لا … لقد تغير موقفه تماما، أو هكذا يخيل إليه على الأقل، مازالت أسئلة الاستغراب والتعجب تتضخم في أعماقه … كيف حصل كل ذلك ؟! كيف ؟! كيف تغيرت نظرات الشك والريبة والاحتقار إلى نظرات تقدير وإعجاب واحترام … ؟! كيف خاب ظنه، وتكسر أفق انتظاره ؟! مشاعر الدهشة تسيطر عليه تماما، تنهشه نهشا، كلما أمعن النظر في الحلة الجديدة التي تسربلت بها “عائشة” منذ عودتها من هنالك حيث خطت أولى خطوات مشوارها الجامعي …

كان ينظر إليها بعينين شاخصتين من هول الإعجاب، يتتبع حركاتها في ذهول أخرسه عن الكلام، يتأملها كما لو كان يراها لأول مرة … ما الذي تغير بالذات في بكرة أبنائه ؟! ثمة أشياء كثيرة تغيرت في هذا الكيان الخافق بالبشر والطمأنينة والحياة، أشياء أضفت على هذا الوجه الملائكي مسحة من السحر والجاذبية والجمال … ألم تكن جميلة قبل الرحيل ؟! ألم يكن وجهها قمريا ملائكيا جذابا قبل الرحيل ؟! لا … ثمة مسحة أضيفت على سحنة هذه الطفلة التي حملها بين ذراعين قبل تسعة عشرة سنة منذ صرخت أولى صرخاتها معلنة للكون أنها على استعداد تام لخوض غمار هذه الحياة الكبد … كان بوده أن يولد له ولد ذكر يحمل اسمه واسم آبائه وأجداده، يجدد العهد ويحفظ الأصل، يفتخر به أمام الأهل والأحباب وكل الأصحاب، يكون له سندا وعضدا عندما يتقدم به العمر … ولكنها وضعتها أنثى، “وليس الذكر كالأنثى” كما يردد دائما مستحضرا الآية الكريمة، لم يملك حينها إلا أن يرضى بما قدر الله وقضى … تقبل تهاني الأهل والجيران والأصحاب، كانت أشبه ما تكون بالتعازي … واجه بعض نظرات التشفي بابتسامة عريضة مصطنعة: “لا بأس، الحمد لله على كل حال، في المرة المقبلة سيكون المولود ذكرا بإذن الله” … قبلها، وأعادها إلى حضن والدته التي طفقت تخفف عنه المصاب، وتذكره بأنهم لا يملكون جميعا إلا الرضاء التام بقضاء الله وقدره، وأنه عسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا … ومن يدري قد تكون هذه الفتاة أفضل من ألف رجل … من يدري ؟!

كان ما يزال يتتبع حركاتها التي غدت أكثر اتزانا وانضباطا، يبحث بعينين زائغتين مذهولتين عن سر هذا الإقبال الذي يسربلها، لعله حنان وعطف الأبوة استيقظ فيه فجأة، أو لعله حنين وشوق الفراق جعله يغمرها بنظرات حائرة تبحث عن جواب: ما الذي تغير فيك يا بنية ؟

كان يراها من حيث لا تراه، مستلقيا أمام التلفاز، يتظاهر بأنه غير مهتم إطلاقا بما تفعل، وقفت وقد غمرها خشوع رباني عظيم تؤدي صلاة الضحى، أطالت الوقوف مستقيمة، وقد وضعت يمناها على يسراها ناظرة بحزن ملائكي عميق إلى موضع السجود، ركعت بتؤدة … ثم سجدت فأطالت السجود …

كانت تصلي قبل رحيلها للدراسة في الجامعة!!؟ أكيد … ولكن صلاتها كانت باردة وعادية إلى أبعد الحدود، بل كان موقنا أنها إنما كانت تصلي أحيانا خوفا منه، واتقاء لتعليقات والدتها التي كانت لا تكاد تنتهي … لم تكن صلاتها – والحق يقال – بمثل هذه الحرارة، وهذا الصدق، وهذا اليقين …بل كانت تغفل أمر الصلاة، فكانت لا تؤديها في وقتها، وكانت تتخلى عن أدائها لأسباب كانت تعتبرها قاهرة، فأدركت فيما بعد أنها تافهة للغاية: اقتراب موعد الامتحانات، أيام البرد الشديد، الأمراض الخفيفة الطارئة …

فرغت من الصلاة … مازال يرقبها بإعجاب أحس به يزداد شيئا فشيئا … يراها من حيث لا تراه … رفعت أكفها للدعاء … تضع وجهها بين كفيها بين الفينة والأخرى، تتوسل في خشوع وضراعة: ” يارب أمتك الذليلة المنكسرة ترجو مغفرتك، وتخاف عذابك، لا حول ولا قوة إلا بك … عملت سوءا، وظلمت نفسي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت …”، أخذت المصحف، وطفقت ترتل آيات من الذكر الحكيم بصوت عذب رقراق، نبرات صوتها تبعث في أرجاء البيت كله جوا ساحرا من الخشوع والطمأنينة … استعذب الصوت البلوري الدافئ، أطلق العنان لأذنيه ولقلبه ولكل وجدانه، كانت الكلمات بمعانيها العميقة تنساب بغير استئذان تهزه من الأعماق هزا … لم يتمالك نفسه عندما راحت العبرات تتحدر منسابة في هدوء خاشع … انسحب من البيت وهمس لنفسه: “حمدا لك يا رب الأرباب … اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضى … اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك … حمدا لك يارب أني لم أحرمها من هذه النعم … حمدا لك يا من هو أهل لكل حمد ولكل شكر …”

لم يكن إلحاح الحاج المختار على الحمد بهذا الشكل إلا اعترافا بخطإ فاحش كان على وشك أن يرتكبه في حق كريمته “المؤمنة” كما أصبح يحلو له أن يناديها …

كان له موقف صارم وحاسم من مسألة تمدرس الفتيات، كان يعتبر “الزواج” المصير المحتوم، والملاذ الذي ينتظر كل فتاة: “حسب الفتاة أن تتعلم المبادئ الأولية في الكتابة والقراءة لتنسحب، وتعود أدراجها إلى البيت تمكث فيه لتتعلم أمورا أخر تهيئها لحياتها الزوجية مستقبلا …”، باءت كل محاولاته بالفشل، ثمة سر غريب لم يكد يكشف عنه، يجعل هذه الفتاة تخرق هذه القاعدة، عندما أنهت مرحلة التعليم الابتدائي أصدر أوامره الصارمة بأن تكف عن هذه الحماقة التي لم ترتكبها فتاة من فتيات البلدة من قبل، حينها تدخل مدير المدرسة بابتسامة عريضة مشرقة تشف عن قلب كبير ينبض بالإيمان والطيبة والإنسانية والرحمة، بالكاد أقنعه بأن يتركها تتابع دراستها … وتألق نجمها بعدئذ … وأثبتت أنها أهل لأن يدافع عنها … وكثرت تعليقات وتخمينات أهل البلدة …

– علامات قيام الساعة …!! فتاة تبز كل أقرانها و تحتل المرتبة الأولى دائما …

– لن تحقق شيئا … ثم إنني أعرف أباها جيدا … لن يسمح لها الحاج المختار بتجاوز شهادة البكالوريا على أقصى تقدير … رجل متدين ومتشدد، ومن عائلة عريقة وأصيلة …

لم تزدها كل هذه المضايقات التي كانت بالنسبة لها تافهة إلى أقصى حد، إلا إصرارا على مواصلة الدرب الطويل … الدراسة وحدها تعطي لوجودها معنى … الكتب وحدها تستحق كل التبجيل وكل التقدير وكل الحب …ها هو العالم يكبر ويتسع أمام عينيها يوما بعد يوم … أي لذة تعادل هذه … !!

مرت السنون في لمح البصر … وتألق اسمها مرة أخرى … “عائشة الشرقي” اسم اعتلى قائمة الناجحين في امتحان البكالوريا … وتناقلت الألسن الخبر الغريب … أما هي فقد اكتفت بابتسامة باردة، إذ كانت موقنة أن ذلك لن يزحزحه عن موقفه قيد أنملة … غير أن بصيصا من الأمل كان ما يزال يراودها … كانت تختلي بنفسها طويلا تضرع إلى الله طالبة منه أن ييسر لها أمر متابعة دراستها … كانت تسر لأمها برغبتها الجامحة تلك، ولم تكن تملك بدورها إلا الصمت والدعاء … كان الحاج المختار قوي الشخصية، مهيب الجانب، محيطا نفسه بهالة من الغموض والاحترام تجعل كل أبنائه يهابونه، ويتجنبون حتى لقاءه بله مجالسته … لن تستطيع الأم الطيبة الودود أن تفعل شيئا، إطلاقا … إنها تعرف جيدا صرامته وعناده وأنفته واعتزازه بنفسه … لن يغير رأيه …

حينها تدخلت العناية الربانية لتقذف لها بأمل جديد … لم يكن هذا الأمل سوى مدرس التربية الإسلامية “عمي عبد الفتاح” كما كان يحلو لتلاميذه أن ينادوه …

– أرجوك أسي المختار … ابنتك ما شاء الله ذكية ومتألقة، وقبل كل ذلك وبعده مهذبة ومتخلقة … أرجوك ليس من داع يجعلك تحرمها من مواصلة رحلتها في طلب العلم … أرجوك … إنها تلميذتي … وأنا أعرفها جيدا: قدوة في السلوك والجدية والانضباط … وسيكون لها مستقبل مشرق بحول الله …

– ولكن عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا تصرخ … الفتاة خلقت لتمكث في البيت، إلى أن يتقدم لها ابن الحلال، حيث سترحل بعدئذ لبيت الزوجية لتؤدي أدوارها المعهودة …

– عن أي عادات وعن أي أعراف تتحدث يا سيدي ؟ العالم كله يتغير باستمرار من حولنا، ونحن وحدنا مازلنا متشبتين بهذه العادات والأعراف البالية … لا تنس بأننا مسلمون، وأن أول ما نزل من القرآن قول الحق عز وجل: “اقرأ”، ولا تنس أيضا أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة …

– الواقع يصرخ يا سيدي الفاضل … ما الذي جنته كل أولئك اللواتي اختلفن إلى المدارس والجامعات … الفسق والفساد وقلة الحياء …

– لا تكن عنيدا وقاسيا وجبارا إلى هذا الحد … أرجو أن تتفهم كلامي جيدا، وألا تتسرع في اتخاذ قرار جائر إلى أبعد الحدود … الجهل هو أصل كل الرذائل …!!

فكر عميقا في كلام الأستاذ عبد الفتاح …ينسل من فراشه وقد خيم سكون الليل …يفتح مصراعي الشرفة، ويطلق العنان لأفراس خياله ترحل بعيدا … لماذا تأثر بكلامه إلى هذا الحد ؟ لماذا يدافع عنها بهذا الشكل المستميت ؟ … “عنيد وقاس وجبار” … “قرار جائر” … أن تنقطع عائشة عن الدراسة قرار جائر ؟! كيف ؟! … كل فتيات البلدة ينقطعن بعد حصولهن على الشهادة الابتدائية على أقصى تقدير، يتزوجن، ينجبن، يمكثن في بيوتهن … وتستمر الحياة … لا حاجة لهن بالجامعة ومشاكلها وصراعاتها وغواياتها وشواهدها … يرتفع صوت السي عبد الفتاح مدويا في الأعماق: “إنها تلميذتي … وأنا أعرفها جيدا: قدوة في السلوك والجدية والانضباط … وسيكون لها مستقبل مشرق بحول الله …” ماذا يعني المستقبل بالنسبة لفتاة خلقت للزواج والإنجاب ؟ ماذا يعني ؟! “أرجو أن تتفهم كلامي جيدا، وألا تتسرع في اتخاذ قرار جائر إلى أبعد الحدود …” قرار جائر !! … صراع محتدم في أعماقه … صراع مؤرق … طوح به في مهاوي سحيقة من الصمت والتردد والشرود … ارتفعت فجأة تهاليل الفجر واضعة حدا لهواجسه، وحاثة إياه على التحرك في اتجاه المسجد … مصباح خافت الإنارة يطل بطمأنينة وأنفة من أعلى الصومعة … أحس بشوق غريب يشده إلى هناك … أرحني بقرة العين، وحدها قادرة على إخراجي من دوامة الحيرة هاته … صلى ركعتي استخارة بعدما أدى فريضة الصبح، توسل إلى الله عز وجل أن يدله على الخير، وأن يجعل قراره صائبا … أليس من حقه أن يخاف على عرضه ؟ أليست مجازفة ومغامرة أن يبعث بها وحيدة إلى عالم جديد لا يعرف عنه شيئا ؟! لكن متى كان حفظ العرض يعني الكسل وقتل الطموح ؟! ألم تكن الصحابيات الجليلات يجالسن الرجال في المسجد طلبا للعلم ؟! ألم تكن سميتها أمنا عائشة رضي الله عنها تلقب بمعلمة الرجال ؟! أليس ظلما شديدا أن يتسلط على حق من حقوقها المشروعة باسم تقاليد وأعراف لا مشروعية لها في دين الله عز وجل ؟!! أسئلة قلقة محرجة أحالت حياته طوال العطلة الصيفية إلى أمواج متلاطمة من الوساوس والهواجس، صوت الآذان كان يذكره بصلاة الحاجة وصلاة الاستخارة في كل وقت، وفي كل أوان …

عند مدخل المسجد … هرع إليه، ضمه إلى صدره، قبل رأسه وصدغيه بصدق وحرارة، يتحدث إليه السي عبد الفتاح بصوت مرتفع متهدج من شدة التأثر …

– كنت على يقين بأنك ستتفهم الأمر في النهاية … جزاك الله أحسن الجزاء … رجل شهم … شهم وولد الناس …

– ولكن …!

– لا تقل شيئا … حسنا فعلت إذ سمحت لها بمواصلة دراستها … حسنا فعلت … ستكون بإذن الله منارة العائلة بل البلدة كلها … وستلزم كل المتقولين الجهال بتغيير رأيهم حول الجامعة … لقد أعملوا معاول الهدم والتدمير بلا هوادة … دمروا كل شيء … حولوا الجامعة من مركز للإشعاع العلمي والثقافي والفكري والأخلاقي إلى ماخور للفسق والانحلال والضياع … الحل ليس في الهروب والانسحاب … الحل هو الصبر والبذل والصمود ومزاحمة كل التيارات اللادينية الضالة المضلة التي تعمل جاهدة ليل نهار … في محاربة معاول التضليل والتفسيق … ستكون عائشة بداية الطريق … ستكون قدوة لكل فتيات البلدة …

حينها أومأ برأسه موافقا, وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة باردة صفراء … كانت أمواج الخوف والتردد والشك ما تزال تتلاطم بعنف في أعماقه …

وفي جوف الليل قبيل الآذان بلحظات، تنتفض من فراشها، تأمر المنبه الوفي بالسكوت، تقهر الرغبة الصارخة في النوم، تقف مستقبلة القبلة منكسرة خاشعة راكعة ساجدة … تجلس متربعة بعد أداء صلاة الصبح وقد عانقت أناملها حبات السبحة المباركة تردد – كما تعلمت في مجالس النور – الكلمة الطيبة لتجدد إيمانها، تردد الصلاة على الحبيب المصطفى قرة العين، تستغفر، تكبر، تحمد، تحسبل، تفوض أمورها إلى العزيز الجبار … تردد الأدعية التحصينية، تقرأ وردها من القرآن الكريم … تصلي ركعتين بعد شروق الشمس … تختم جلسة الصباح بالدعاء …

تغمرها طمأنينة وسعادة تتجاوز حدود الكلمات … تشعر بالإيمان يزداد يوما بعد يوم … تقبل يد الوالد .. تعانق الوالدة الرؤوم… تساعدها في إعداد وجبة الغداء … وهي تحدثها عن العالم الجديد …

– الجامعة عالم متميز …! متميز جدا …! عالم قائم بذاته …! تلتقي فيه كل التيارات والتوجهات وكل النماذج وكل الأفكار … والحمد لله الذي من علي بهذه الصحبة الطيبة المباركة …

– الحقيقة لقد تغيرت كثيرا …!!

– الأمة في سبات عميق، تنتظر من يشعل شموع يقظتها … إن لم نبادر نحن بذلك، فمن سيفعل ؟ التغيير الحقيقي يجب أن يبدأ من النفس، نحن ملزمون بتغيير أنفسنا أولا، حينها سيتولى الله سبحانه تغيير حال الأمة: ” إن الله لا يغير ما بقوم، حتى يغبروا ما بأنفسهم “، سبب ونتيجة، لن يتغير حالنا إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا …

– كيف ؟ وهل أعتبر أنا مسؤولة عن تغيير حال الأمة ؟!

– تعلمت من أخوات صفي الجهادي، أننا في موكب النور سنحقق الخلاصين معا: الخلاص الفردي ويهم مصير الفرد واسمه في الملكوت الأعلى … والخلاص الجماعي ويهم مصير الأمة كلها … يقول عليه الصلاة والسلام: “من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح وهمه غير المسلمين، فليس من المسلمين” …

– عليه الصلاة والسلام … الحق أقول كل ما تقولينه يعتبر جديدا بالنسبة إلي … كأنك تتحدثين عن إسلام جديد، مخالف لهذا الذي عرفناه وأطر حياتنا منذ أزمان …

– أبدا، أبدا يا أمي … الإسلام واحد، لم يتبدل، ولن يتبدل … فقط فهمنا للإسلام هو الذي يجب أن يتغير … وأن يتجدد … وهذا ما نسعى لتحقيقه بحول الله من خلال صف جهادي رباني يسعى دائبا لتحقيق غايتين عظيمتين متلازمتين غير منفصلتين: إحسانية واستخلافية … ومن أجل ذلك اختار المحجة النبوية اللاحبة طريقا، يدعو الناس كل الناس للتوبة وتجديد التوبة، ويذكرهم في كل وقت وأوان بالمصير المحتوم الذي لا مفر منه …

– ما شاء الله … ما شاء الله … ما أعظم ما أسمع! لا أكاد أصدق أنك تعلمت كل هذه الأشياء في ” الجامعة ” لا أكاد أصدق … وفقكم الله، وسدد خطاكم … هذا كل ما أستطيع فعله …

– لا …بل تستطيعين أكثر من ذلك بالتأكيد … ستساعديني في استدعاء الجارات كل الجارات أمهات وفتيات … سأحدثهن قليلا عن بعض ما تعلمته من مجالس النور والإيمان …

عقدت جلسات … وتعددت لقاءات … وذاع صيت عائشة بنت السي المختار، الطالبة المنارة التي صارت محجا لكل بنات البلدة … وانخرطت الأمهات وكل الفتيات في مسلسل الجلسات واللقاءات … وتغيرت كثير من الأمور في بيت الحاج المختار: لم يعد أبناؤه يحفلون كثيرا ببرامج التلفزيون الكاذبة المخادعة، الضالة المضلة، أصبحوا يستيقظون جميعا لأداء صلاة الفجر، صار لـ”الهيللة، والحوقلة، والتكبير، والتحميد، والتصلية على الحبيب” معنى وحضورا في حياة كل منهم، صاروا يفهمون بعمق لماذا يجب عليهم أن يهتموا أكثر بأمور الدرس والتحصيل، وانفض الغبار عن المصاحف التي كانت تستقر بوداعة فوق الرفوف … وصار لكل منهم سبحة وسجادة … منظر لم يكن ليخطر له على بال … إطلاقا …

لم يتمالك نفسه، وهو يصلي صلاة الشكر … وقد انخرط في بكاء لم يستطع له ردا …

– حمدا لك يا رب … أني لم أطاوع نفسي … وسمعت كلام السي عبد الفتاح … لك الحمد بلا عد ولا حصر … يا رب الأرباب …