بسم الله الرحمن الرحيم. (ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن. وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء. الحمد لله). اللهم إني أعوذ بك أن تأخذني على غرة أو تذرني في غفلة أو تجعلني من الغافلين.

القلب المومن حاسة دقيقة جامعة تصبح آلة لتلقي العلم واستبصار المعلومات واستشفاف المغيَّبات على غاية من اللطف بعد أن يبرأ القلب من أمراضه في مِصحة التربية، وبعد أن تعنى به يدُ الصحبة، ويصقُله الذكر ويكشف الله عز وجل عنه غطاءه، ليجد ما وُعد الصادقون بإخلاص النية من قدم الصدق المكتوبة في سابقة علم الله تعالى.

ما كل المومنين يُعطاهم من الفتح القلبي بمقدار ما تنكشف الحجبُ للعين القلبية. وقد يكون طلب الفتح والتعلق به والتماسه بالدعاء والتضرع والأذكار الخاصة حجابا عن الله عز وجل وفتنة. فإن طلب المزيد من العلم، وإن كان مشروعا محمودا ومأمورا به في القرآن في قوله تعالى لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم: (وقل رب زدني علما)،(سورة طه، الآية: 114) قد يصرفُ طالب الحق مريد الله عن وجهته، فإذا هو قد زاغ عن قبلة الطلب، وهي وجه الله، إلى الحظوظ النفسية والمتاهات الكونية، فيكون من الهالكين.

وإن من أعداء الله عز وجل ومن كافة المشركين من يفتح الله سبحانه عليهم عوالمَه الكونية فيطَّلعون على ما شاء ابتلاؤه وكيدُه ومكرُه منها، فيغرقون في مشاهدة حقائقها، ويُصرفون عن طلب الحق وعن عالم النور إلى عالم الظلمات الكونية. هؤلاء هم أصحاب الرياضات من يوكيين وغيرهم. ويسمَّى الفتح عليهم فتحا ظلمانيا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالة له عنوانها “الظاهر والباطن”. “طوائف كثيرة آل الأمر بهم إلى مشاهدة الحقيقة الكونية القَدَرية، وظنوا أن من شهدها سقط عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد، وهذا هو دين المشركين”. [1]

أما أحباب الله، ممن شاء الله أن يكشف عنهم الغطاء، فإن عناية المولى الكريم سبحانه تسلكُ بهم فِجاج مشاهدة “الحقيقة الكونية القدرية” ويتجاوزون مخاطرها وإغراءها، لا يقفون مع شيء دون الله عز وجل. شعارُهم دائما كما يقول الشيخ عبد القادر: وإنك لتعلم ما نريد.

لنسمع إلى أهل الفن في الموضوع لكيلا يتوهم المتوهم أن الفتح والكشف وعجائب القلب حديثُ خرافة، أو أن مبالغة الصوفية ومجازهم وكنايتهم ولغتهم الغامضة سَبْحُ خيالٍ. وقد استَدْعَيتُ للشهادة في الموضوع إماما يحظى بالثقة لأنه هو نفسه لا ينتمي إلى الصوفية وإن كان يعترف ويفتخر ويتحمَّد “بالقدر المشترك” بينه وبينهم. وسترى أن صاحب “القدر المشترك” أبلَغُ بيانا وأشدُّ حرصا وأثبت كلمة في التأكيد على وقائع الفتح، وعلى طَوْرِ ما وراء الحسِّ والعقل. نستمع أولا إلى إمام صوفي، وبعده إلى الإمام المشارك ابن القيم.

قال الإمام الغزالي: “الإيمان بالنبوة أن يقِرَّ بإثبات طور ما وراء العقل، تنفتح فيه عينٌ يدرك بها مدرَكات خاصة. والعقل معزول عنها كعزل السمع عن إدراك الألوان، والبصر عن إدراك الأصوات، وجميع الحواس عن إدراك المعقولات”. [2]

وقال: “ووراء العقل طور آخر تنفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب، وما سيكون في المستقبل، وأمورا أخرى العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز عن إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز”. [3]

يقول الغزالي هذا في إثبات النبوة والفتح الخاص بالأنبياء عليهم السلام. وله في “الإحياء” حديث طويل عن فتح الأولياء وما يُعطاهم من العلم اللدنيِّ القلبي قامت عليه بسببه قيامة المكذبين منذ تسعة قرون. أما شيخ الإسلام ابن تيمية فرغم نقده للغزالي في مسائل عقلية ونقلية فإنه يتفق معه اتفاقا تاما أو يكاد في أصول المسائل القلبية. ويقول: “أنكر عليه (على الغزالي) طائفة من أهل الكلام والرأي كثيرا مما قاله من الحق، وزعموا أن طريقة الرياضة وتصفية القلب لا تؤثر في حصول العلم. وأخطأوا أيضا في هذا النفي. بل الحق أن التقوى وتصفية القلب من أعظم الأسباب على نيل العلم”. [4]

وقال شيخ الإسلام ابن القيم: “فإذا صارت صفات ربه (أي الولي المتقرب بالفرض والنفل حتى يحبه الله) وأسماؤه مشهدا لقلبه أنسته ذكر غَيره، وشغلته عن حب ما سواه(…). فحينئذ يكون الرب سبحانه سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. فبه يسمع، وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي كما أخبر عن نفسه بلسان رسوله. ومن غَلُظَ حجابه، وكثُفَ طبعُه، وصَلُب عوده، فهو عن فهم هذا بمعزل(…). وبالجملة فيبقى قلب العبد الذي هذا شأنه عرشا للمثل الأعلى، أي عرشا لمعرفة محبوبه ومحبته وعظمته وجلاله وكبريائه. وناهيك بقلب هذا شأنه! فيا له من قلب من ربه ما أدناه! ومن قُربه ما أحظاه! فهو ينـزه قلبه أن يساكن سواه أو يطمئن إلى غيره. فهؤلاء قلوبهم قد قطعت الأكوان وسجدت تحت العرش، وأبدانُهم على فرشهم كما قال أبو الدرداء: إذا نام العبد المومن عُرِجَ بروحه حتى تسجد تحت العرش”. [5]

وقال رحمه الله: “ينجذب (المريد) إليها (الآخرة) بالكلية، ويزهد في التعلقات الفانية، ويدأب في تصحيح التوبة والقيام بالمأمورات الظاهرة والباطنة(…). فحينئذ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه وطلبه والشوق إليه. فإذا صدق في ذلك رُزِق محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستولت روحانيته على قلبه(…). فإذا رسخ في ذلك فُتِح له في فهم الوحي المنزل(…) فإذا تمكن من ذلك انفتح في قلبه عينٌ أخرى، يشاهد بها صفات الرب جل جلاله، حتى تصير لقلبه بمنزلة المرئي لعينه. فيشهد عُلُوَّ الرب سبحانه فوق خلقه، واستواءه على عرشه، ونزول الأمر من عنده بتدبير مملكته، وتكليمه بالوحي، وتكليمه لعبده جبريل به، وإرساله إلى من يشاء بما يشاء، وصعود الأمور إليه، وعرضها عليه”. [6]

وقال رحمه الله: “إن الله سبحانه جعل في العين قوة باصرة، كما جعل في الأذن قوة سامعة، وفي الأنف قوة شامة، وفي اللسان قوة ناطقة وقوة ذائقة(…). وأما معاينة القلب فهي انكشاف صورة المعلوم له، بحيث تكون نسبتهُ إلى القلب كنسبة المرئي إلى العين. وقد جعل الله سبحـانه القلب يُبصر ويَعْمَى. قال تعالى: (فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).(سورة الحج، الآية: 44) فالقلب يرى ويسمع، ويعمى ويَصِمُّ، وعماه وصممُه أبلغ من عمى البصر وصممِه”. [7]

وقال رحمه الله: “المعاينة نوعان معاينةُ بصر ومعاينة بصيرة. فمعاينة البصر وقوعُه على نفس المرئي أوْ مثالِه الخارجي كرؤية مثال الصورة في المرآة والماء. ومعاينة البصيرة وقوع القوة العاقلة على المثال العلمي المطابق للخارجي. فيكون إدراكه له بمنزلة إدراك العين للصورة الخارجية. وقد يقْوَى سلطان هذا الإدراك الباطن بحيث يصير الحكم له، ويقوى استحضاره القوة العاقلة لمدركها بحيث يستغرق فيه، فيغلب حكم القلب على حكم الحس والمشاهدة. فيستولي على السمع والبصر بحيث يراه ويسمع خطابه في الخارج وهو في النفس والذهن. لكن لغلبة الشهود وقوة الاستحضار وتمكُّنِ حكم القلب واستيلائه على القوى صار كأنه مرئيٌّ بالعين، مسموع بالأذن. بحيث لا يشك المدرك ولا يرتاب في ذلك البتَّةَ، ولا يقبل عذلا”. [8]

وقال رحمه الله: “فمن فتح الله بصيرة قلبه وإيمانه حتى خرقها وجاوزها إلى مقتضى الوحي والفطرة والعقل فقد أوتي خيرا كثيرا، ولا يخاف عليه إلا من ضَعف همته. فإذا انضاف إلى ذلك الفتح همة عالية فذاك السابق حقا، واحدُ النّاس بزمانه، لا يُلحق شَأْوُهُ، ولا يُشَقُّ غبارهُ. فشتان ما بين من يتلقى أحواله ووارداته عن الأسماء والصفات وبين من يتلقاها عن الأوضاع الاصطلاحية والرسوم (قلت: يعني شتان ما بين أرباب الصدور والمتصفحين للسطور!) أو عن مجرد ذَوْقِه وَوَجده، إذا استحسن شيئا قال: هذا هو الحق!

“فالسير إلى الله من طريق الأسماء والصفات شأنه عجَب، وفتحه عجب. صاحبه قد سبقت له السعادة وهو مستلق على فراشه غير تعبٍ ولا مكدود، ولا مشتّت عن وطنه، ولا مشرد عن سكنه”. [9]

هذه كلمات قوم سلكوا الطريق وتركوا وصفا للمَشاهِدِ عسى يكون من بعدهم من يصدق الله ورسوله في وعد الله ورسوله لأولياء الله، ابتداء من مطالعة ما مَنَّ به الملك الوهاب على العباد.

يقول الطود الشامخ في أرض الولاية وسمائها الإمام عبد القادر قدس الله سره: “يا غلام! ليكن الخرَسُ دأبك، والخمولُ لباسَك، والهرب من الخلق كلَّ مقصودك. وإن قدرت أن تنقب في الأرض سِرْبا تَخْفى فيه فافعل. يكون هذا دأبَك إلى أن يترعرع إيمانُك، ويقوى قدمُ إيقانك، ويتريَّشُ جناحُ صدقك، وتنفتح عينا قلبك فتُرفَع من أرض بيتك، وتطير إلى جو علم الله. تطوف المشرق والمغرب، البَر والبحر، والسهل والجبل. تطوف السماوات والأرضين وأنت مع الدليل الخفير الرفيق. فحينئذ أَطلِق لسانك في الكلام، واخلع لباس الخمول، واترك الهرب من الخلق، واخرج من سِرْبِك إليهم، فإنك دواء لهم غير مُسْتَضَرٍّ في نفسك. لا تبالِ بقلتهم وكثرتهم، وإقبالهم وإدبارهم، وحمدهم وذمِّهم. أين سقطتَ لَقَطْتَ، أنت مع ربك عز وجل”. [10]

وقال رحمه الله: “الصدِّيق إذا فرغ من تعلم العلم المشترك (علم السطور) أدْخِل في العلم الخاص، علم القلوب والأسرار. فإذا تمكن في هذا العلم صار سلطان دين الله عز وجل، يأمر وينهى، ويعطي ويمنع بإذن مُسلطنِه”.

وقلت: وهذا معنى التصريف والفعل بالهمة. وقد مر كلام ابن تيمية الخبير بالموضوع. ومعنى الخلافة في الأرض في حق الكمل من الأولياء. وهذا لا يدركه إلا “واحد الناس بزمانه” كما مرت عبارة ابن القيم.

قال: “يصير سلطانا في الخلق، يأمر بأمر الله عز وجل، وينهى بنهيه(…). العارف واقف بباب الحق عز وجل وقد سلم إليه علم المعرفة والاطلاع على أمور لم يطلع غيره عَليها”. [11]

وقال رحمه الله: “العارف المقرَّب يُعطَى أيضا نورا يَرى به قربه من ربه عز وجل. ويرى قرب ربه عز وجل من قلبه. يرى أرواح الملائكة والنبيئين وقلوب الصديقين وأرواحهم. يرى أحوالهم ومقاماتهم. كل هذا في سويداء قلبه، وصفاء سره. هو أبدا في فرحه مع ربه عز وجل. هو واسطة يأخذ منه ويفرق على الخلق. منهم من يكون عليم اللسان والقلب، ومنهم من يكون عليم القلب ألْكَنَ اللسان. وأما المنافق فهو عليم اللسان ألْكَنُ القلب”. [12]

وقال رحمه الله: “اسمعوا هذا الكلام فإنه لب علم الله عز وجل، لب إرادته من خلقه وفي خلقه، وهو حال الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين. يا عباد الدنيا ويا عباد الآخرة! أنتم جهال بالله عز وجل وبدنياه وبآخرته! أنتم حيطان! أنت صنمك الدنيا! وأنت صنمك الآخرة! وأنت صنمك الخلق! وأنت صنمك الشهوات واللذات! وأنت صنمك الحمد والثناءُ وقبول الخلق لك! ما سوى الله عز وجل صنم. القوم يريدون وجه الله. الدنيا والآخرة موكَلَتان على باب الحق عز وجل، موكلتان في دار الطبيب، يأخذ منهما ما يريد ويطعم المريض. يا منافقون! ما عندكم من هذا خبر! المنافق لا يقدر يسمع حرفا من هذا،لأنه لا يقدر على سماع الحق. كلامي حق، وأنا على الحق.كلامي من الله عز وجل لا مني، من الشرع لا من الهوَس. ولكن آفة فهمك السقيم!

“ويحك تعلمت وما عملت بعلمك، فكيف ينفعك علمُك! ما خدمت الشيوخَ في حال شبابك، فكيفَ تُخدم في حال كبرك!” [13]

قال محب مشتاق للقاء ربه وهو سمنون المحب:

أنت الحبيب الذي لا شك في خَلَـدي *** منه، فـإن فقـدتك النفـسُ لـم تَعِـشِ

يا معطشي بوصـالٍ أنـت واهبُـه *** هل لي إلى راحة إن صحتُ: واعطشي!

وقال رحمه الله:

أمسى بخـدّي للدمـوع رسـوم *** أسفا عليك وفـي الفـؤاد كُلـوم

والصبر يَحْسُنُ في المصائب كلِّها *** إلا علـيك فـإنـه مـذمـوم

وقال رحمه الله:

كـان لي قلب أعيش به *** ضاع مني في تقلُّبـه

ربِّ فاردده عليَّ فقـد *** ضاق صدري في تطلبه

وأغِثْ مادام بي رَمَـق *** يا غِيَاثَ المستغيث بِه

وقلت:

مِنْ نَدَاكَ كَانَ لِي طَلَبٌ *** عَيـنُ قَلْبـي تُفَتِّحُهَـا

ربِّ والنصرُ تُعْجِلُـهُ *** وَأُمُـورِيَ تُنْجِحُـهَـا

وَصُــدُورُ أَحِبَّتِـنَـا *** رَبِّ للْبِـرِّ تَشْرَحُهَـا

الهوامش:

[1] الرسائل المنيرية 251.

[2] المنقذ من الضلال ص70.

[3] المصدر السابق ص57.

[4] الرد على المنطقيين ص 511.

[5] طريق الهجرتين ص 264.

[6] مدارج السالكين ج 3 ص 268.

[7] مدارج السالكين ج 3 ص 246.

[8] المصدر السابق ص 248.

[9] طريق الهجرتين ص 206.

[10] الفتح الرباني ص 48.

[11] المصدر السابق ص 182-183.

[12] الفتح الرباني ص 254.

[13] المصدر السابق ص 293.