بسم الله الرحمن الرحيم. (ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن. وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء). اللهم عافنا واعف عنا.

أثبت القرآن الكريم أن المومن يعقل بقلبه في مثل قوله تعالى عن الكافرين: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها).(سورة الحج، الآية: 46) وأثبت أنه يسمع السمع الفطري بما به يعقل، وهو القلب، بدليل قوله تعالى: (أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون).(سورة يونس، الآية: 42) أضف إلى هذا ما كنا في تفصيله من حديث عن البصيرة وعين القلب. وأضِفْ حديث مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا”. بهذا نعلم أن القلب المفتوح له، قلب المومن المحسن الولي، حاسَّةٌ كاملة تسمع وتبصر وتذوق وتعقل بإدراك فوق طاقة الحواس وفوق طَوْر العقل.

وللمومن الراضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا بداية ذوقٍ منحه إياها مجرد الرضى والقَبول. ثم يتفاوت المومنون في ذوق الإيمان والإحسان على حسب حبهم لله ورسوله، وذكرهم، وصدقهم، وتجرُّدهِم القلبي من الدنيا، وإقبالهم بالكلية على الله عز وجل، “فلا يحبون شيئا إلا له، ولا يتوكلون إلا عليه، ولا يوالون إلا فيه، ولا يعادون إلا له، ولا يسألون إلا إياه، ولا يرجون إلا إياه، ولا يخافون إلا إياه، يعبدونه ويستغنون له وبه، بحيث يكونون عند الحق بلا خلق، وعند الخلق بلا هوى. قد فنيت عنهم إرادة ما سواه بإرادته، ومحبة ما سواه بمحبته، وخوفُ ما سواه بخوفه، ورجاء ما سواه برجائِه، ودعاء ما سواه بدعائه.

“هو أمر لا يعرفه بالذوق والوجد إلا من له نصيب”. [1]

يُكثر شيخ الإسلام ابن تيمية، وأكثر منه ابن القيم، من استعمال لفظ “ذوق”، ومن حصوله للناس بتفاوت، ومن كون إنكار المنكرين لأحوال السالكين ومواجيدهم إنما سببُه عدم ذوقهم لما ذاقوا. وكلمة ذوق كلمة قرآنية حديثية اتخذها الصوفية رضي الله عنهم مصطلحا للإخبار الواسع عن مواجيدَ تتعمق كلما ارتقى السالك في عقبة السير. وذوق الواصلين إلى مراتب الأحوال السَّنِيَّة والتجلِيَّات الربانية يعبر عنه الأستاذ القشيري كما يلي: “من جملة ما يجري في كلامهم (الصوفية) الذوق والشرب. ويعبرون بذلك عما يجدونه من ثمرات التجلي ونتائج الكشوفات وبوادِر الواردات. وأول ذلك الذوق، ثم الشرب، ثم الري. فصفاء معاملاتهم يوجب لهم ذوق المعاني. ووفاء منازلاتهم يوجب لهم الشرب. ودوام مواصلاتهم يقتضي لهم الري.

“فصاحب الذوق متساكر، وصاحب الشرب سكران وصاحب الري صاح. ومن قوِيَ حِسُّهُ تَسَرْمَدَ في شربه”. [2]

التجليات ومذاقاتها وشربها وريُّها معية إلهية “لا تدركها العبارة، ولا تنالها الصفة، وإنما تُعلم بالذوق. وهي مَزَلَّةُ أقدامٍ إن لم يصحب العبد فيها تمييزٌ بين القديم والمحدث، بين الرب والعبد، بين الخالق والمخلوق، بين العابد والمعبود(…). والمقصود أنه إن لم يكن مع العبد عقيدة صحيحة وإلا فإذا استولى عليه سلطان الذكر، وغاب بمذكوره عن ذكره وعن نفسه، ولج في باب الحلول والاتحاد ولابد” [3] وهذا ما عبر عنه الصوفية بالسكر وما يؤثر من كلام سكارى السلوك من شطح، نرجع إلى ذلك في فصل مقبل إن شاء الله.

القلب المنوَّر شاهد عدل تقبل شهادته وفتواه. إنه بمثابة الأعضاء والجلود التي تشهد على أصحابها في الآخرة كما قال الله تعالى: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون).(سورة النور، الآية: 24) القلب المفتوح له تجاوز العادة وخرقها وأصبح شأنا من شؤون الآخرة. لتجاوز قلبِ المومن الذائقِ طعمَ الإيمان العادةَ كان له الإشرافُ والإمارةُ على العقل القاصر المسجون في بيتِ العادة والحجاب عما وراء الحس. وكانت له الفتوى في الدقائق التي لا يدركها العقل ولا تنالها الحواس. القلب المومن يسمع ويرى ويذوق ما لطُف من المعاني والحقائق ويُدلي بشهادته.

جاء وابِصَةُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخطى الناس، فقال له: “اُدْنُ يا وابصة!” فدنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مست ركبتُه ركبتَه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا وابصةُ! أُخْبِرُ ما جئت تسألني عنه أو تسألني؟ فقال: “يا رسول الله! فأخبرني!” قال صلى الله عليه وسلم: “جئت تسألني عن البر والإثم؟” قال: نعم! فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعَه الثلاث، فجعل ينكُث بها في صدر وابصةَ ويقول: “يا وابصةُ! استفتِ نفسك. البر ما اطمأن إليه القلب، واطمأنت إليه النفس. والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس”. رواه الإمام أحمد عن وابصة.

هذا مقام تصدر فيه القلب للفتوى، صدَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذِن لَه. أذن له أن يقول كلمته في فهم خاص لرجل في خصوصيات أخلاقه وإدراكه لعموميات البر والإثم. ولا يُستنتجُ من هذا الإذن الشريف أن لقَلبِ وابِصةَ أو لقلب غيره من الأمة أن يشرِّع حدود البر وتخوم الإثم من عنده. إنما يستنتج منه أن البر كما شرعه الله ورسوله، والإثم كما وضع الله عز وجل له حدودا ورسولُه، تطابِقُ معالمهما الفطرة السليمة، فيطمئن القلب السليم للبر، ويحوك الإثم في الصدور ويتردد فيها.

وللقلب فيما عدا الأمر والنهي مسرَح فسيح للتأمل. قال الإمام الغزالي: “فكم من معان دقيقة من أسرار القرآن تخطُر على قلب المتجردين للذكر والفكر، تخلو عنها كتب التفاسير، ولا يطلع عليها أفاضل المفسرين. وإذا انكشف ذلك للمريد المراقب وعرض للمفسرين استحسنوه، وعلموا أن ذلك من تنبيهات القلوب الزكيَّة، وألطاف الله تعالى بالهِمَم العالية المتوجهة إليه. وكذلك في علوم المكاشفة، وأسرار علوم المعاملة، ودقائق خواطر القلوب”. [4]

يعني الصوفيةُ بالمعاملات معاملةَ العبد مع ربه في خصوصياتهم القلبية من خشوع وذكر ومناجاة وتوكل وخوف ورجاء. لا المعاملات الفقهية بين الناس التي حددها الشرع.

للقلب الذوق الأعلى وهو لذة العلوم الربانية. قال الإمام الغزالي: “لذة المعرفة أقوى من سائر اللذات، أعني لذة الشهوة والغضب ولذة سائر الحواس الخمس. فإن اللذاتِ مختلفة بالنوع (أعلاها لذة الرياسة). فلذةُ معرفة الله، ومطالعة جمال حضرة الربوبية، والنظرُ إلى أسرار الأمور الإلهية ألذ من الرياسة التي هي أعلى اللذات الغالبة على الخلق. وغاية العبارة عنه أن يقال :فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. وإنه أعدَّ لهم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وهذا الآن لا يعرفه إلاّ من ذاق اللذتين جميعا. فإنه لا محالة يوثرُ التبتلَ والتفردَ والفكر والذكر، وينغمس في بحار المعرفة، ويترك الرياسة”. [5]

للقلب المنوّر أن يتمتع بانكشاف الأسرار وإشعاع الأنوار والالتذاذ بالمعرفة والانغماس في بحارها ما دام في “التبتل والتجرد والتفرد والفكر والذكر”. لكن تصرفه في العالم يجب أن ينضبط بضابِط الشرع. العقل هو وزيره اللازم، وخفيرُه الملازم، وإلا تاه القلب في دوامة المواجيد بلا حدود ولا سدود.

رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدُ المكاشفين وسيد العالمين، استعمل طاقة القلب وإدراكه في مواطنَ مثل إخباره لوابصة بما يُضمر وابصةُ، لكنه سن للأمة التعامل بالحجة والبرهان والدليل صيانة لحقوق الله وحقوق العباد أن تطير بها العاطفة المجنَّحة في سماء الأوهام. قال صلى الله عليه وسلم: “إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض. فمن قضيت له بحق أخيه شيئا بقوله، فإنما أقطع له بقطعه من النار. فلا يأخذها”. رواه الشيخان وأصحاب السنن عن أم سلمة رضي الله عنها، واتخذه الفقهاء أصلا لئلا يفتِيَ القاضي بعلمه واطلاعه، بل بالحجة تدحض الحجة، وبالشهادة يرجحها العقل. وما شاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين الناس بكشفه، ولا أن يقطع رأيا في أمور السلم والحرب دون الشورى.

وأجاد ابن القيم وأحسن، كعادته أحسن الله إليه، حين كتب: “اعلم أولا أن كل حال وذوق وشهود لا يشرق عليه نور العلم المؤيَّد بالدليل فهو من عيش النفس وحظوظها. فلو قُدِّر أن المتكلم إنما تكلم بلسان العلم المجرد، فلا ريب أن ما كشفه العلمُ الصحيح المؤيد بالحجة أنفع من حالٍ يخالف العلمَ والعلمُ يخالفه. وليس من الإنصاف رد العلم الصحيح بمجرد الذوق والحال. وهذا أصل الضلالة ومنه دخل الداخل على كثير من السالكين في تحكيم أذواقهم ومواجيدهم على العلم، فكانت فتنة في الأرض وفساد كبير.(…). فما زكّاه شاهد العلم فهو المقبول، وما جرَّحه شاهد العلم فهو المردود. وهذه وصية أرباب الاستقامة من مشايخ الطريق”. [6]

وكتب الإمام حسن البنا نضر الله وجهه في أصوله العشرين تحذيرا من سكرة القلب، حديث الخبير: “وللإيمان الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نور وحلاوة يقذفها الله في قلب من يشاء من عباده. ولكن الإلهامَ والخواطرَ والرؤى والكشف ليست من أدلة الأحكام الشرعية. ولا تُعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه”.

وقال الإمام الأعظم الشيخ عبد القادر قدس الله روحه: “يا غلام! ثمَّ أمور باطنة لا تنكشف إلا بعد الوصول إلى الحق عز وجل، والقيام على بابه، ولقاءِ المفردّين والنُوَّابِ، والوقوف هناك. إن صرت إلى باب الحق عز وجل، وأدمت الوقوف مع حسن الأدب والإطراق، فُتح الباب في وجه قلبك، وجذبه من جذب، وقرّبه من قرّب، ونوّمه من نوَّم، وزفَّه من زفّ، وكَحَّله من كَحَّل، وحلاّه من حلى، وفرّحه من فرّح، وآمنه من آمن، وحدثه من حدث، وكلمه من كلم. يا غافلين عن النعيم! أين أنتم! ما أبعد قلوبكم عن الأمر الذي أشير إليه! تظنون أن الأمر سهل، حتى يحصل لكم بالتصنع والتكلف والنفاق!

“يحتاج هذا الأمر إلى الصدق والصبر على مطارق القَدر. إذا كنت غنيا معافى مشغولا بمعصية الحق عز وجل فتبت عن جميع المعاصي والزلات ما ظهر منها وما بطن، وصرت في الصحاري وفي البراري، وطلبت وجه الله عز وجل، جاءك الاختبار، جاءتك البلايا. فتطلب نفسك ما كانت فيه من الدنيا والعافية. فلا تَقْبَل منها، ولا تعطها ذلك.

“فإن صبرت حصل لك ملك الدنيا والآخرة، وإن لم تصبر فاتك ذلك.

“يا تائب! اثبت، وأخلص، قرر مع نفسك انقلاب الأمر ومجيء البلايا. قرر معها أن الحق عز وجل يُسهر ليلها ويُظْمِئ نهارها، ويوقع بينها وبين الأهل والجيران والأصدقاء والمعارف، وأنه يوقع في قلوبهم المقت لها، وأنه لا يقربها أحد منهم ولا يدنو منها.

“أما سمعت قصة أيوب عيه السلام لما أراد الله عز وجل تحقيق محبته واصطفائه، وأن لا يبقى لغيره فيه حظ، كيف أفرده من ماله وأهله وولده وأتباعه، وأقعده في كوخ على مزبلة خارجا عن العمران.(…). انقطعت عنه الأسباب والحول والقُوى، وبقي أسير محبته وقدره وقدرته وإرادته وسابقته. كان أمرُه صبرا، ثم صار عيانا. كان الأول مرا، ثم صار الثاني حُلْوا. طاب له العيش في بلائه كما طاب لإبراهيم عليه السلام في ناره”.

قلت: ذاك ابتلاء الله عز وجل لأوليائه في عهد الهروب إلى البراري والصحاري. أما في عهد الجهاد والقومة لإحياء الأمة وبناء وحدتها على منهاج الخلافة النبوية فابتلاء صفوة جند الله الربانيين يكون على صورة الابتلاء المحمدي الصحابي، وسط المجتمع وفي قلب الفتنة وعلى عينها وتحدِّيا لها. والصبر اللازم في السلوك الجهادي أشد لأن الفتنة أشد. لأن القابض على دينه وسط الفتنة كالقابض على الجمر، لا يبلُغ قيظُ أي صحراءَ يسبِّح فيها المتفردون توقُّدَ الفتنة المعاصرة التي يُدعى جند الله لمُغاضبتها ومقاطعتها وتذليلها. وإن للسالكين المجاهدين، من كانت له سابقة، لنعيما ما عرفه الهاربون بدينهم.

قال الإمام الشافعي يميز العلم الرباني عن الوسواس الشيطاني: كل العلوم سوى القرآن مشغلة *** إلا الحديث وعلم الفقه في الديـن

العلم ما كان فيه: قال، حدثنـا *** وما سوى ذاك وسواس الشياطين

وقال محقق في العلم مدقق:غموض الحق حين يُذَبُّ عنه *** يقلل ناصِرَ الخصـم المُحِـقِّ

تضل عن الدقيق فهوم قـوم *** فتقضي للمـجِلِّ على المـدِق

وقال ذاكر لربه منتظر وعد لقائه والنظر إليه:ذكرك لي مؤنـس يعارضني *** يعدُني عنك مِـنك بالظَّــفَـر

فكيـف أنساك يا مَدَى هممي *** وأنت مني بموضع النـظــر!

وقال واجد هائم في بيداء الحب الالهي والهٌ: إذا صدَّ من أهوى صددت عن الصد *** وإن حال عن عهدي أقمتُ على العهد

فما الوجد إلا أن تذوب من الوَجـد *** وتصبـح في جَـهدٍ يزيد على الجُهـد

وقال أبو العباس بن عطاء الصوفي: أجلُّك أن أشكـو الهــوى منك إنني *** أجلك أن تـومـي إلـيك الأصـابـع

وأصْرِف طرفي نحـو غيـرك عامدا *** على أنه بالرغـم نـحـوك راجــع

وقلت:ذَاقَ طَعْـمَ الإيمَــانِ كُلُّ خَلِيـلٍ *** حَبَّ مِنْ قَلْبِـهِ وَليــاً مُحِـقّـــاً

خُلَّةٌ يَسْـتَقِي بِهَا الخِلُّ حُبّــــاً *** لِلإلـهِ ولِلرَّسُــولِ وَشَــوْقــاً

يَكْرَهُ الكُـفْــرَ أَنْ يَـعُـودَ إِلَيْهِ *** وَيَدُقُّ جَمَــاجِمَ الظُّلْــمِ دَقّـــاً

الهوامش:

[1] ابن تيمية في “الفتاوي” ج 10 ص 335.

[2] الرسالة ص 39.

[3] ابن القيم في “الوابل الصيب” ص 62.

[4] الإحياء ج 1 ص 63.

[5] المصدر السابق ص 265.

[6] طريق الهجرتين ص 421.