بسم الله الرحمن الرحيم. (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين). اللهم اجعل عملي صالحا، واجعله لك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا.

الفراسة ومضاتٌ من إدراك القلب المتطهر يطلع بواسطتها على مخفيات الضمائر. وهي من مراتب الهداية القلبية كالإلهام والرؤيا الصادقة والمخاطبات الخاصة بالأولياء والكشفِ وما إلى ذلك مما اصطلح عليه أهل هذا الشأن.

الفِراسة فروسية الضمائر، هي كرامة للولي، وقد تكون عليه فتنة، لذلك يستعيذ الصالحون مما يسمونه “الكشف الشيطاني”، وهو انكشاف ما يفعله الناس وراء الجدران لعين القلب فيطلع على ما أمر الله به أن يستر. أما أصحاب الرياضات والشيطنة فهذا الكشف هو بغيتهُم وغايةُ أملهم نعوذ بالله. وللمشركين والملحدين من “علماء” الباراسيكولوجيا اهتمام شديد بقراءة الضمائر، يسمونها “ثِلِباثِي”، يرجون أن يقننوها لتصبح سلاحا يستخدم في الاستعلامات العسكرية. ويعكُف متخصصون مزوّدون بميزانيات عريضة، في أمريكا وروسيا، على إجراء تجارب للسباق إلى إحراز النجاح. لا جَرَم أن تنتهج المادية الإلحادية مناهج الوفاق والتعاون مع أساليب الشيطنة ليتم على حزب الشيطان بلاء الله بالفتح عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم.

عرّف الأستاذ القشيري الفراسة بأنها “خاطر يهجُم على القلب فينفي ما يضاده”. وعرَّفها الواسطي بأنها “سواطع أنوار لمعت في القلوب، وتمكين معرفة حملت السرائر في الغيوب، من غيب إلى غيب، حتى يشهد الأشياء من حيث أشهده الحق سبحانه إياها، فيتكلم على ضمير الخلق”.

قال الأستاذ القشيري: “والمتفرِّس ينظر بنور الله تعالى. وذلك سواطع أنوارٍ لمعت في قلبه، فأدرك بها المعاني. وهي (الفراسة) من خواص الإيمان. والذين هم أكثر منها حظاًّ الربانيون. قال تعالى: (كونوا ربانيين) (سورة آل عمران، الآية: 78) أي علماء حكماء متخلقين بأخلاق الحق نظرا وخلقا. وهم فارغون عن الإخبارِ عن الخلقِ، والنظر إليهم والاشتغال بهم”. [1]

فراسة الربانيّين إطلالات على العالم المخلوق وما يجري فيه، يلتفتون إليه عن قصد لمصلحة شرعية، أو يَفْجَأُهم من خبره ما لم يقصدوا إليه. المريد المبتدئ الذي لمّا يتحرر من الدنيا له تشوُّفٌ إلى المخفيات من الغيوب. فإن لم تتداركه عناية الله تلقفته العوالم الكونية وشغله التسكُّع في مشاهدة عجائبها عن الطلب الشريف وهو مشاهدة أنوار الأسماء والصفات، والقُربُ من حضرة الذات. أما المتمكن من العارفين والكامل من الواصلين فهمه الله عز وجل لا سلطان للأكوان عليه، ويعتبِر التفرُّسَ في الخلق لقراءة ضمائرهم بطالة، إلا أن يكون له قصد مشروع فيستعمل حاسته القلبية كما يستعمل جوارحه الأخرى في طاعة الله لتحقيق مطلب شرعي.

وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتعلم المومنون خوف الله عز وجل العليم الخبير بما في الصدور من الاعتبار بفراسة المومن الكامل الذي يطلعه الله بنوره على ما يفعله غيره. روى الترمذي وحسنه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اتقوا فراسة المومن، فإنه ينظر بنور الله”.

ويَسْمَع أيضا المومن الكامل بسمع الله، وتأتيه المخاطبات والتحديث من قبل الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه”. وقال ابن عمر: “ما نزل بالناس أمرٌ قط فقالوا فيه وقال عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر”. رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وموافقات عمر رضي الله عنه للقرآن في أسرى بدر وفي حجاب أمهات المومنين وغيرذلك مشهورة، هي من قبيل التأييد الإلهي، بواسطته ينطق عمر بلسان الحق وقلبه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لقد كان فيمن كان قبلكم من الأمم ناس محدَّثون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر”. رواه الشيخان عن أبي هريرة. وليس معنى هذا أن ليس في الأمة محدّثون غيرُ عمرَ، بل معناه أن عمر أحق بهذه الرتبة من غيره. ولا يعني هذا أيضا أن رتبة التحديث أفضل وأعلى من رتبة الصديقية المعروفة لأبي بكر، بل كبار الصحابة كانوا على نصيب وافر من كل خير، على تفاضلهم رضي الله عنهم.

وقد كان لعمر رضي الله عنه من الفضائل الجامعة، منها الفِراسة والتحديثُ والقوة في الله والشجاعة وسائر خصال الإيمان والإحسان، ما أهَّلَه لتزكية فريدةٍ زكاه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد روى الترمذي والإمام أحمد والحاكم بسند صحيح عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب”.

وإذا كانت الرؤيا الصادقة جزءاً من ستة وأربعين جزءا من النبوءة، فإن الفراسة والمكاشفة وانفتاح عين القلب أقوى وأجلى لكونها مظاهر للمِنَح التي يخُص الله بها أولياءه يتصرفون فيها يقظة وبإرادة. فإن انضافت إلى هذه المنح القلبية التي هي من قبيل الكرامة وخرق العادة ما خص الله عز وجل به الخلفاء الراشدين من منح الرجولة الإيمانية والكمال الخلقي والعقل والمروءة والحكمة والرحمة وحسن السياسة بقوة وأمانة وحفظ وصيانة عرفنا مواصفات المرشحين في غد الإسلام للخلافة الثانية. لا نظن أنه يكون “لثورة إسلامية” مَا أي معنى من معاني الخلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن لم تكن الربانية الجامعة لما شاء الله من أجزاء النبوة سمةً بارزة في دعوة الخلافة، وتربيتها، وفراسة رجالها.

لا أعني أن يعتمد المجاهدون من رجال الدعوة على شيء من الفراسة والرؤيا والمكاشفة اعتمادا يَحُلُّ محل الطرائق الشرعية لاكتشاف الحقائق واتخاذ القرارات. فذلك خروج عن جادة السنة إلى هوامش الخرافية والضلال. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو النبي فعلا وكمالا، وكان خلفاؤه الراشدون المتفرِّسون الربانيون، ومنهم عمر المحَدَّث بشهادة النص النبوي، يطرحون المسائل للمشاورة والأخذ والرد والمراجعة والرجوع آخر الأمر إلى الله ورسوله، وإلى ظاهر الشرع.

أعني أن الخلافة الثانية على منهاج النبوة لابد أن تظهر فيها خصائص الربانية التي عُمومُها ومضمُونُها وسياجُها السنة المطهرة الكاملة، من جملة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين الأولين ظهورُ الكرامة والفراسة في مكانها ومرتبتها من الواقع لا تعدوه. فإن تعدى أحد بالفراسة حدود الشرع والسنة فقد خَرَقَ في دينه خَرْقا، ومزَق مزْقاً.

الفراسة مثل الاجتهاد العقلي تُخطئ وتصيب، ما هنالك معصوم سوى النبيئين. فالعاصم من الخطإ والتيه الشرعُ.

هذا. وإن الفراسة الربانية لَدَلالَةٌ وتقويَة لجناب الخلافة بما هي توفيق من الله وتزكية وبركة. روى البيهقي أن عليا بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: “ما كنا نُبعِد أنَّ السكينة تنطق على لسان عمر”. وقال عبد الله بن عمر: “ما كان عمر يقول في شيء: “إني لأراه كذا إلا كان كما قال”. وقال قيس بن طارق: “كنا نتحدث أن عمرَ ينطق على لسانه ملَكٌ”. وقال عمر رضي الله عنه يوصي مَن بعده: “اقتربوا من أفواه المطيعين، واسمعوا منهم ما يقولون، فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة”.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن سرد هذه المقالات: “وهذه الأمور الصادقة التي أخبر بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنها تتجلى للمطيعين هي الأمور التي يكشفها الله عز وجل لهم. فقد ثبت أن لأولياء الله مخاطبات ومكاشفات. وأفضل هؤلاء في هذه الأمة بعد أبي بكر عمر رضي الله عنهما”. [2]

رأى عمر رضي الله عنه قوما من مَذْحِج فيهم الأشترُ. فصعَّد فيه النظر وصوَّب، ثم قال: قاتَلَهُ الله! إني لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا! فكان ذلك كما قال رضي الله عنه: ورُوِيَ عن رجل قال: دخلت على عثمان رضي الله عنه، وكنت رأيت في الطريق امرأةً تأَمَّلْتُ محاسِنَها، فقال عثمان رضي الله عنه: “يدخل علي أحدكم وآثار الزنا ظاهرة على عينه! “فقلت: أوحيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا! ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة. وقال الإمام علي كرم الله وجهه لأهل الكوفة: “سينزل بكم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستغيثون بكم فلا يُغاثون”. فكان منهم في شأن الحسين رضي الله عنه ما كان.

إن أخبار الفِراسة وقراءة الضمير في دواوين الأولياء كالمطر لا تحصى. وما الإخبار عن المكونات بالشأن العظيم الذي تحتفل به الرجال. وأَيَّ شيء حصَّلْتَ إن نصَبتَ عين قلبك منصب المتفرِّج العاطل ألهاه منظر الخيل على باب الملك وتأمَّل زينتها وعيوبها عن طلبِ مقابلة الملك! مثلٌ يضرب لأبناء الدنيا المعظمين للملوك.

وكان لأكابر الدين من غير الأولياء الصوفية فراسات، أشهرهم في ذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه. وكان لسَعَةِ أُفقِه قد طلب كتب “علم الفراسة” وهو من علوم العرب يستدلون بنعوت الخِلقة في الإنسان والحيوان على أخلاقها. وهو “علم” يتلقاه الحاذق الماهر جيلا بعد جيل مما حصلته تجارب الأمم، ليس من الفراسة القلبية الربانية في شيء. وهو علم “محايد” لا حظَّ للكشف الشيطاني منه. وقد وردت أخبار عن استعمال الشافعي للفراسة المتعلَّمة من الكتب لا حاجة لنا بها.

وللإمام الشافعي رضي الله عنه فِراسات قلبية ساطعة. فإنه على فراش الموت أخبر بما يؤول إليه أكابر تلامذته مثل الربيع بن سليمان والبوطي والمزني وغيرهم. فكان من بعدُ كما أخبر رضي الله عنه.

قال الإمام عبد القادر قدس الله سره العزيز: “لولا الصبر لما رأيتموني بينكم. قد جُعِلْتُ شباكا تصطاد الطيور. منْ ليل إلى ليل يفتح عن عيني، ويخلَّى عن رجلي. بالنهار مُغمض العينين ورجلي مشدودة في الشبكة. فَعلَ ذلك لمصلحتكم وأنتم لا تعرفون. لولا موافقة الحق عز وجل، وإلا فهل عاقل يقْعد في هذه البلدة ويعاشر أهلها! قد عمَّ فيها الرياء والنفاق والظلم وكثرة الشبهة والحرام. قد كثُر كفران نِعَم الحق عز وجل والاستعانة بها على الفسق والفجور. وقد كثُر العاجز في بيته المتقي في دكانه، الزنديق في شرابه الصديق على كرسيه. لولا الحكم لتكلمت بما في بيوتكم”. [3]

وقال رضي الله عنه: “قلوب القوم صافية طاهرة ناسية للخلق، ذاكرة لله عز وجل. ناسية للدنيا ذاكرة للآخرة. ناسية لما عندكم ذاكرة لما عند الله عز وجل. أنتم محجوبون عنهم وعن جميع ما هم فيه. مشغولون بدنياكم عن أخراكم، تاركون للحياء من ربكم عز وجل، متواقحون عليه(…). سبحان من ألقى في قلبي نُصح الخلق وجعله أكبر همي! إني ناصح ولا أريد على ذلك جزاء. آخرتي قد حصلت لي عند ربي عز وجل، وما أنا بطالب دنيا. ما أنا عبد الدنيا ولا عبد الآخرة ولا ما سوى الحق عز وجل. ما أعبد إلا الخالق الواحد الأحد القديم. فرحي بفلاحكم، وغمّي لهلاككم. إذا رأيتُ وجه مريد صادق قد أفلح على يدي شبِعْتُ وارتويت واكتسيت وفرحت كيف خرج مثله على يدي!” [4]

قال متفرس معتبر بآيات الله الكونية: ألم تـر أن نسيـم الصبــا *** لهُ نفَـسٌ نشـرُه صاعــد

فطوراً ينوح وطواراً يـفـ ***ـوح كما يفعل الفاقِد الواجـد

وسكْب الغمام ونوْح الحمـام *** إذا ما شكا غصنُـه المائـد

ونورُ الصباح ونَوْرُ الأَقـاحِ *** وقد هزّه البـارق الراعـد

ووافى الربيع بمعنىً بديــع *** يترجـمـه وَرْدُه الــوارد

وكـلٌّ لأجلـك مُسْتَنْـبَــطٌ *** لما فيه نفعـك يـا جاحـد

وكـل لآلائــه ذاكـــر *** مقـرٌّ لـه شاكـر حامـد

وفي كــل شيء لـه آيـة *** تـدل علـى أنـه واحــدوقال عاشق وامق لا يمل من ذكر حبيبه:كرِّرْ علي فـإني عاشـق كَلِـفٌ *** كَرِّرْ عليَّ ففيه المجد والشـرف

جرِّد علي سيوف الشوق مُحتسِبا *** واقتل بهن فقتلي في الهوى شرفوقال فاقد واجد متقارب متباعد:إذا قَرُبَتْ داري كَلِفْتُ وإن نـأَتْ *** أسِفْتُ فما للقرب أسلو ولا البُعْدِ

وإن وعدت زاد الهوى بانتظارها *** وإن بَخِلَتْ بالوعد مُتُّ من الوجْدوقلت: بِنُورِ اللّه نُبْصِـر *** وأَرْض اللّه نَعْمُرْ

نُجَاهِدُ لا نُقَصِّـر *** وَفِي المَيدَانِ نَصْبِرْ

مَقَالَ الحَقِّ نُشْهِر *** لِواءَ العَدْلِ نَنْشُـرْ

الهوامش:

[1] الرسالة ص 106.

[2] الفرقان ص 52.

[3] الفتح الرباني ص 17.

[4] المصدر السابق ص 39.