نحن الآن في مستهل شهر القرآن والمغفرة والرحمة. يطيب لنا من داخل زنازن المغرب الأقصى، أن نبارك لأبناء مغربنا الحبيب، وأمتنا الإسلامية حلول هذا الشهر الكريم. فقد بشرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الشهر وأخبرنا بأن الشياطين تغل في أيامه، أن أجر الحسنات فيه يتضاعف، أن السيئات تغفر، وغير لك من الفضائل. سائلين الله عز وجل أن يوفقنا جميعا لصيامه وقيام ليله وتزكية أنفسنا وكبح جماحها عن الرذائل والدنايا. أن يعيده على أمتنا بالفتح والنصر والتمكين.

فشهر رمضان هو أفضل الشهور عند الله. تلاوة القرآن وحفظه وتدارسه وتدبر معانيه أفضل الأعمال فيه، فهو شهر أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.

شهر أشاد به القرآن، وفرض صيامه على عباده المؤمنين فقال تعالى في سورة البقرة: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”.

وورد في فضله أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرز فضل الصائم المقبل على ربه، منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه “من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه”. وفي الحديث القدسي المتفق عليه “… الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم. والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا فطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه”.

هذا هو شهر رمضان المبارك الذي خصه الله دون غيره من الشهور بالخير والبركة، والحظوة والمكانة.

فهو شهر مبارك لمن جد وتعرض لنفحات الله فيه، وانتفع بها. شهر مبارك لمن كف فيه سمعه وبصره ولسانه عما نهى الله عنه، لمن صان فيه لسانه عن الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور، ولزم ذكر الله وظل لسانه رطبا به، كثر صمته وقل كلامه وسقطه. أما من أعرض عن نفحات الله فيه، ولم ينتفع بها وحرم غفران الله فيه فقد نال الشقاوة والعياذ بالله.

شهر تطهر فيه القلوب من أنجاس الذنوب، تفتح فيه أبواب السماء وأبواب الرحمات، وتغلق فيه أبواب جهنم . فطوبى لمن استمطر فيه رحمات ربه، فاغتنم وجوده قبل عدمه فلعلنا لا ندركه بعد عامنا هذا. طوبى لمن بادر عمره القصير فتزود به لدار المصير.

يحل بنا رمضان الكريم وأمتنا جريحة، دماؤها رخيصة، أينما وليت وجهك سمعت آهاتها وأنينها. تنتهك حرمات الله في كل مكان، ويؤذى المسلمون أذى. فها هو العراق قد تحول إلى خراب ودمار، يسوده قتل يومي لا يترك لبشر ولا لمقدس حرمة. أهله يعانون الجوع دون ماء ولا كهرباء، والمحتل ينعم بثروات العراق ونفطه دون رقيب ولا حسيب. مدينة تلعفر يقتل سكانها بالمآت بل تدمر البنى التحتية والمنازل. مؤامرات تحاك ضده لتفتيته والقضاء على هويته وكينونته.

وفلسطين الصامدة ليست بأحسن حال من العراق، فما زال رجالها ونساؤها وأطفالها يتحملون القهر والبطش والحرمان في سبيل تحرير أرضهم والأقصى، ونيل كرامتهم. يقدمون في سبيل ذلك الشهيد تلو الآخر. أساليب إسرائيل في اضطهادهم لم تتغير. إسرائيل وحش كاسر لم يسلم من شره بشر ولا حجر ولا شجر.

وكل هذا يتم على مرأى ومسمع العالم أجمع. أما الأنظمة العربية السقيمة التعيسة، أنظمة الذل والعار فقد دخلت في صمت مريب رهيب تخالها ميتة. وعلى كل حال فهي جثث تتفسخ يوما بعد يوم وتنتظر أن يقيض الله لها من يواريها تحت التراب. ويبقى الأمل في هذه الشعوب المقهورة، الشعوب الإسلامية المستضعفة، وشعوب العالم أن تنهض يوما وتتحد لتخدم الحق والسلام، وتنصر المستضعفين. فتلكم قيم نبيلة ينبغي أن نتحد لخدمتها ونتعاون.

فبمناسبة هذا الشهر المعظم، شهر الصبر والرحمة والنصر والأنوار أبلغ تحية إكبار إلى كل من يتلظى بنار الاحتلال في فلسطين والعراق وغيرهما، إلى كل إخوتنا الأسرى في كافة السجون والمعتقلات الإسرائيلية خاصة معتقلي معسكرات الإبادة عوفر، ومجدو، وكيتسعوت، وغيرها. إلى الأخوات الأسيرات في سجني الرملة ونلموند وغيرهما. إلى الأم والأخت والزوجة والطفلة الفلسطينية المجاهدة، إلى كل المظلومين والمضطهدين مبشرا إياهم من سجون مغربنا الحبيب أن اصبروا وصابروا ورابطوا، فإن النصر آت، والمستقبل للإسلام. وجهادكم لن يضيع سدى. فأنتم شموع تضيئون الطريق الصحيح لهذه الأمة، فلا شك أنكم في قلوب الأمة ووجدانها. أنتم أملها ومستقبلها.

فلا يجوز أن ننسى كل هؤلاء. نخصهم بالدعاء في هذا الشهر الكريم الذي يجاب فيه الدعاء سائلين المولى عز وجل أن يلطف بأمتنا، ويمكن لها، ويستخلفها، وينصرها على أعدائها. ويتغمد شهداءنا وموتانا برحمته الواسعة، ويجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، ويدخل عليهم السرور في هذا الشهر المبرور.

وفي الختام لا يفوتني أن أهمس في أذن مخزننا الهرم وحكومته ومن يدور في فلكه أن من مقاصد رمضان إصلاح قساوة القلوب وكبح الجوارح عما نهى الله عنه عساهم أن يوقروا على الأقل هذا الشهر، فيكفوا أنفسهم عن البطش والظلم، ويكفوا ألسنتهم عما نهى الله عن النطق به حفظا لسمع شعبنا المستضعف عما ألف سماعه من كذب وزور وبهتان وفجور في وسائل الإعلام وغيرها . وبذلك روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع صيامه وشرابه”.

رمضان مبارك سعيد أهله الله علينا بالسلام والإسلام والأمن والإيمان. وكل عام وأنتم بألف خير.

المعتقل السياسي مصطفى حسيني

أحد معتقلي العدل والإحسان الإثني عشرالمحكومين ظلما وعدوانا بعشرين عاما سجنا نافذا

حرر بالزنزانة 5 بسجن فاس.