حاكمية الكتاب أو سؤال مرجعية الحكم

خالد العسري – [email protected]

هل يعني سؤال تدبير الحكم أن المبايَعَ والمبايعين يستقلون بالتشريع، ينشؤونه من فراغ اجتهادا منهم غير مقيد بنص سابق أو شرعة علوية؟ هل يغلب الظن بالمسلمين أن الدينَ عقائدُ غيبية، وشعائرُ تعبد خاصة لا علاقة لها بالحياة العامة؟ هل نقرأ النص القرآني من خلال آياته ومن خلال السنة المبيِّنة، أم نسقط تجربة النصارى مع دينهم على ديننا؟ هل يبقى معنى لإسلام المسلمين والإسلام معطلة أحكامه، والطاعة في واقع الناس للطاغوت لا لله ورسوله، والتحاكم إلى القوانين الوضعية لا إلى الأحكام الشرعية!

إن كان مرجع المسلمين في أمورهم إلى كتاب ربهم وهدي نبيهم، فإن عشرات الآيات تنزلت وحيا إلى النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم تأمر المسلمين بالحكم بما أنزل الله: (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم في ما آتاكم، فاستبقوا الخيرات، إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون. وأن احكم ينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، فإن تولوا فاعلم إنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيرا من الناس لفاسقون. أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) [المائدة:48…50]، (فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [النساء:65]، (وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) [الأحزاب:36]. وهناك آيات كثيرة اختصت بالدلالة على تفصيلات الحكم، فهناك آيات اختصت بالقتال: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلوكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين. واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم، والفتنة أشد من القتل، ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم، كذلك جزاء الكافرين. فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم) [البقرة:190..192]، وأخرى بالتشريعات الاجتماعية (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أم تفرضوا لهن فريضة، ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف، حقا على المحسنين) [البقرة:233]، وأخرى بتبيان أسس العلاقة مع الأقوام غير المسلمين (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديارهم أن تبروهم وتقسطوا إليهم. إن الله يحب المقسطين) [الممتحنة:8]، وأخرى بإبراز الحدود وأحكام القضاء (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى، فمن عفي له من اَخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب اَليم. ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب لعلكم تتقون) [البقرة:178-179]، وأخرى بتبيان وتنظيم العلاقات المالية (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مومنين. فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) [البقرة:278-279]، (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه، وليكتب بينكم كاتب بالعدل) [البقرة:282]… أما الأحاديث النبوية التي غطت كل مساحات الحياة العامة فأكثر من أن تحصى، وإنه مما أجمع عليه المسلمون أن يرد كل أمر اختلف فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا) [النساء:59]، قال ابن القيم رحمه الله في تعليق له على هذه الآية: “ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه، ولم يكن كافياً لم يأمر بالرد إليه، إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النـزاع، إلى من لا يوجد عنده فصل النـزاع. ومنها أن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته”(1).

هذا لا يعني أن أي واقعة في عالم الناس سنجد لها النص المناسب في آي الكتاب أو سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالقرآن محدودة سوره وآياته، خالدة أحكامه رغم تقلبات أحوال الناس وأزمانهم، وحياة الناس لا تجمد عند ظروفها، بل تتعدد الابتلاءات وتختلف من مصر إلى مصر، ومن زمن إلى آخر، وما بين ثبات النص القدسي وبين تحول عالم الناس النسبي يتدخل عقل المجتهد الذي لا يرى أن كل شيء في الشريعة تعبدي غير معلول، بل يضع القياس موضعه، ويتفق أن للشريعة مقاصد وجب التحرك دوما لتحقيقها، وأن مكانة هذه المقاصد لا تقل عن مكانة النصوص التعبدية في الشريعة الربانية.

إن الاجتهاد لا يعني نسخ الثابت من شرع الله، لكن سؤال فقه التنزيل التدريجي للنصوص القرآنية أمر من الأهمية بمكان. فهل إذا تحول الناس من حكم نظام قاسط إلى نظام حكم مقسط وجب تنزيل شرع الله الثابت دفعة واحدة؟ هل تعلن الحرب من أول يوم على البنوك الربوية، والإعلام الفاسد، وتقام الحدود، وتنبذ المعاهدات المعقودة مع دول العالم، ويتم فسخ العقود مع الشركات الأجنبية، ويتابع المثقف غير المعلن ولاءه للنظام الوليد..؟ إذن يعلن النظام الإسلامي حربا لا هوادة فيها على نفسه فينكث غزله، ويخرب بيته بيده ، بينما يجد المؤمنون فسحة في أمرهم من خلال فقه أولويات ما ينزل من الشرع وما يؤجل، وإن لهم من سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم لسندا، فقد امتنع عن تعديل البيت الحرام لقرب عهد قريش بالإسلام، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: “قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه السلام فإن قريشا استقصرت بناءه وجعلت له خلفا”(2).

إن الحرب مستعرة اليوم على الإسلاميين، وإن من بين ما يتهمون به أنهم لم يعدوا في برامج حكمهم غدا إلا قطع يد السارق ورجم الزاني وإقامة الحدود. والحدود شرع الله لكن مَن يقيمها على مَن وقد عمت البلوى بديار المسلمين، فاستشرى الفساد في أجهزة القضاء والشرطة والإدارات…؟ الحدود سياج تحفظ الشريعة والمجتمع من الشواذ في المجتمع الذين يبغون الأمر فسادا وإفسادا في الأرض، لكن العلاج والتربية والتطبيب يكون أسبق في مجتمع اندثرت قيمه أو كادت. يسبق العلاج حتى تستوي القيم الإسلامية على سوقها، فينهض كل المجتمع يدعو إليها ويحفظها، فيجعل الدين قضيته لا قضية أجهزة وإدارات فقط، ولن يحصل ذلك إلا بأن تُغرس فسائل الإيمان في القلوب، وأن يعرف الناس عدل الشرع ورحمته، ونفيه للوباءين: الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي، فإنك “لا تكاد تجد من تقترن ضرورة تطبيق شرع الله في ذهنه بهذه الضرورة الملحة الأساسية، ضرورة تحرير المجتمع من الوباءين: الظلم الاجتماعي والظلم السياسي المتلاحمين المتظافرين. لا تكاد تجد من يسبق إلى تصوره عند ذكر الشريعة وتطبيقها، حاجتنا الأولى إلى الشورى نستبدل بها الاستبداد، والعدل في القسمة نستبدل به واقع التفاوت المزري في التملك”(3).

إن أولى بنود العقد المتفق عليه غدا بين إمام المسلمين والأمة هو أن مرجع الحكم إلى شرع الله عز وجل، وأن كل قانون يعارض نصا شرعيا يعد لاغيا، ومن خلال ما سبق نخلص أن اللازمة الثالثة للشورى القرآنية هي حاكمية الشرع المجيبة عن سؤال مرجعية الحكم.

الهوامش:

(1) ابن القيم الجوزية: “إعلام الموقعين عن رب العالمين” دار الحديث- القاهرة. بدون تاريخ. ج1/ص49.

(2) أخرجه البخاري في “كتاب الحج. باب: فضل مكة وبنيانها”. والخلف هو الباب.

(3) عبد السلام ياسين: “الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية” ط1.1987 ص:118.