1- الحوار: مبدأ وسلوك

تجمع الخليقة العاقلة على قيمة الحوار كفضيلة للتعايش وتدبير التوافق والاختلاف، والحوار مطلب شرعي وحكمة إنسانية نذرنا الحق سبحانه وتعالى إلى الاعتصام بها، قال تعالى: “إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”. وإذا كان التعارف طريق إلى التآلف فالتعاون، فإن الحوار يبقى مدخله الأساس ومسلكه الطبيعي.

أكد الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين منذ انطلاق دعوة العدل والإحسان على تبني منهج الحوار مع الجميع، أفرادا وجماعات، سلطة ونخبا، أحزابا سياسية وحركات إسلامية، فاعلين اقتصاديين واجتماعيين، مؤسسات مدنية وهيآت علمية، أمة في امتدادها الجغرافي وعالما على تنوعه الثقافي… حتى أصبح الجميع يشهد للرجل ودعوته بتميز منهجه الحواري وأسلوبه الرفيق.

ولعل مجرد قراءة خاطفة لكتابات الرجل وحواراته لكافية لتأكيد هذا القول، بل إن حضور كلمة “حوار” في عدد من عناوين مؤلفاته: “Pour un dialogue islamique avec l élite occidentalisée”، “حوار مع الفضلاء اليمقراطيين”، “حوار الماضي والمستقبل”، “حوار مع صديق أمازيغي” لممّا يزكي هذا الاقتناع.

الحوار عند الأستاذ ياسين مبدأ راسخ إذا، بل لا يفتأ يذكر أن الأصل فيه أنه دين وخط نبوي أصيل قبل أن يكون حكمة بشرية محمودة، إذ يقول في كتابه “الشورى والديمقراطية”: “الحوار عندنا دعوة. والدعوة نداء. والنداء صوت إمّا يرتفع معلنا خبرا مهما، وإما يكون لَغَطا وهَذَراً”(1).

من أهم من توجه إليهم الأستاذ عبد السلام ياسين بالحوار، عموم الإسلاميين العاملين لنصرة الإسلام من خلال حركات متعددة وتنظيمات متنوعة وفهوم مختلفة، يقول الأستاذ: “ولا أظن أن الفكر المسلم، والفكر الإسلامي بالذات، بحاجة إلى تصحيح المفاهيم العملية السياسية كما هو بحاجة إليه فيما يخص الخلاف ومعالجته بالمرونة والرفق الضرورين للتعايش مع طوائف الناس ومع الفصائل الإسلامية المخالفة في الرأي والمذهب والموقف السياسي.”(2)

واقع تعدد التنظيمات الإسلامية واختلافها في التصور والرؤية وترتيب الأولويات وخطط التغيير، أكبر من أن يتم تجاوزه والقفز عليه أو المعالجة السطحية له.

نقف في هذه المقالة عند بعض المبادئ النظرية التي ينبغي أن تؤطر الحوار بين الإسلاميين وفق تصور الأستاذ عبد السلام ياسين، واضعين نصب أعيننا ثراء التنوع المحمود وضرورة تجاوز التفرق المذموم. فعندما يطرح الأستاذ ياسين مسألة التعدد والاختلاف عند الإسلاميين يقر واقعا لا يرتفع ويرفع أمام العاملين مطمحا معقولا، كما يحذر من مزلق التعصب ومثالية الانصهار.

2- الحوار: واقع ومطمح

ظهرت الحركة الإسلامية في مطلع القرن الماضي بعد الغزو الاستعماري للبلاد الإسلامية وتقطيع أوصالها، وذلك بغية إعادة رأب هذا الصدع الذي هز الأمة في دينها واستقلالها ووحدتها. فتوالت الاجتهادات في تقدير الوضع وبداية الانحراف وكيفية الخروج من الأزمة، لتعطينا في المحصلة هذه التيارات المتكاثرة في البلاد الإسلامية الصادقة في مطمحها المختلفة في أسلوب عملها.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “وفيما بين الفصائل الإسلامية، والتعدد في الاتجاهات والاجتهادات أمر واقع”(3) لذلك “ينبغي أن نقبل الواقع الطبيعيَّ بصدر رحب، واقعِ وجود الخلاف عند الإسلاميين، وأن نعالجه المعالجة البناءة، وأن نَفْسَح المجال للرأي والرأي المخالف”(4).

إن التأكيد على “واقعية” التعدد و”طبيعية” الاختلاف يستمد مشروعيته من المنهاج النبوي الأصيل وسلوك الصحابة الراشدين، يقول الأستاذ: “ولتوسيع دائرة فهمنا وتليين المتخشب من عقولنا نسائل السيرة النبوية لنعرف هل كان حزب الله النموذجي الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشاد بفضله القرآن الكريم وجعله لنا أسوة ومستندا كتلة واحدة مصمتة، وهل كان الرأي واحد”(5) وبعد استعراض قصة تشاور الحبيب المصطفى مع الصحابة، الأنصار منهم خاصة، عند اعتراض المسلمين لعير قريش في غزوة بدر وبداية الجهاد، يقول: “نمسك نحن أن الأنصار كانوا كتلة إلى جانب المهاجرين، وكان لهم رأي وكانت لهم كلمة وموقف، يعبر عنهم الناطق باسمهم كما يعبر الناطق بلسان المهاجرين عن المهاجرين. والقرآن الكريم يذكر بالاسم السابقين الأولين من “المهاجرين” و”الأنصار”. أمة واحدة متكونة من فئتين متآلفتين مستقلتين. وخارج المدينة قبائل موالية من أعراب المسلمين، لكل منها قيادتها ورأيها. وكلها من حزب الله منذ أعطت ولاءها لأهل الإيمان وقاطعت الكفار”(6).

بل إن ماحدث بين الصحابة الكرام زمن الفتنة الكبرى “صنع من صنع الله تعالى لنعتبر ونتعلم أن الموافقة الصامتة لا تكون إلا بين الأموات أو المقهورين المسلوبين صوت الحرية”(7) لذلك “ليس القمع حلا لخلافنا مع المخالف، ولا زعم الكتلة المصمتة المتفقة فيما بينها أمرا ممكنا بالطبع أو الشرع”(8).

إن الإقرار بوجود الاختلاف والتعدد في الرأي لا يعني الانغلاق والتعارض الكلي وقطع الصلة، بل إنه يزداد قبولا وجمالية مع وجود التعاون والتناصر والتراحم مادام الأصل الذي يعبر عنه الإسلاميون واحد “هذه الصفوف من الإسلاميين… ما هم عندما ينكشف لك أمرهم من وراء اللافتات إلا صف واحد، وحزب واحد، يسعَـوْن لنيل رضى الله الأكبر على طريق نيِّرَةٍ واضحة ناهجة، هي طريق حمل هَمِّ الأمة ونُصرة دين الله في الأرض.”(9). ويقدم الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين مقترحا يمتزج فيه الولاء العام لدين الله وعموم المومنين مع الولاء الخاص لهذا التنظيم وتلك الحركة وهو ما يسميه “رابطة إسلامية” يقول الأستاذ: ” هنالِك تجمعات من شباب الإسلاميين ممن يبدأ معركة التصويب مع نفسه، هنالك مومنون مكتمِلو الرجولة من أهل الحِنكة والتجربة والكفاءة، هنالِك دعاة واسعو الأفق والاطلاع على تاريخ المسلمين وحاضر العالم،هنالك تقاةٌ مُتحرجون خائفون أن يموتوا وليس في عنقهم بيعة فيموتوا ميتة جاهلية. هؤلاء ينبغي أن يتألفوا في كل قطر، في رابطة إسلامية تتقدم إلى الأمة لتُعربَ عن الآمالِ المكبوتة، ولترسُم خط المستقبل الإسلامي، ولتكون النواة لتماسك اجتماعيٍّ حول لا إله إلا الله محمد رسول الله، بمقتضى الشهادة بالقسط على الأخوة والتسامح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.”(10) ويقول أيضا: ” … يُطلب ويتأكد أن تتألف في القطر رابطة عامة توحد على الوَلاية العامة الجماعات المرتبطة بالهجرة والتنظيم، والشخصيات المحنكة من الأتقياء الصالحين. تكون هذه الرابطة وجه الدعوة في الميدان السياسي، وذراعها، وقوتها. وتبقى خصوصيات كل جماعة بشرط أن تتهوى أسوار الممانعة والمنافسة، والمعاداة أحيانا، التي تحكم العلاقات بين الجماعات الإسلامية الناشئة التي لما تنضجها التجربة ولما توقفها قوة الأحزاب العلمانية وحجمها وتمكنها في الأرض على ضرورة رص الصف الإسلامي”(11)

إذن “تحت لواء الولاية العامة الواجب بين المومنين يمكن أن تنطوي ولايات خاصة متعددة. لا مانع من ذلك شرعا”(12).

بل إن الأستاذ عبد السلام ياسين يذهب إلى ضرورة التداول على الحكم بين الفصائل الإسلامية في مستقبل التمكين والخلافة الراشدة، إذ يقول: “بل أقول: ينبغي أن نتقبل حكمة التعددية وحكمة التعاقب على الحكم بين الفصائل الإسلامية. بل ينبغي أن نسعى لتوطيد دعائم الشورى على تعددية المدارس والتنظيمات والآراء والمذاهب. وعلى تحمل أعباء الحكم، وهي ساحقة ماحقة، بالتتالي”(13).

بقي أن نشير إلى تأكيد الأستاذ ياسين على أن “العناصر الصالحة للدخول في رابطة جامعة هم المومنون المتمتعون بمغناطيسية المحبة التي تجلب وتيسر وتحبب. وبذلك أمرنا الحبيب صلى الله عليه وسلم حين قال: “والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تومنوا، ولا تومنوا حتى تحابوا. ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم”. أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.”(14).

3- مزلق ومثالية

إذا كان تعدد الحركات الإسلامية وتنظيمات الإسلاميين مقبولا شرعا ومنطقا وواقعا لا يرتفع، فإن الانغلاق والتقوقع والطعن والعداء مزلق غير مقبول وسلوك مرفوض بين من يفترض فيهم أنهم طليعة قيادية في أمة يُراد جمع شتاتها.

يقول الأستاذ ياسين: “ينبغي أن نربي رجالا فوق مستوى الانتماء التعصبي فغيرهم لن يبنوا جماعة”(15). ويحذر الأستاذ من “ذات البين الحالقة للدين تشتعل أحيانا حربا ضروسا بين أنصاف المتعلمين. فإن كان جمع الجهود وحشد المومنين تحت لواء الولاية الواجبة والتعاون على البر والتقوى أمرا ضراريا فإن تقديم الضيقين وإدخالهم في صف جبهة إسلامية يراد لها اقتحام العقبات لهو التثبيط للعزائم والتهيؤ لمستقبل الجدل الذي لا ينتهي”(16) لذلك فشرط الانخراط في الولاية الجامعة “أن لا ينتصب بعض المومنين وفي يده سوء ظنه بالناس يتخذه مقرعة يحشر بها المسلمين في قفص الاتهام، كل من لا يقول مقالته فهو زائغ العقيدة.”(17).

يورد الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب الشورى والديمقراطية حقوق المسلم على المسلم كما بينتها الآيات القرآنية وأثبتتها السنة النبوية المطهرة ثم يردف ذلك قائلا: “هذه الحقوق الخاصة تصون حرمة المسلم والمسلمة وتصون كرامتها، فلا يحل لمسلم ومسلمة أن يسخر من مسلم، ولا لقوم  أي جماعة- من المسلمين أن يسخروا من جماعة. ولا يحل أن ينادى المسلم وتنادى المسلمة بلقب لا يحبانه. ولا يحل أن يشار لمسلم ومسلمة بكلمة نابية جارحة”(18) وإذا كانت هذه أخلاق واجبة في حق المسلم فهي في حق المومن القدوة والتنظيم المجاهد أحق وأوجب.

وبقدر ما يحذر الرجل من مزلق التعصب يصوب فهما مثاليا كي لا يكون عقبة في أفق الحوار بين الحركات الإسلامية المتعددة، حيث ثمة من يتصور أن ما ينبغي أن يكون عليه أمر الإسلاميين هو الاندماج الكلي والوحدة المصمتة التي لا تعدد فيها ولا آراء مختلفة معها. يقول الأستاذ ياسين: “قد يستصعب البعض أن يكون اختلاف وتعارض. ويسود لدى الإسلاميين في الجملة التصور الإجماعي التواق إلى وحدة لا يسمع فيها همس مخالف”(19). بل إن الأستاذ ،وهو ينظٌر لمستقبل الحكم الإسلامي، يحذر من مزلق الاستبداد الذي قد يتولد عن هذه الذهنية الحالمة ” يُخشى على الدعوة المرشحة على لسان كل ناطق وصامت للحكم أن تذوب في تيار السياسة. وأشد ما يكون الذوبان أن تخطئ الدعوة فتحتكر السلطان وتقمع كل معارضة وتسلك سبيل الحزب الوحيد…”(20).

4- جسر الحوار

تقَدم التنظيمات الإسلامية على خطوات تدفع في اتجاه التعارف والتقارب والتحاب، وهي مبادرات حاضرة هنا وهنالك بين هذا التيار وذاك وبنسب مختلفة. غير أن الدفع بعجلة الحوار بين الإسلاميين للسير بسرعة أكبر وفاعلية أكثر ترتبط أشد الارتباط بقيادات ربانية ترتفع بهمتها الإيمانية وبصيرتها النافذة لتقرب بين أبناء الحركة الإسلامية وتؤلف القلوب وتزرع المحبة.

يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في سياق حديثه عن التأليف بين فرق الأمة وإمكانية تجاوز خلافاتها: “لهذا كله علاج بين الأحرار العقلاء الذين يخشون الله، يرتفعون بإيمانهم وتعلقهم بربهم إلى مجالس الإحسان، وبفكرهم الرائد لوحدة المسلمين إلى حيث لا يقعقع لهم بالشنان”(21).

إن جسر الحوار ضروري لتجاوز “الجمود على الموجود” وتصحيح النظرة المثالية لمآلات الحوار، إذ التعدد واقع لا يرتفع وأفق “الرابطة الإسلامية” مطمح معقول بل ملح.

ختاما أجدني أطرق قلوب وعقول كل العاملين من داخل التنظيمات الإسلامية على اختلاف مسمياتها بهذه الحكمة البليغة للأستاذ عبد السلام ياسين: “لا ينبغي أن نؤجل الحوار، ولا أن نستعجل الوفاق”(22).

اللهم رحمة بها تؤلف قلوبنا إنك أنت الرحمان الرحيم.

المراجع:

1- الشورى والديمقراطية ص 103.

2- العدل الإسلاميون والحكم ص 147.

3- نفس المرجع ص 137.

4- نفس المرجع ن ص.

5- نفسه ص 147.

6- نفسه ص 147-148.

7- نفسه ص 137.

8- نفسه ص 149.

9- نفسه ص 22.

10- نفسه ص 277.

11- نفسه ص 278-279.

12- نفسه ص 277.

13- نفسه ص 279.

14- نفسه ص 276.

15- المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا ص 14.

16- العدل الإسلاميون والحكم ص 276.

17- ن المرجع ن ص.

18- الشورى والديمقراطية ص 148.

19- العدل ص 137.

20- نفسه ص 151.

21- مجلة الجماعة عدد 4، العقل والنقل والإرادة أو أزمة منهاج ص 35.

22- الخلافة والملك ص 52.