قال الوزير المبجل المحترم الذي للإشارة فقط كان وزيرا للصحة وهو المنصب الذي استحقه بعد فعلته المعروفة بطلبة كلية الطب في التسعينات قبل أن يصبح وزيرا لأشياء أخر. قال السيد الوزير عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إنها:

رؤية جديدة.هي فلسفة.هي إرادة لإعطاء المواطن المغربي الكرامة.هي تعاقد.هي شراكة.هي مقاربة ترابية.هي بلورة لفلسفة عميقة تسعى للخروج من أساليب تسيير العهد البائد.وهي…. وهي….

والحق أن السيد الوزير الكريم قد تفنن كثيرا في لغة البيان والبلاغة والفصاحة للدلالة على أهمية المبادرة والعقلية الفذة دائما التي أبدعتها،وإن كنت أرى آن السيد الوزير يرى ما لايرى ويبصر بلسانه مالا نبصر بأعيننا.ولله في خلقه شؤون.

تعالوا نتذاكر فقط ونتساءل بنية سليمة،والله، وبرغبة أكيدة في المعرفة فقط:

_ إن أهم ما طغى على هذه المبادرة الكلامية هو كلام آخر من جنس الإعلاء والتبجيل والتفخيم والتطبيل وغيرها من المفردات التي اعتدناها منذ القديم،والتي تجعل من كل ما يصدر عن المخزن القول الفصل المقدس،والوحي المنزل الذي لا يجوز في حقه الخطأ أو النسيان وغيرها من ما يعتري الممارسات البشرية.

_ إن الغريب المثير للدهشة هو أن كل أطياف الألوان السياسي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار قد أشادت بالمبادرة وعبرت عن انخراطها في تفعيل هذه المبادرة. بل والعجيب هو أن العدوى انتقلت إلى كل مؤسسات الدولة وحتى جمعيات المجتمع المدني فأصبحنا نسمع عن دخول مدرسي في إطار المبادرة الوطنية،وعن حفر آبار في إطار تفعيل المبادرة الوطنية،وعن توزيع حقائب مدرسية في إطار المبادرة.

وأظن أن تهشيم ضلوع المعطلين بجميع أصنافهم ورؤوس الراغبين في الالتحاق بأزواجهم ومنع الجمعيات الجادة المستقلة حقا،والتي تقول حقا ولا تشهد زورا أو تنطق فجورا،وقتل المواطنين في مخافر الشرطة،والقنابل المسيلة للدموع على المتظاهرين في تماسينت، والهراوات المسيلة للضلوع في وجه كل الصامدين القائمين،هي أيضا في إطار تفعيل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

_إن فهم السياق التاريخي للمبادرة كفيل بأن يطرح إشكالية الجدية في الخطاب الرسمي إذ لا تمر فترات إلا ونسمع عن كذا وكذا،ولا تمر الأيام إلا وتنكشف السوءة قبيحة مقززة.فإذا كلام الليل يمحوه النهار وإذا الأحلام والأماني لا تغدو أن تكون سرابا وخرابا ويبابا.

ما هو سياق المبادرة؟ هناك أمور أساسية ثلاثة تبرز هذا السياق:

 مرور سنوات على العهد الجديد وخفوت وضياع الآمال التي عقدت على عهد بشر بالحرية والعدل والكرامة والقطع مع ممارسات العهد البائد.فإذا البشائر كذبا وبهتانا وترقيعا وتواطؤا عاما؟ الكل أحس أن لاشيء تغير.

 مرور سنتين على أحداث 16 ماي المؤلمة،حيث وعدت الدولة إبان تلك المأساة بإخراج الناس،ساكنة أحزمة الضياع الاجتماعي،من الفقر والبؤس والإفلاس الاقتصادي التي تعد السبب في انتشار الظلامية والأفكار المتطرفة وتفريخ المنتحرين في الفنادق الفخمة وأماكن اللهو. استيقظت ساكنة أحزمة البؤس فإذا ما هيئ لها لا يعدو أن يكون أعينا مخابراتية مراقبة محصية للأنفس مدققة في الأفكار مفتشة في الأحلام عن أشياء متطرفة كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 انفضاح الوضع العام للمغرب بعد التقارير الدولية التي جعلت من البلاد بلادا للتخلف والجريمة والفضائح الأخلاقية والقمع السياسي والامتيازات الريعية، وما شئت من خزايا تجعل المغرب في ذيل عجلة الحضارة الإنسانية .

_ كان على النظام الحاكم،والوضع هو هذا، أن يبحث عن شيء جديد يمتص به الغضب الذي تلوح ملامحه لعين المراقب الخبير،وأن يبدع في أشكال وأنواع وآليات التخدير والتنويم. وإذا كانت المضامين المعلنة في المبادرة عالية سامقة لا يختلف حولها اثنان أو يتناطح حولها كبشان كما يقال. فإنه يحق لنا أن نتساءل:

 ما مصدر المبادرة؟ إنه المخزن الذي ذاق الشعب ويلاته منذ عهود وما يزال. والمبادرة تزكية له وتركيز جديد لكل السلطات في يد واحدة. نتساءل ما حاجتنا لحكومة وبرلمان ومؤسسات تدفع أجور مسؤوليها من أموال الشعب المفقر المجهل المحقر المسكين.أم أن استكمال الصورة البهية الراقية للديمقراطية العرجاء الشوهاء في حاجة إلى ديكورات كرتونية من جنس حكوماتنا و مسؤولينا لتزيين الواجهات وتلميع الظاهر. و إن كان ماخفي أعفن؟ الأحزاب الديمقراطية جدا واقفة على الأعتاب تنتظر الإشارة والعبارة لتحمل مشعل التبشير بالغد الأفضل تحت القيادة الملهمة الرائدة.الكل تبع همل في قطيع المصفقين المبجلين؟.

 أين هو الشعب؟ أين مقوماته الحية الحقيقية؟ الشعب مغلوب مفعول به منتظر مشغول بتدبير تنمية خاصة به في قوارب الموت أو أزقة المخدرات أو أحضان الفساد في الأوكار المحروسة . قواه الحية مقموعة ممنوعة خاصة إن كانت ممن يطالب بالعدل في قسمة الأرزاق وتدعو العباد إلى الخروج من عبادة البشر الضعيف المخطئ الميت إلى عبادة رب العباد، وخاصة إن كانت تدعو إلى معرفة الله ومحبته والتقرب إليه والخوف منه وحده وحده؟

 أبن هو الإنسان الفرد ؟خطاب التنمية للفرد الخائف الجائع المريض اليائس البائس خطاب هو الوهم والزور والبهتان .قال الوزير: إننا نرد الثقة إلى المواطن .كيف يثق المواطن في من مص دماء الشعب؟ في من قمع أطره وسجن عقلاءه؟ وأباح الحمى لكل عتل زنيم أفاك أثيم؟في من تعود الكذب عليه والضحك على الذقون بدون خجل أو حياء؟.

_ أرى أن المبادرة في الحقيقة:

 اعتراف صريح واضح فاضح بفشل سياسة الدولة في تسيير الشان العام.

 اعتراف بنهاية مهرجانات الإحسان الحريري(من الحريرة لا الحرير)،وبوار مواسم التسول ومأسسة التسول، وابتداع أنواع الابتزاز المقيت للبقية الباقية من الرمق الأخير من جيوب هذا الشعب .

 هي حقا وباعتراف السيد الوزير الفصيح مسلسلِ (بكسر السين) يسلسل البلاد والعباد أمام شاشات الانتظار للسكتة القلبية.في تفرج بليد على الحلقات النهائية لمسلسلات السياسات المهترئة الفاشلة.

 سرقة غير ذكية على كل حال للمقترحات الجادة والقوية الناصحة لجوهر ما جاء في المذكرة الشهيرة للأستاذ عبد السلام ياسين إلى من كان يهمه الامر.

_ إننا في الجوهر وبصراحة ربما صادمة أمام تعمية لا تنمية. أمام تعرية. أمام “سكاتة” ملهية مستمرة في إنتاج نفس ممارسات الاستكبار والاستعلاء والإملاء.

ترى ما هو الحل لمسار حقيقي لتنمية حقيقة؟

البوابة المثلى لتنمية بشرية فعلية في بلادنا,لها مداخل أساسية نوجزها في:

 حوار وطني شامل صادق حقيقي بين كل القوى الحية في البلد بدون إقصاء وعلى أعين الشعب وتحت سمعه وبصره، تنتج عنه جمعية تأسيسية تضع دستورا تجتمع حوله الأمة.

 تفكيرجاد في نوع المشروع المجتمعي الذي نريده لهذا الشعب. مشروع يحترم عقيدة الشعب وتاريخه وما شكل دائما عمقه التاريخي والوجودي.

 محاربة الهزيمة النفسية،و ذهنيات الانتظار.والذهنيات الرعوية القطيعة. ولن يكون ذلك إلا بمحاربة اليأس والتيئيس،وبعث الأمل والتفاؤل. وهو الأمر الذي نعتقد انه لن يحصل إلا بربط هذا الشعب وربط الإنسان فيه بالوعي الأسمى،وعي آن لا إلا الله، بربطه بمحفزات طلب ما عند الله ورجاء ما في اليوم الآخر.ذلكم هو الوقود المحرك الدافع الرافع بإذن الله.

بجملة واحدة نقول :

كفانا استغفالا واستحمارا.

وإنه الإسلام أو الطوفان.

وإن غدا مشرقا لناظره قريب ..قريب.