بسم الله الرحمن الرحيم. (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش). اللهم إني غليظ فليني، وشحيح فسخني، وضعيف فقوني.

رؤيا الله عز وجل في المنام أعظم وأفخم بشارة يتلقاها المومن مع رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي نموذج للرؤية الحقيقية في الآخرة يتنعم المومنون والمومنات بالنظر إلى وجهه الكريم كما جاء في قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة).(سورة القيامة، الآية: 23) وكما جاء في أحاديث صحيحة منها قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا دخَل أهل الجنة الجنة يقول تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّضْ وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشفُ الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى. ثم تلا هذه الآية: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة).(سورة يونس، الآية: 26) أخرجه مسلم والترمذي عن صهيب الرومي.

واختلفت أمُّنا عائشة رضي الله عنها مع سيدنا عبد الله بن عباس في رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ربّه ليلة المعراج. فابن عباس حَبر الأمة وعالِمها، يتبعه في ذلك أكثر علماء السنة، يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه تلك الليلة، وتُنكر ذلك أشدَّ الإنكار أمنا عائشة ويتبعها طائفة من العلماء. وتقول لمسروق بن الأجدع: “من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب”. الحديث رواه الشيخان والترمذي.

لأولياء الله في الدنيا رؤية قلبية تسمى مشاهدة، هي عربون معجل ونموذج لرؤيته في الآخرة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين على أن الله يرى في الآخرة بالأبصار عياناً، وأن أحدا لا يراه في الدنيا بعينه. لكن يُرى في المنام، ويحصل للقلوب من المكاشفات والمشاهدات ما يناسب حالها،ومن الناس من تقوى مشاهدةُ قلبه حتى يظن أنه رأى ذلك بعينه وهو غالط. ومشاهدات القلوب تحصل بحسب إيمان العبد ومعرفته في صورة مثالية”. [1]

خالفَ المعتزلة جمهور العلماء فزعموا أن رؤية الله بالأبصار مستحيلة كما زعم ذلك الجهم بن صفوان وأتباعه المعطِّلَةُ. واستدل المعتزلة على رأيهم المخالف للحديث الصحيح ولإجماع علماء السنة بأدلة منها أن المرئيَّ بالبصر لابد أن يكون جسما وذلك في حق الله مستحيل، وأن قول الله تعالى: (لا تدركه الأبصار) (سورة الأنعام، الآية: 103) حجة حاسمة، وأن قوله لموسى: (لن تراني) (سورة الأعراف، الآية: 143) نفي يستغرق المستقبل دنيا وأخرى. وأولوا قول الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) (سورة القيامة، الآيتان: 21-22) بأنها من الانتظار لا من النظر.

رأي الإمام أحمد وأهل الحديث أن الله عز وجل يرى في الآخرة بالبصر كما جاء بذلك الحديث، وأن الكلام في الموضوع بدعة، وأن الجدل فيه مرفوض.

وندد الأشعري برأي المعتزلة، وأثبت الرؤية محتجا بالنصوص ومستظهرا بالنظر العقلي الذي يثبت أن كل موجود يمكن أن يرى، وجوده هو الشرط لا جسميته، والله عز وجل موجود.

أما المشايخ الصوفية فاتفاقهم على رؤية الله في الآخرة بالأبصار ورؤياه في المنام في الدنيا ومشاهدته القلبية إجماعي.

ويستأنس العارفون بالمأثور عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حين قال لابن الزبير وقد خطب إليه ابنته عند الكعبة: “أتحدثني عن النساء ونحن نتراأى الله في طوافنا!”. قال ابن تيمية معلقا على كلمة ابن عمر: “ذلك إنما يتعلق بالمثال العلمي المشهود”. [2]

للنظر إلى وجه الله عز وجل في الآخرة ولمشاهدته القلبية في الدنيا لذة هي أعظم النعيم وأفخمه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “كمال النعيم في الدار الآخرة به سبحانه برؤيته، وسماع كلامه، وقربه ورضوانه. لا كما يزعم من يزعم أنه لا لذة في الآخرة إلا بالمخلوق من المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح. بل اللذة والنعيم التام في حظهم من الخالق تعالى أعظمُ مما يخطر على البال أو يدور بالخيال. وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم في صحيحيهما: “وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مُضِرَّة ولا فتنة مُضِلة”. [3]

لا سبيل للدخول مع العارفين المشاهدين في تجلياتهم لمن لم تصف مرآته. فلا يبقى بيدنا إلا أن نستمتع بمشهد النظر في الآخرة كما رواه الشاهد الصادق صلى الله عليه وسلم، ثم نستمع لشهادة العارفين، فنقيسُ ونسأل الله أن يلحقنا بالصالحين دنيا وأخرى.

روى أبو يعلى باختصار بإسناد رجاله رجال الصحيح، وروى الدارقطني بإسناد رجاله ثقات عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المشهد الجليل، قال صلى الله عليه وسلم: “أتاني جبريل عليه السلام وفي كفه مثل المرآة البيضاء يَحملها، فيها كالنُّكتَةِ السوداء. فقلت: ما هذه التي في يدك يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة. قلت وما الجمعة؟ قال: لكم فيها خير. قلت: وما يكون لنا فيها؟ قال: تكون عيدا لك ولقومك من بعدك، وتكون اليهود والنصارى تبعاً لكم. قلت: وما لنا فيها؟ قال: لكم فيها ساعةٌ لا يسأل اللهَ عبدُه فيها شيئا هو له قَسْمٌ إلا أعطاه إياه، وليس له بقَسْمٍ إلا ادُّخِر له في آخرته ما هو أعظمُ منه. قلت: ما هذه النكتة التي فيها؟ قال: هي الساعة، ونحن ندعوه يوم المزيد. قلت: وما ذاك يا جبريل؟ قال: إن ربك أعد في الجنة واديا فيه كُثبانٌ من مسك أبيض. فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين عز وجل على كرسيه، فيحُف الكرسيَّ بكراسيَّ من نور، فيجيء النبيئون حتى يجلسوا على تلك الكراسي، ويحف الكرسيَّ بمنابر من نور ومن ذهب مكلَّلة بالجوهر، ثم يجيء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا على تلك المنابر، ثم ينزل أهل الغُرف من غرفهم حتى يجلسوا على تلك الكثبان.

“ثم يتجلى لهم عز وجل فيقول: أنا الذي صَدَقْتُكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي! وهذا محل كرامتي فسلوني!

“فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، فيفتح لهم في ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وذلك مقدار مُنْصَرَفِكُمْ من الجمعة. ثم يرتفع على كرسيه عز وجل، وترتفع معه النبيئون والصديقون والشهداء. ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم، وهي لؤلؤة بيضاء، وزُمُرُّدَة خضراء، وياقوتة حمراء، غرفها وأبوابُها منها. وأنهارها مطَّرِدَةٌ فيها. وأزواجها وخدّامها. وثمارها متدلياتٌ فيها.

“فليسوا إلى شيء بأحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا منه نظرا إلى ربهم عز وجل ويزدادوا منه كرامة”.

هذه بُحبوبة النعيم، يوم يدعى أحباب الله إلى كثبان النظر ومنابره وكراسيه. يومئذ تظهر فضيلة الصديقية والشهادة، جنبا إلى جنب يصطف الصديقون والشهداء مع النبيئين والمرسلين. طوبى لمن قسم الله لهم الحسنى وزيارة! اللهم اجعلنا منهم كرما ومنا.

نعيم لا يوصف قَرَّبَتْهُ لمداركنا الدنيوية تحبيبا وتشويقا ترجمةُ القوى الأمين جبريل عليه السلام في حواره المربي لنا مع عروس ذلك المشهد تاج النبيئين محمد صلى الله عليه وسلم. وللأولياء منذ هذه الدار، كلٌّ بحسب مقامه، ذوق قلبي لذلك النعيم الفخيم.

من الأولياء من يتجلى الله عز وجل لقلبه في الصور الحسية والمثالية المدركة، ومنهم من يتجلى لهم في المعنى الذي لا يدركه الحس ولا الخيال، ومنهم من يشهده به سبحانه لا بنفسه. وهذه هي المرتبة العظمى. مراتب ثلاث: علم اليقين، ثم عين اليقين، ثم حق اليقين.

قال الإمام أحمد السرهندي مجدد الطريقة، ومحيي الملة في ربوع الهند على رأس الألف الهجرية: “التجليات الكائنة في الصور الحسية والمثالية، وكذلك التجليات الكائنة في حجب الأنوار، داخلة في علم اليقين في أيِّ صورة كانت، وأيِّ نور كان. وسواء كان النور مكيفا أو ملونا أو متناهيا أو لا، محيطا كان بالكائنات أو لا. (…)

“وعين اليقين عبارة عن شهود الحق سبحانه بعد أن كان معلوما بالعلم اليقين. وهذا الشهود مستلزِم لفناء السالك. وعند غلبة الشهود يكون تعيُّنه متلاشيا بالكلية، ولا يبقى أثر منه في عين شهوده، ويكون فانيا ومُسْتَهْلَكا في الشهود (…)

“وحق اليقين عبارة عن شهوده سبحانه بعد ارتفاع التعيُّن، واضمحلال المتعيِّن. وشهوده هذا للحق بالحق سبحانه لا به. لا يحمل عطايا الملك إلا مطاياه! وذلك يُتصور في البقاء بالله الذي هو مقام “بي يسمع وبي يبصر” الذي يَهَبُ الحق سبحانه فيه للسالك وجودا من عنده بمحض عنايته بعد تحققه بالفناء المطلق الذي هو الفناء في ذاته وصفاته سبحانه وتعالى. ويُخرجه من السكر والغيبة إلى الصحو والإفاقة. ويقال لهذا الوجود “الوجود الموهوب الحقاني””. [4]

قلت مع الإمام الرباني: ما للتراب ورب الأرباب! إلا أن يجودَ على عبده، في سابقة علمه، بالوعد المُنجز أن يكلمه ويجمله ويتقبله مع الذين أنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ذلك الفضل من الله. وكفى بالله عليما.

لكن هذا المخلوقَ الترابيَّ منه ما لا يتحرك إن سمع بأن الفرسان اشتدت في الطلب في ميدانٍ رهانُه فضلُ الله، وكرامة الله، وولاية الله.علامة خسران التراب الخاسر أن لا تحدثه نفسه ساعة من عمره أن ينهض ليتكفف من ربه عز وجل بالذلة والضراعة والرغبة والإرادة والصحبة والذكر والصبر والطاعة والاستقامة على الكتاب والسنة ميلادا جديدا، ووجودا موهوبا، وقلبا منوّرا، وكرسيا من تلك الكراسي ومنبراً.

قال الإمام عبد القادر قدس الله سره: “قيل لبعض الصالحين. هل رأيت ربَّك؟ فقال لو لم أره لتقطعتُ مكاني! إن قال قائل كيف تراه؟ فأقول: إذا خرج الخلق من قلب العبد، ولم يبق فيه سوى الحق عز وجل، يريه ويقربه كما يشاء. يُريه باطنا كما أرى غيره ظاهرا. يريه كما أرى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم نفسَهُ ليلةَ المعراج.كما يُرِي هذا العبد نفسه. ويقربه ويحدثه مناما. فقد يحدث قلبه يقظة. يغمض عيني وجوده (قلت: ويعطيه الوجود الموهوب).

“ويعطيه معنى آخر فيراه به. يرى قربه. يرى صفاته. يرى كراماته وفضله وإحسانه واللطف به. يرى بره وكَنَفَه.

“من تحققت عبوديته ومعرفته لا يقول أرني ولا تُرني! ولا أعطني ولا تعطني! يصير فانيا مُسْتَغْرَقاً. ولهذا كان يقول بعض من وصل إلى هذا المقام: إيشْ عليَّ مني! ما أحسن ما قال! (معنى قوله): أنا عبده، وليس للعبد مع سيده اختيار ولا إرادة.

“اشترى رجل مملوكا. وكان ذلك المملوك من أهل الدين والصلاح. قال له: يا مملوك إيش تريد أن تأكل؟ فقال: ما تطعمني! فقال له: ما الذي تريد أن تلبس؟ فقال: ما تُلْبسني! فقال له :أين تريد تقعد من داري؟ فقال: موضعَ ما تريد تُقْعِدُني! فقال: ما الذي تحب أن تعمل من الأشغال؟ فقال: ما تامرني! فبكى الرجل وقال: طوبى لي لو كنت مع ربي عز وجل كما أنت معي! فقال له المملوك: يا سيدي! وهل للعبد مع سيده إرادة أو اختيار! فقال له: أنت حر لوجه الله. وأريد أن تقعد عندي حتى أخدمك بنفسي ومالي.

“كل من عرف الله عز وجل لا يبقى له إرادة ولا اختيار، ويقول: إيش عليَّ مني! لا تزاحم القدر في أموره ولا في أمور غيره. آحاد أفراد من عباد الله عز وجل يزهدون في الخلق، ويستأنسون بالخلوات. يستأنسون بتلاوة القرآن، وبقراءة كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. فلا جرم تصير لهم قلوب مستأنسة بالحق، قريبة منه يرون بها نفوسهم ونفوس غيرهم. تصح قلوبهم فلا يخفى عليهم شيء مما أنتم عليه. يتكلمون على خواطركم، ويخبرونكم بما في بيوتكم.

“ويحك! كن عاقلا! لا تزاحم القوم بجهلك! بعدُ ما خرجت من الكُتَّاب صعدت تتكلم على الناس! هذا أمر يحتاج إلى إحكام الظاهر وإحكام الباطن. ثم الغنى عن الكل. ثم يحتاج أن تقع في ضرورتين: الأولى أن لا يبقى في بلدتك غيرُك فتتكلم على الناس ضرورةً، والأخرى أن تُؤْمر بالكلام من حيث قلبُك، فحينئذ ترقى إلى هذا المقام لترد الخلق إلى الخالق.

“ويلك! تدعي أنك صوفي وأنت كَدِر! الصوفي من صفا ظاهره وباطنه بمتابعة كتاب الله عز وجل وسنة رسوله. فكلما ازداد صفاؤه خرج من بحر وجوده، ويترك إرادته واختياره ومشيئته من صفاء قلب. أساس الخير متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وفعله. كلما صفا قلب العبد رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بشيء وينهاه عن شيء. يصير كله قلبا وتنعزل بِنْيته. يصير سرّا بلا جَهر، صفاءً بلا كدر. يتنحى عنه قِشْر ظاهره إلى ناحية، ويبقى لبا بلا قشر. يصير مع النبي صلى الله عليه وسلم من حيث معناه. يتربى قلبه معه وبين يديه. يصير يدُه في يده”. [5]

قلت: إن ترك الاختيار والإرادة علامة نزول السكينة على من صفا قلبه. أما قبل أن تعرف ما اسمك في الملكوت الأعلى فما أقعدك عن الطلب وعن الاستماتة فيه، وعن هجر الرقاد والتقزز من الحياة!

أنشد حائر في معرفة ربه عز وجل، قال: أجيروني فإني قد وَحَلـتُ *** وفي نفي وإثبات حصلـتُ

أنزه خالقي عن ذا وعن ذا *** وأعرفه وليسَ كمن جهلت

وقال واصل يتملّى قلبُه جمال التجلي الإلهي:يا قلب بشراك أيام الرضى رجعـت *** وهذه الدار بالأحبـاب قَـد جَمَعَـتْ

أمـا ترى نفحات الحي قـد طلعـت *** أنفاسُها وبروق القُرب قـد لمعـت

فعش هنيّـاً بوصلٍ غيـرِ منفصـل *** معْ من تحب وحُجْب الهجر قد رُفِعَتْ

وانظر جمال الذي من أجل رؤيتـه *** قلـوب عشاقه في حبـه انصدعـت

وقلت:يَــا قَلبِ بُشْرَى فالَّـذِي *** تَرْجُوه جَادَ بِهِ العَطَـاءْ

ذََهَبَ الظَّـلاَمُ وَنَـوَّرَتْ *** جَنَبَاتُ أَرْبُعِنَـا الضِّيـاءْ

وَمَضَتْ بُـروقُ القُـرْب *** فَالعِرْفَانُ جا والفَتْحُ جَاءْ

الهوامش:

[1] الفتاوي ج 2 ص 336-337.

[2] الفتاوي ج 5 ص 251.

[3] طريق الهجرتين ص 71.

[4] مكتوبات الإمام الرباني ج 1 ص 300-301.

[5] الفتح الرباني ص 254.