الحمد لله خلق الإنسان علمه البيان، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المصطفى النبي العدنان، وعلى آله وأزواجه وذريته وصحبه ومن والاهم على توالي الأيام والأزمان. أما بعد:

لماذا نكتب؟ وماذا نكتب؟ وكيف نكتب؟ ولمن نكتب؟

ما الوجهة وما الغاية؟ ما المحفز وما الهدف؟ ما المعنى وما الفكرة؟ ما الشكل وما الأسلوب؟ من المتلقي ومن السامع ومن المجيب؟.

يقول ربنا سبحانه وتعالى: “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين” (الأنعام /164). نكتب لنعبد الله عز وجل، لنتقرب إليه، عسى تكون كتابتنا من العلم الذي ينتفع به، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من علم لا ينفع. وعساها تكون من الصدقة الجارية التي يصلنا ثوابها العميم وأجرها العظيم بعد الممات، وقد عد صلى الله عليه وسلم العلم النافع من الثلاثة التي لا تنقضي. نكتب لنعلم الناس الخير، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله وملائكته وجميع خلقه يصلون على معلم الناس الخير.

نكتب لندل على الله وعلى رسوله، ولنحدث الناس عن المصير وعن الآخرة.

الله عز وجل خلق الإنسان وعلمه البيان، فلابد لهذا الإنسان أن يبين عن نفسه وذاته من حيث هو مخلوق لله، وأن يعبد الله بكل ما آتاه. علم الله بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، فالعلم صنو العطاء الإلهي ورديف الكرم الرباني، لا نكتب لنلعب ونتسلى أو لنلغو ونتلهى.

بهذا المعنى تسلك الكتابة في سلك مشروع أكبر وأعظم وأجل وأخطر، هو مشروع الإنسان مع ربه في سيره إليه، ومشروع الاستخلاف في الأرض نصرة لدين الله وإعلاء لمجد الأمة، بما يضمن للإنسان أن يحقق العبودية واجب الوجود الأبدي الأزلي.

هدف إيماني رسالي تجديدي هو، إذن، هدف الكتابة.

ب- نجدد الفكر الإسلامي ونرفعه من دركات الغفلة عن الله لما نرفع هامتنا صادحين صارخين:

إننا لا نرضى إلا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا.

فنخرج من وطأة الانهزام النفسي ووهدة اليأس اللذين لحقانا من جراء إجلاب خيل الإعلام الفاسد وخبله المعتم الحاقد علينا،حتى لم يعد يجرؤ بعض ممن يحملون صفة الكتبة الإسلاميين على ذكر الله وذكر اليوم الآخر، والتحدث عن الموت والجنة والنار، خوفا أن ينعتوا بالظلامية والرجعية وغيرها من مسميات دين الحداثة الملحدة.

ثم نقتحم على الناس ونهجم عليهم بالخير، نخبرهم خبر الآخرة وما بعد الآخرة، برفق ورحمة وبتؤدة وحكمة، متخذين لذلك كل زينة جميلة تقية صالحة غير متبرجة ولا متزمتة.

وجب إذن أن يكون المضمون تابعا للوجهة المقصودة دالا عليها، خادما لها، مؤسسا عليها، وفي المضمون القرآني بمعانيه المتعددة البغية والغنية، في حديث القرآن عن الكمال الإلهي المبدع، وعن الكون بمجالاته، وعن الإنسان بعلاقاته، في حديثه عن الوجود والغاية، مضامين جليلة تخبر المرء عن من هو؟ ولم هو؟ وإلى أين هو صائر وسائر.

ج- نطوع كتابتنا لتحمل هم الإنسان الأخروي وهموم الأمة الدنيوية، في قالب بلاغي وبياني نراعي فيه ثوابت من قبيل:

– التبشير والتحفيز ونشر الأمل، وبث حسن الظن بالله والثقة في وعده بالنصر المبين، وموعود رسوله بالاستخلاف المكين في مستقبل صبحه قريب.

– التدرج الحكيم من خلال الرفق الرحيم، المجتنب للفظاظة اليابسة والغلظة المنفرة المعسرة غير الميسرة.

– الإجرائية العلمية التي لا تكتفي بالعموم من المعاني ولا بالصخب المشتكي اللائم، وإنما ترتب الأهداف وتحدد الوسائل بوضوح وتنسيق وبمعونة من أهل الدربة المتخصصين.

– الأسلوب المشرق الجميل الذي يقدم معاني الخير والحق في حلة قشيبة بهية، بلغة وضيئة واضحة سلسة يفهمها ويفهم منها أصناف الناس على اختلاف مراتبهم.

ولعل في بلاغ القرآن وبيان النبوة، وكذا فيما أبدعته يد الحكمة الإنسانية من أشكال وألوان، ما يشفي الغليل لبناء كتابة رائقة شائقة مقدمة في قالب الزمان والمكان.

د- نكتب لنخاطب أنفسنا. وإياك أعني واسمعي، نفسي الأمارة، وإياك أعني فاسمعي يا جارة، وعي يا جارة … نذكر، ونتذكر، نخاطب هذا الإنسان التائه الوجهة الضائع القصد، نقرع أسماعه ونسمع فطرته:

نقول له بلسان الذي وعظ فقال:

اغتنـم عمـرك القصير تأمـل *** وتفكــر أيـن المسير قصدته

إن توسعـت نعـمة وثـــراء *** زخرفا في الحياة كـذا جمعته

أو تجرعت من كؤوس الغواشي *** شـظف العيش والنعيم حرمته

فاضطجاع يوم الرحيل تسـاوى *** فـيه ضيق المنى ووسع تركته

ضجعة القبر بعدها ويك مــاذا *** بعدها البعث والحساب حضرته

فاغتنم عمـرك القصير وفكـر *** فعسى أن يكـون موتـك بغته

(المنظومة الوعظية”، الأستاذ عبد السلام ياسين، ص 61-60)

نعم تأمل وتفكر.

نكتب مؤمنين بالله، مصدقين بوعد رسول الله، مجاهدين في سبيل الله، مربين مبلغين خبر الآخرة إلى الخلق عيال الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله.