يحل علينا عيد الفطر المبارك لهذه السنة – أعاده الله علينا وعليكم باليمن والبركات والرحمات- والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، وفي كل أفق بعيد، يعانون الأمرين وقد اشتدت عليهم الأزمات وتوالت عليهم المحن؛ ما بين قتيل ممزقة أشلاؤه، وبين جريح مكلوم يمتد أنينه ليصل عنان السماء، وبين مشرد في الأرض لا يلوي على شيء، وبين مطرود مدفوع بالأبواب إذا سأل لا يعطى وإذا تكلم لا يأبه له، ونساء وأطفال وشيوخ وأرامل ويتامى في بلاد الله الفسيحة، لا يجدون ما يسدون به رمقهم، أو يسترون به عوراتهم، أو يطببون به أدواءهم…ولسان حالهم يقول: بأي حال عدت يا عيد ! ! !

وبعد.

فإذا كان علماؤنا الأجلاء الفضلاء يملؤون شاشات التلفزيونات المحلية والقنوات الفضائية والإذاعات والصحف والمجلات، يتحدثون فيها عن آداب العيد- عيد الفطر السعيد- وكيف ينبغي للمسلمين أن يستقبلوه بجديد اللباس، وتبادل التهاني والزيارات والاستزارات، والتطيب والتوسعة على العيال أكلا وشربا ولهوا ولعبا….. – وكل هذا حق وخبر مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- فإن صورة العيد ومشهده لن يكتمل، إخوتي أخواتي، إلا بتذكر أحوال المسلمين والمسلمات والمستضعفين والمستضعفات في هذه الأيام المباركات التي تفتح فيها أبواب السماء لتكبيرات المسلمين وتهليلاتهم وتحميداتهم وتسبيحاتهم ودعواتهم.

هل أثمرت ليالي رمضان الكريم وأيامه وقرآنه واستغفاره وتهجده وجوعه وظمأه أواصر المحبة والأخوة بين المسلمين؟؟ هل توطدت اللحمة بين أبناء هذا الدين إخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم المصطفى الأمين؟ هل ازداد إحساسنا بمعاناة إخوتنا في فلسطين وأفغانستان ولبنان والبلقان والشيشان….؟؟ ! ! !

هل فكرنا ونحن نحتسي ألذ المشروبات ونتذوق أفضل الطعام وأطيبه أن مئات الآلاف بل الملايين من أمة لا إله إلا الله ما تزال تواصل صيامها – القسري- عن الطعام والشراب لأنها لا تجد ما تجود به على أمعائها الخاوية ولو كان كسرة خبز يابسة، أو حتى ماء نهر ملوث آسن؟

إن مشاهد البؤس والظلم التي تحملها إلينا فضائيات الألفية الثالثة، والطفل الفلسطيني الذي يحمي أمه وأخواته الصغيرات، ويحمي بيته من جرافات بني صهيون أن تدكه دكا وتسويه بالأرض، والمجاهدين في أعالي الجبال بالشيشان تحت درجة حرارة تتعدى الثلاثين تحت الصفر، ينتزعون كرامتهم انتزاعا، ويصونون أعراضهم من غدر الدب الروسي وحلفائه، تجعلنا نتساءل مع ذواتنا: أليست في ضحكات أبنائنا وأطفالنا حق لأطفال فلسطين؟ أليست في موائد طعامنا حق للمجاهدين والأرامل واليتامى والمستضعفين؟ أليست في ثيابنا الأنيقة حق لمن لا يجدون ما يسترون به عوراتهم؟؟

ونقول: بأي حال عدت يا عيد؟

والمهرجون من حكام بلاد المسلمين يتزاحمون أمام الكاميرات – دعاية وسخافة ومكرا- لتقديم هبات وصدقات للأيدي المرتعشة بردا وخوفا وظلما دراهم معدودة، بعد أن يكونوا قد بذروا أضعاف أضعاف أضعاف ذلك في اللهو والعبث والبروتوكول واستجلاب الممثلين والممثلات والمفسدين والمفسدات والفاسقين والفاسقات!

إن دولة وأمة يموت فيها الناس جوعا والمستكبرون تخمة، وتداس فيها كرامة الإنسان- أي إنسان- ويقاد فيها العباد بالسوط والصلب والحديد والنار، وتذوب فيها الجثث تذويبا كما لو أننا في سقر، لا يمكن أن تظهر فيها معاني عيد عظيم من مثل عيد الفطر المبارك، لأن القلوب أصابها جفاف الإيمان، وعلاها صدأ الاستكبار والجهل بالله وعلى الله والناس.

إن الظلم ظلمات يوم القيامة. وإن أعظم ما تتقرب به هذه الأمة المحمدية عند الله عز وجل، هو أن تحارب هذا الظلم الذي ترزح تحت كلكله. فالظلم يخرب الدين والدنيا، ويفتن الإنسان عن ربه وعن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وإنما العيد عيد القلوب والأرواح والأسرار. وإنما الفرح العظيم فرح بالله وبرسول الله صلى الله عليه وسلم. وكما قال العارف بالله الإمام الحسن البصري رضي الله عنه: “كل يوم طلعت علي فيه شمسه وغربت لم أعص الله عز وجل فهو عيد”. ولله ذر ابن عطاء الله حيث أنشد يقول: فقلت خلقه ساق حبه جرعا ….. قالوا إذا العيد ماذا أنت لابسه

فقر وصبر هما ثوباي تحتهما ….. قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا

أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به ….. يوم التزاور في الثوب الذي خلعا

الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي ….. والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا

اللهم اجعل عيدنا محبتك ورضاك وطاعتك وموالاتك وذكرك والجهاد في سبيلك. وارحم هذه الأمة وفرج عنها كربها، وأبرم لها إبرام رشد وصلاح، يعز فيه أهل ولايتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر. آمين.

تقبل الله منا ومنكم، والله أكبر.