولهم جميعا، لقد قيل: (كان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا إلا كفاه مئونته، ومئونة عياله). (وكان يزوج أياماهم، ويخدم عائلهم، ويقضي دين غارمهم). ويقول السائب بن زيد: (صحبت طلحة بن عبيد الله في السفر والحضر فما وجدت أحدا، أعم سخاء على الدرهم، والثوب، والطعام من طلحة).

هذا فيض من غيض جوده وسخائه رضي الله عنه. وقد استشهد في موقعة الجمل في سنة ست وثلاثين في جمادي الآخرة وقيل في رجب وهو ابن ثنتين وستين سنة أو نحوها وقبره بظاهر البصرة.

قال يحيى بن بكير وخليفة بن خياط وأبو نصر الكلاباذي إن الذي قتل طلحة مروان بن الحكم ولطلحة أولاد نجباء أفضلهم محمد السجاد كان شابا خيرا عابدا قانتا لله ولد في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) قتل يوم الجمل أيضا فحزن عليه علي وقال صرعه بره بأبيه.