كان عصر المعصوم صلى الله عليه وسلم عصر نزول الوحي هاديا ومرشدا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو الناطق باسم الشريعة والمبين لأحكامها، والمنفذ لأوامرها ونواهيها، إذ هو “المفتي الأعلم والقاضي الأحكم والإمام الأعظم”(1)، كان مجموعا معصوما يشع بنور النبوة على المسلمين فيزكيهم، ويبسط بقوله وعمله ما جاء به الوحي، معلما لصحابته رضوان الله عليهم الحكم والمقاصد، ومغيرا الطبائع والعوائد لتكون وفق قصد الشارع وحكمته.

لقد اختلف علماؤنا في وقوع الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم(2)، وفي جواز تعبده به، ولكنهم اتفقوا على أنه أجازه صلى الله عليه وسلم لأمته، ومهد لأصحابه سبيل القياس على الأصول المنصوص عليها في الشرع، وعلمهم التشاور في البحث عن الأحكام، ورتب لهم الأدلة: الكتاب أولا، ثم السنة، ثم الاجتهاد دون تقصير كما أقر على ذلك معاذ بن جبل رضي الله عنه لما أرسله قاضيا إلى اليمن(3). فورث الصحابة من المعصوم صلى الله عليه وسلم ذلك المجموع من الإيمان والعلم بالقرآن تفسيره وأحكامه ومقاصده، فكان منهم القضاة والمُفتون والأمراء فضلا عن كمالهم في التربية، حيث أخذوا من مقاصد الشريعة وجوامع الكلم بحظ وافر.

كان فقههم فقها جامعا تتكامل فيه الأدلة والنصوص وتتعاضد فيه القضايا وتتناسق لتحقق حكم الشرع ومقاصده.

فكان أعرفهم بمقاصد الشرع الخلفاء الراشدون منهم الشيخان، أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، حيث سايرا مستجدات المسلمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم باستنباط الأحكام وتنزيلها وفق مراد الشرع.

فهذا الفاروق رضي الله عنه يشير على أبي بكر رضي الله عنه بجمع القرآن حفظا للدين، ويمنع حذيفة من الزواج بالكتابية سدا لباب الفتنة على المسلمات، ويحجم عن تنفيذ حد السارق عام المجاعة حفظا للمهج والأنفس … وإلى غير ذلك من الاجتهادات المقاصدية التي جعلت المسلمين ينضبطون، ويستقيمون لأمرها دون حرج ولا مشقة، وبذلك تحقق العدل واقتنص الناس مصالحهم على طريق السواء في ظلال الوحي ومقاصده.

هكذا عرف الصحابة مقاصد الشريعة “فحصلوها، وأسسوا قواعدها وأصلوها، وجالت أفكارهم في آياتها، وأعملوا الجد في تحقيق مبادئها وغاياتها، وعنوا بعد ذلك باطراح الآمال، وشفعوا العلم بإصلاح الأعمال، وسابقوا إلى الخيرات فسبقوا، وسارعوا إلى الصالحات فما لحقوا، إلى أن طلع في آفاق بصائرهم شمس الفرقان، وأشرق في قلوبهم نور الإيقان، فظهرت ينابيع الحكم منها على اللسان، فهم أهل الإسلام والإيمان والإحسان، وكيف لا وقد كانوا أول من قرع ذلك الباب، فصاروا خاصة الخاصة ولباب اللباب، ونجوما يهتدي بأنوارهم أولوا الألباب، رضي الله عنهم وعن الذين خلفوهم للمقتدين وأسوة للمهتدين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين”(4).

وعلى محجة الصحب الكرام سار التابعون والأئمة المجتهدون وأخذوا العلم مجموعه، وامتلكوا أصول الفقه ناصيته، فكانوا أهل جمع، وكان تخصصهم غير مناف لجمعهم. وفي كل ذلك كان  عند الفقهاء منهم- تنزيل الشريعة على الواقع متساوقا ومسايرا لاجتهاد استنباط الأحكام المجردة، فكما ورثوا علم فهم النصوص ورثوا علم تنزيلها، فتشكلت المذاهب الفقهية المشهود لها بالسداد، فجمع فيها الأئمة بين أصول الاستنباط وقواعد التنزيل، فكان الرجال المؤسسون  رحمهم الله- أهل مقاصد، لذلك تلقيت طريقتهم في الفقه لدى الأمة بالقبول، وتمكنت من مطاوعة سلوك المسلمين وفقها.

وعلى نهج الأئمة المجتهدين سار التلامذة النجباء، فخرجوا الفروع على الأصول المقررة وفرعوا الفوائد على الأسس المحررة.

إلا أنه نظرا لما دعت إليه عروة الحكم من انتقاض منذ القرن الأول، فلا تخلو هذه الفترة من نزاع بين أهل العلم، وتشتت ذلك المجموع الموروث نسبيا، فظهر الجدال بين أهل الحديث وأهل الرأي على مستوى فهم النصوص الشرعية والاستنباط منها، وتنازع الفريقان وتجلت التأثيرات الأولى لانخرام الخلافة، فظهر الانفصام العلمي بين التخصصات، وغاب الوصل والربط، فتمسك أهل الحديث بظواهر النصوص وأهملوا المعاني والمصالح، وتمسك أهل الرأي بالمصالح مغيبين دلالات الألفاظ ومقتضياتها، واستمر الوضع على هذا الحال حتى قيض الله لهذه الأمة الإمام الشافعي المطلبي (ت204هـ)، فتنبه لخطورة الأمر، فألف الرسالة فجمع ما كان قد تفرق، ونسق ما كان قد تشتت واختلط، فلذلك اعتبره الأئمة  من بعده- مجدد القرن الثاني.

شكلت رسالة الشافعي المدونة التأسيسية للاجتهاد الاستنباطي، فصححت قواعد الفهم، وسارت على طريقة البيان الجامع بين مقتضيات الألفاظ العربية والمعاني القياسية.

وجاء من بعد الشافعي أفذاذ من العلماء ساروا على النهج نفسه، وربطوا بين الألفاظ والمصالح، وجمعوا بين الاستنباط والتنزيل  وإن كان للاستنباط غلبة على التنزيل- وسلكوا طريق التوفيق، فكان على رأس هؤلاء العلماء الأجلاء أبو المعالي الجويني (ت478هـ) وأبو حامد الغزالي (ت505هـ)، وغيرهما ممن تبعوا أعمال الشافعي بالشرح والتوضيح والتقعيد والتفريع … فألفوا النفائس من الكتب كالبرهان والمستصقى والغياثي والإحياء …

لكن بالرغم من هذه الجهود العلمية المضنية من أجل إعادة “إحياء علوم الدين” ومقاصده، لم تكن لتستمر بفعل آثار الانكسار التاريخي الذي أصاب في وقت مبكر مؤسسة الخلافة الحامية للعلم  المجموع، فسرعان ما سادت روح التجزيء والتقليد، وأقفل باب الاجتهاد عندما قصرت مؤهلات طلاب العلم عن “الرتبة”، وخيف على مراسيم الشريعة من الاختلاط، فأفتى الفقهاء من سائر المذاهب بأنه لا يقبل أي اجتهاد بعد القرن الرابع، فكان ذلك منهم علاجا وقائيا من تسرب أهل الأهواء والمتطفلين إلى ميدان الاستنباط ولا سيما ديدان القراء الموالين لسلطان الجور. هكذا تجمدت الحركة الاجتهادية وآلت إلى الضمور، وضاقت الدائرة الفقهية عن استيعاب مشاكل الناس ومستجدات وقائعهم، وأصبحت غاية الفقيه المقلد شرح متن أو تلخيصه أو التخريج على أصول المذهب في أحسن الأحوال …

وهكذا دخلت الأمة في عصر انحطاط علمي امتد طويلا، وتجلت مظاهره في جملة أمور نذكر منها:

1- الانقطاع عن الأصول

2- غياب الفقه السياسي الشرعي

3- غياب فقه التنزيل المقاصدي

4- غياب الجمع وظهور التجزيء

وسنحاول إن شاء الله في هذا المقال اختصار الكلام عن هذه الأمور الأربعة:

1- الانقطاع عن الأصول

إذ كلما تعمق التقليد تعمقت الهوة بين الفقهاء والنصوص  نصوص الكتاب والسنة- لقد عكف المقلدة على كتب الأئمة السابقين بالشرح أحيانا، وبالاختصار أحيانا أخرى، وفي استدلالهم على الأحكام كانت عمدتهم في ذلك قول فقيه أو تقرير إمام سابق، حتى صار عندهم من العيب النطق بحكم شيء دون تذييله بقول أحد الأئمة بغض النظر عن نصوص الكتاب والسنة، فأصبح القول المشهور عند بعض المقلدة المالكية: “من لم يأت بنص فهو لص” والنص المقصود هنا ليس هو نص القرآن أو السنة وإنما نص أحد أئمتهم.

وهكذا أصبح التلقي عن الكتاب والسنة وفهم مقاصدها أمرا غائبا تماما في الحواضر العلمية، حيث أصبح جل المنتسبين لأهل العلم قاصرين عن رتبة الاجتهاد، منحطين عن الفهم “بإزاء القرآن والسنة” فأصبحت ألفاظ القرآن غريبة عن الفهم وإن كانت محفوظة في الصدر.

2- غياب الفقه السياسي الشرعي

انفراط عقد الخلافة وانخرام جماعة المسلمين وبروز الاستبداد السياسي هي أسباب رئيسية لانزواء أهل العلم إلى النظر في القضايا الفردية والجزئية وتغييب التفكير في مناقشة فقه السياسة الشرعية المهتم بقضايا الأمة المصيرية والجماعية.

فالملحوظ في هذا الصدد ندرة المصنفات، وانعدام التقييد والتقعيد في هذا العلم إلا بعض ما سمحت الرقابة السلطانية بخروجه إلى دائرة النور، واكتفى العلماء بالموقف الجفاعي عن حرمة الشريعة، وبالمحاولات التحصينية للتشريع من اختراق أهل السياسة المفسدين.

لذلك اعتبر بعض الباحثين أن ما قام به الشافعي من تقعيد لأصول الاستنباط هو عملية وقائية ضد فهم رجل السياسة للشريعة حسب هواه ومن ثم استغلاله لها لأجل مصالحه(5).

فلما رأى الفقهاء “أن الحكام قد انحرفوا عن نمط الخلافة الإسلامية الراشدة وعن نموذج الحكم الديني الذي تقتضيه الشريعة، جردوهم من كل نصيب من أصول الحكم الإسلامية، وأصبح الفقه قطاعا خاصا، بالرغم من أن نصوص القرآن الكريم تجعل لولاة الأمر حق الطاعة من بعد طاعة الله والرسول، ولقد سكت الفقهاء عن هذا الحق، فلا تكاد تجد له أثرا في كتب أصول الفقه وأصول الأحكام، حتى لو قرأت كتابا حديثا عن أصول فإنك لا تكاد تقع فيه على ذكر الحكومة البتة. ولو لم تكن بذلك مؤهلة لأن تطلب من المسلمين حق الطاعة، ولذلك أغفلها الفقهاء، وجردوها من حق وضع الأوامر واجبة الطاعة من المسلمين…”(6).

3- غياب فقه التنزيل المقاصدي

نقصد بهذا الفقه العلم بالقواعد والضوابط التي يتم على أساسها تنزيل الحكم الشرعي على الواقعة وفق مقاصد الشريعة.

هذا النوع من الفقه كان حاضرا في القرون الأولى على مستوى العمل، دلت على ذلك الاجتهادات المقاصدية للخلفاء الراشدين، وتنزيلات الأئمة المجتهدين للأحكام على وقائع زمانهم، إلا أنه لم يدون كباقي العلوم بقواعده، بل اكتفى الفقهاء بتدوين الأحكام المجردة في موسوعات مبوبة حسب الموضوعات الفقهية، تلح أن تكون مقررات للتدريس، عوض أن تكون مرجعا في القضاء أو الفتوى، نظرا لأن الأحكام قررت فيها على الاقتضاء الأصلي دون مراعاة خصوصيات الوقائع.

فإذا كانت قواعد الاستنباط قد دونت من قبل العلماء وعلى رأسهم الشافعي رحمه الله، وسد هذا التدوين ثغرة عظيمة كانت مظنة تجرأ أهل الأهواء على تأويل كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن غياب قواعد تنزيل الأحكام أدى ببعض الفقهاء المقلدين إلى الإفتاء من المدونات الفقهية دون النظر في الملابسات المتجددة للحوادث، كما أن البعض الآخر من المدعين للعلم بالغ في مراعاة أحوال الواقع ولو أدى ذلك إلى مخالفة مقاصد الشريعة وتعطيل أحكامها.

وآل الأمر في العصور المتأخرة إلى ظهور طائفتين كلاهما على جانب من الغلو (7):

الأولى: تحاول تنزيل الأحكام المجردة على الوقائع دون اعتبار للخصوصيات والمآلات والمناطات مما عطل تحقيق المقاصد من تشريع الأحكام.

وهذا مسلك الظاهرية قديما (8)، وعمدة الوهابيين حديثا.

أما الطائفة الثانية: تغلب اعتبار الوقائع والمصالح لدرجة يؤول فيها الحكم الشرعي إلى التعطيل في حالة مخالفته لأغراض الناس وأهوائهم، وهذا مسلك الطوفية قديما وعمدة اليسار الإسلامي (9) واللائكيين الملفقين حديثا.

وكلا المنهجين قوبل بالرفض من قبل العلماء الراسخين قديما وحديثا، وقد اشتد نكير الإمام الشاطبي (ت790هـ)  وهو يحرر علم المقاصد- على هذا النوع من الفهم غير السديد، مؤكدا أن “الشريعة جارية في التكليف بمقتضاها على الطرق الوسط الأعدل الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه”(10).

4- غياب الجمع وظهور التجزيء

شكلت القرون الثلاثة الأولى  كما سبق الذكر- نسبيا عصر جمع، لقربها من زمن النبوة، وكلما تقدم الزمان ازداد العلماء بعدا عن نموذج المجموع الذي ثله الصحابة رضوان الله عليهم، وعصور التقليد تمثل المرحلة الواضحة التي تعششت فيها عقلية التجزيء، حيث تقوقع كل تخصص على نفسه، وغاب الوصل بين العلوم الشرعية، فنشأ انفصام واضح بين العلماء جسدته النزاعات على مستوى المذاهب الفقهية، والجدالات المستمرة حول علم السلوك، والمشادات المتواصلة بين اللفظيين والمصلحيين في مجال تنزيل الشريعة…

هكذا كان عصر التقليد ببعض تجلياته ونتائجه، إلا أنه تجدر الإشارة إلى أنه رغم كل هذه السلبيات، فإن بعض العلماء الأجلاء أبانوا عن صمودهم في مواجهة هذا الانحطاط، وحاولوا الجمع في أعمالهم العلمية بين السداد في الفهم والحكمة في التنزيل، كما نادوا وحاولوا الجمع في أعمالهم العلمية بين السداد في الفهم والحكمة في التنزيل، كما نادوا بمراعاة مقاصد الشريعة وضرورة هيمنتها على سلوك المجتمع، ومن أولئك الرجال الأفذاذ: “الجويني والغزالي، والعز بن عبد السلام … إلى أن تصل إلى الشاطبي الإمام “الذي يعد مفخرة من مفاخر القرون الأخيرة”(11). فالإمام الشاطبي رحمه الله “كان واسع الأفق، بعيد المرمى، نجده يندد بالحرفية الضيقة، ويصغر شأن الذين يدخلون أنفسهم في الاجتهاد غلطا ومغالطة دون أن يشهد لهم أهل الرتبة بالاستحقاق”(12).

وتعتبر محاولة الشاطبي المحاولة المضيئة في القرون الأخيرة والتي تشبه صنيع الشافعي تماما رحمهما الله جميعا.

وقد لقيت محاولة الشافعي عناية من قبل تلامذته النجباء، نظرا لأن الأمة كانت في عنفوان حياتها، فأنجبت رجالا انكبوا على مشروعه من بعده شرحا وتفصيلا وتوضيحا وتنقيحا حتى لقي القبول من قبل المسلمين وعلى قواعده سار أهل الأصول في فهم الكتاب والسنة والاستنباط منهما.

في المقابل بقيت محاولة الشاطبي “يتيمة”، وأسندت إلى زاوية النسيان، لأن الأمة كانت تعيش آنذاك آخر أيامها على مستوى شوكتها (13)، وعلى مستوى هيمنةتعاليم الشريعة وقيوميتها.

فكان نداء الشاطبي دون استجابة. بل ووجه بسهام الاتهام بالخروج عن المذهب والإحداث في الدين، وقد أورد الشاطبي شيئا من هذه المعاناة في كتابيه القيمين “الموافقات” و”الاعتصام” وعبر عن هذا الوضع في إشارته بقلة الوراد، وبغصته التي جسدتها تمنياته للموت حتى يتخلص مما كان يعيشه من معاناة الغربة في أمة كانت بوادر الانهيار تدب فيها (14).

ولم تكن صيحة الشاطبي هذه الوحيدة في زمانه، وإنما كانت العالية والفريدة، فقد اتفقت كلمة مجموعة من العلماء على التنديد بهذه الوضعية، منهم ابن خلدون (ت808هـ)، وابن قيم الجوزية (ت751هـ) … حتى أن بعضهم ذهب إلى الحديث عن إدبار الزمان، وغلبة الشر الذي ينذر بقيام الساعة، ومن هؤلاء العلامة السيوطي (ت911هـ) في كتابه “تاريخ الخلفاء”..

هذه باختصار الحال التي آل إليها الميدان العلمي في قرون التقليد، ومن ثم أصبحت مستجدات الحياة ومشكلاتها لا تجد حلولا على يد فقهاء الشريعة مما صار يوحي بضيق الشريعة عن أن تستطيع تلبية الحاجات المستجدة بالأحكام المناسبة.

وقد كان ذلك سببا في أن يلجأ الحكام الإداريون إلى إصدار أوامر إلزامية في بعض الشؤون بدافع الحاجة، مما يوهم أن هناك فراغا تشريعيا ينبغي أن يملأ خارج فقه الشريعة.

وتخوفا من هذا المآل السيئ قد انتقد ابن القيم علماء زمانه، ووصفهم بضيق الفكر نتيجة التقليد الأعمى لأقوال المذاهب دون النظر في التماس الحلول المناسبة للمستجدات الزمانية في ظل مقاصد الشريعة التي وسعت كل شيء، مما أحوج حكام زمانهم إلى أن يظنوا أن الفقه الشرعي لا يفي بالحاجة، فصاروا يصدرون “قوانين سياسية” (15) من عند أنفسهم سواء أكانت مقبولة بالنظر الشرعي أم لا، ويحمل فقهاء زمانه مسؤولية ذلك، لأنهم بضيق أفكارهم، وقصور علمهم دفعوا الحكام إلى هذا السلوك، وكان في فقه الشريعة متسع كاف لكل حاجة حقيقية وتدبير حكيم.

فهكذا تطور الأمر إلى أن وصلنا إلى العصر الحديث، فلجأت أغلب الدول الإسلامية إلى قوانين غربية، حيث أخذت مصر في القرن الماضي بالقانون المدني الفرنسي، والسودان أجرى عليها الإنجليز المستعمرون قوانينهم في التجارة والعقود، وفي تونس والجزائر فرض الفرنسيون قوانينهم… (16).

وكانت النتيجة في عصرنا هذا، حيث لم يبق للفقه الإسلامي مجال تطبيقي في معظم البلاد الإسلامية إلا في نطاق الأحوال الشخصية، وقليل سواها، ثم لما أخذ الاستعمار الأجنبي في الانحسار في أعقاب الحرب العالمية الثانية أصبح التغيير صعبا عسيرا ولا سيما مع نشوء جيل غذاه الغزو الفكري وفقد الإحساس بهويته، وفرض “لائكية” متشددة تستبعد أحكام الشريعة من جميع المجالات الحيايتة.

وانطلاقا من كل ما سبق، لا يفوتنا في ختام هذا المقال أن نوجه النداء لكل الباحثين والدارسين الذين لديهم غيرة على الشريعة المباركة أن يبسطوا آراءهم، وأن يدلوا بدلوهم في هذا الموضوع قصد صياغة مقاربة مقاصدية لإعادة روح التشريع الإسلامي إلى الواقع، ونسأل الله التوفيق والسداد.

الهوامش:

(1) الفروق للقرافي 1/205-206، ط بدون بتاريخ، عالم الكتب، بيروت.

(2) كتاب الاجتهاد لإمام الحرمين الجويني ص 77، تحقيق عبد الحميد أبو زنيد، دار القلم دمشق.

(3) أخرج أبو داود “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث معاذا إلى اليمن قال كيف تقضي إذا عرض لك قضاء قال أقضي بكتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب الله قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي في كتاب الله قال أجتهد رأيي ولا آلو فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله” سنن أبو داود في كتاب الأقضية باب اجتهاد الرأي في القضاء رقم 3119.

(4) الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي 1/21.

(5) انظر الكتاب القيم: الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام لعبد المجيد الصغير ص 157 وما بعدها ط1 (1415هـ-1994م) دار المنتخب العربي للدراسات والنشر والتوزيع.

(6) تجديد الفكر الإسلامي، حسن الترابي ص 22-23، ط1 (1993م)، دار القرافي للنشر والتوزيع، المغرب.

(7) قال ابن القيم: “وكلا الطائفتين أتيت من قبل تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه” انظر الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص11.

(8) انظر الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، يوسف القرضاوي ص 175 وما بعدها، ط2، 1410هـ-1989م، دار القلم للنشر والتوزيع، الكويت.

(9) انظر المزيد من المعلومات على هذا الاتجاه في كتاب ظاهرة اليسار الإسلامي لمؤلفه محسن الميلي.

(10) الموافقات في أصول الشريعة للإمام الشاطبي 2/124 تحقيق الشيخ عبد الله دراز، ط دار الكتب العلمية بيروت.

(11) نظرات في الفقه والتاريخ للأستاذ عبد السلام ياسين ص 17-18.

(12) المرجع نفسه ص 84-85.

(13) كان نداء الشاطبي 100 سنة قبل سقوط غرناطة، وفي كتابيه إشارات إلى قرب الانهيار.

(14) نفسه.

(15) انظر إلى نص الانتقاد الصادر عن ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين 4/283.

(16) انظر الفقه الإسلامي ومدارسه لمؤلفه مصطفى أحمد الزرقا، ص 108 ط1، 1416 هـ 1995م، دار القلم دمشق.