سؤال كيفية تدبير الحكم

ذ. خالد العسري – [email protected]

كنا بسطنا القول في مقال “سؤال شرعية الحكم” – ينظر في الموقع- أن للشورى أركان أربعة لا تكتمل إلا بهن جميعا، وقد توقفنا في ذلك المقال عند الركن الأول أو ما أسميناه بسؤال شرعية الحكم، سنتمم الحديث في هذا المقال لعرض الركن الثاني، والله الهادي إلى سواء السبيل.

لقد توصلنا في المقال السابق أن أمر جماعة المسلمين لا يستقيم إلا أن يقيم المؤمنون كل ما أمروا به شرعا، والمدخل الشرطي لكل ذلك أن يكون السلطان منهم لا عليهم، فوجب الانتباه إلى “منكم” في قوله تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم. فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون بالله واليوم الاخر. ذلك خير وأحسن تاويلا ( [النساء:59] ، إن ولاية الأمة على نفسها، واختيارها لأولي الأمر منها هي اللازمة الأولى للشورى القرآنية المجيبة عن السؤال التأسيسي للحكم أو إن شئت فقل: سؤال مشروعية الحكم.

اللازمة الثانية: كيفية تسيير الشأن العام أو سؤال كيفية تدبير الحكم

إن المؤمنين  كما تبين الآية السابقة – لا ينسحبون بعدها من الحياة العامة يكلون كل أمورهم إلى أولي أمرهم، بل يشاركونهم الأمر مجادلة ونصيحة ورأيا، فإن حصل نزاع جُعل الشرع  لا الحاكم  حَكَما في كل شيء، فإن ظهر الحق بينا، وانتصرت جماعة لنفسها حمية وغصبا، فإن المعول أن يتظاهر المؤمنون لنصرة الحق، موعظة ونصيحة لمن اتبع الهوى، أو حملا للسلاح وخوضا للقتال لمن اعتدى وإن كان من المؤمنين، قال تعالى: (وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما. فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله. فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا. إن الله يحب المقسطين) [الحجرات:9]. فالقرآن حض على الانحياز لغير الفئة الباغية، ولم يشرع الحياد أو مقولة عدم الانحياز، أو أن تستقيل الأمة عن مهماتها.

إن المبايعة لا تنهي شراكة المؤمنين الخليفة أمور الحكم، بل إن سؤال تدبير الشأن العام موكول إلى شورى المؤمنين، أمرا ربانيا وسنة نبوية، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما استثنى أصحابه في اتخاذ القرارات سواء في مرحلة كانت الدعوة فيها تنظيما أرقميا مكيا يلاقي من الإيذاء شتى الصنوف، أو عند تمكن الدعوة من إنشاء دولتها المدينية حيث ظلت الشورى أمرا مسايرا لكل تقلبات الظروف، وهذا أمر لتثبيته في حق التابعين للهدي النبوي بقي قرآنا يُتلى حتى لا تعصف به عوادي الاستبداد. قال تعالى في سورة الشورى وقد نزلت في المرحلة المكية: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) [الشورى:38]، فالشورى سلوك المؤمنين وإن لم يكونوا إلا جماعة دعوة في حالة استضعاف يخافون أن يتخطفهم الناس، فلا يتعللون بالظرف الأمني، وبضرورة حفظ أسرار التنظيم من أن يجعلوا الشورى أمرا مشاعا في الصف، اتكالا على الله عز وجل، واتباعا لهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، وائتمارا بالأمر الرباني، وإلا فإن ما قاساه النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام أكثر من أن يستقصى، فما منع سمو مقام النبوة أو التهديدات المحيطة بالدعوة الوليدة من أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم الشورى ركيزة من ركائز دعوته، وإن أشد ما يتهدد الحركة الإسلامية غدا بعد تمكنها أن ينفرد بالحكم أناس من قادتها، يقصرونه على أنفسهم بعد أن يكونوا قد ألفوا امتلاكهم السلطة المطلقة داخل تنظيماتهم، ولن يُعدموا عندها ما يتعللون به دفعا لإلزامية الشورى، تلويحا بالتهديدات الخارجية، وبظروف المرحلة الانتقالية، وبتربص أوتاد النظام البائد… وإنما العبرة بآي الكتاب وسيرة أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم.

العبرة بآي الكتاب الآمرة للنبي صلى الله عليه وسلم بالاستمرار في مشاورة المؤمنين رغم ما يبدو من حصادها المر المحصل عليه في أرض الواقع. قال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم. ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر. فإذا عزمت فتوكل على الله. إن الله يحب المتوكلين) [آل عمران:159]، لقد نزلت هذه الآية عقب وقوع نتائج للشورى تبدو في غير صالح اتباع منهاجها، فلقد خرجت قريش حتى بشيبها ونسائها تبغي الثأر لما وقع لها في غزوة بدر الكبرى، فاستشار الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين في الخروج إليهم أو مقاتلتهم على أبواب المدينة المنورة، وكان رأي النبي صلى الله عليه وسلم ” أن يقيم بالمدينة يقاتلهم فيها، فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا: أتخرج بنا يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأحد؟ ورجوا أن يصيبوا من الفضيلة ما أصاب أهل بدر، فما زالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لبس أداته، فندموا وقالوا: يا رسول الله أقم فالرأي رأيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه. قال  الضمير عائد على الراوي – وكان لما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ قبل أن يلبس الأداة: إني رأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة، وإني مردف كبشا فأولته كبش الكتيبة، ورأيت أن سيفي ذا الفقار فَلَّ فأولته ورأيت بقرا تذبح فبقر والله خير فبقر والله خير”.

استجاب النبي الرحيم عليه أفضل الصلاة والتسليم لرأي الأكثرية، ووقع ما وقع في غزوة أحد بعد أن عصى الرماة أوامر النبي صلى الله عليه وسلم فنزلوا من الجبل لتنقلب المعركة لغير صالح المسلمين، وهذا جعل من المحتمل منطقيا أن يُصرَف النبي الكريم عن إشراك المسلمين في تدبير شؤونهم وانفراده بها دونهم، وما كان من أحد ليعترض على القيادة النبوية الراشدة، وأنى لمن أُشرب قلبه الإيمان أن يعترض على المصطفى المختار! لكن الأمر تربية لأجيال المسلمين من بعده حتى لا ينفرد بأمرهم آحاد الناس، بل يكون المسلمون شركاء في اتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية، يعرضون ما يحزبهم من أمر في مجالسهم، فيتداولون الآراء إلى أن ينتصروا لإحداها، فإن عُزم على رأي قاموا قومة الرجل الرشيد الواحد متوكلين على الله، سائلين إياه نصره وتوفيقه، مجمعين أن لا نكوص على الهدي النبوي في الشورى وإن كان حصادها مرا، وهل من أَمَرَّ مما وقع في غزوة أحد ! لكن الأمر الإلهي نزل قرآنا يتلى إلى ما شاء الله (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) “ليقرر المبدأ في مواجهة أخطر الأخطار التي صاحبت استعماله، وليثبت هذا القرار في حياة الأمة المسلمة أيا كانت الأخطار التي تقع في أثناء التطبيق، وليسقط الحجة الواهية التي تثار لإبطال هذا المبدأ في حياة الأمة المسلمة كلما نشأ عن استعماله بعض العواقب التي تبدو سيئة، ولو كان هو انقسام الصف كما وقع في “أحد” والعدو على الأبواب.. لأن وجود الأمة الراشدة مرهون بهذا المبدأ. ووجود الأمة الراشدة أكبر من كل خسارة أخرى في الطريق!”. إن اشتراك المؤمنين مع إمامهم المبايع في تسيير الشأن العام هو اللازمة الثانية للشورى القرآنية المجيبة عن السؤال الكيفي التنظيمي المسطري للحكم أو إن شئت فقل: سؤال تدبير الحكم.

الهوامش:

(1) أخرجه أبو عبد الله الحاكم النيسابوري في: “المستدرك على الصحيحين” وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

(2) الشهيد سيد قطب: “في ظلال القرآن” في تفسير للآية المذكورة.