يعد البحث العلمي مقياسا للتطور الاقتصادي لكل بلد. فالبلدان التي تولي اهتماما لهذا القطاع تستطيع أن تنافس على أعلى المستويات في الميدان الاقتصادي. وعلى العكس، تعاني الدول ذات الاقتصاديات الضعيفة من تواضع البنية التحتية العلمية والتقنية. وحالة المغرب لا تشكل استثناء عن هذه القاعدة. وفي هذا الإطار، وإن كان استقصاء مواطن الخلل في واقع البحث العلمي بالمغرب ليس هو الغرض من هذا الموضوع، إلا أنه يركز على الاختلالات التي لا تحتاج ملاحظتها إلى كثير عناء.

اختلال في التمويل:

يحدثنا تقرير كتابة الدولة في البحث العلمي لسنة 2002-2003 (1) أن نسبة الإنفاق على البحث العلمي من الناتج الداخلي الخام للمغرب انتقلت من 0.3 بالمائة سنة 1998 إلى 0.7 بالمائة سنة 2002 ثم إلى 0.79 بالمائة سنة 2003. لكن التقرير لم يشر إلى أن هذه الزيادة المحسوبة على البحث العلمي تعود بالأساس إلى رفع التعويضات عن البحث المصروفة لصالح كل من يتوفر على إطار “أستاذ باحث” بشكل جزافي وبغض النظر إن كانوا يقومون فعلا بأنشطة للبحث. أضف إلى ذلك أن التسيير الإداري يمتص أغلب الميزانية كما هو شأن الإدارة ببلادنا.

ثم إنه من المعروف أن الدول المتقدمة تصرف حوالي 3 بالمائة من ناتجها الداخلي الخام على أنشطة البحث والتنمية، ويعد كثير من الخبراء حاجز 1 بالمائة كحد أدني للحديث عن اقتصاد مرتكز على البحث الابتكار. وتعد مساهمة القطاع الاقتصادي الحر مهمة للغاية، حيث تعمل الشركات على تخصيص استثمارات لا يستهان بها لفائدة البحث والتطوير داخل وحدات خاصة وتربط شراكات مع مراكز البحث والجامعات.

ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، يعد القطاع الاقتصادي أهم مصدر للموارد بشكل واضح. فابتداء من سنة 1980 تجاوزت مساهمة هذا القطاع المساهمة الفيدرالية لتصل إلى رقم قياسي سنة 2000 بمبلغ 180 مليار دولار وتصل 177 مليار دولار سنة 2002 أي ثلثي المصاريف الإجمالية البالغة 276 مليار دولار برسم نفس السنة (2). وقد أصبحت بعض البلدان السائرة في طريق النمو مثل الهند والبرازيل وكوريا الجنوبية تنفق أكثر من 1 بالمائة من ناتجها الخام على أنشطة البحث والتنمية مما انعكس فورا على اقتصادياتها في الآونة الأخيرة.

ضعف في المحتوى:

يتفرع قطاع البحث والتنمية إلى ثلاثة مجالات أساسية: أولا، البحوث الأساسية التي تروم التراكم المعرفي دون أن يضع الباحث في حسبانه إمكانية تطبيق المعرفة المحصلة منها. ثانيا، البحوث التطبيقية التي تستقي مواضيعها من المسائل التطبيقية. وأخيرا البحوث التنموية التي تختلف عن سابقتها بكونها تهدف الوصول إلى منتوجات بعينها أو تطوير الموجود منها.

وفي هذا الإطار يمكن تصنيف جل البحوث المنجزة ببلادنا ضمن خانة البحوث الأساسية على الغالب، بحيث لا تكاد تجد من البحوث التطبيقية والتنموية إلا النزر القليل. ورغم أن الإحصائيات الرسمية (3) تشير إلى نشر ما يقرب من 1010 مقال من طرف الباحثين المغاربة، إلا أن المتفحص عن قرب لا يجد صعوبة في تبين أن أغلب تلك البحوث ذات طابع أساسي بالدرجة الأولى. ومن المؤشرات الدالة على ذلك عدد الطلبات المسجلة بشأن براءات الاختراع، والتي لم تتعد 252 حسب نفس التقرير(4). وللمقارنة، ففي الولايات المتحدة، سجلت سنة 2001 مجموع 166.000 براءة اختراع(5).

والسبب في عدم إقدام الباحثين المغاربة على البحوث التطبيقية، ليس هو انعدام الكفاءة لديهم، ولكن يرجع إلى انعدام المختبرات ومراكز البحث المجهزة بالشكل المطلوب وكذا عدم وجود شراكة حقيقية مع القطاع الاقتصادي، بالإضافة إلى الغياب الواضح لأي إرادة سياسية في المجال.

ونشير بهذا الخصوص إلى ضعف الإنتاج العلمي الحقيقي الذي يسهم في تقدم مسيرة العلم. فهناك عدد كبير من الجهود تضيع في بحوث لا طائل من وراءها خصوصا في “العلوم الإنسانية” تتلخص في ترجمات للإفرازات الغربية في الميدان. وحتى البحوث في العلوم الدقيقة، فلا يجب أن يغتر المرء بكمية المنشورات. فباستثناء بعض البحوث القيمة فعلا، نجد أن الأغلبية لا تضيف جديدا، إذ أن المؤشر الحقيقي ليس هو عددها، لكن هو عدد الإحالات على تلك البحوث من طرف المجلات العالمية المتخصصة والذي يبين فعلا مدى الإضافة النوعية في التراكم العلمي العالمي.

اختلال في “السياسة العلمية”:

لا توجد لدى الحكومة سياسة علمية بالمعنى الحقيقي للكلمة. ففي البلدان ذات السبق في الميدان، يدخل حقل البحث-التنمية (ٌRecherche-Développement : R&D) ضمن مجال أعم هو حقل العلم والتكنولوجيا (Science-Technologie : S&T). هذه السياسة تتناول تدبير المجال العلمي والتقني بصورة شاملة تبدأ من برامج التعليم نفسه والاعتناء بالنبغاء وتمر بالمحيط الجامعي دون أن تغفل الجانب الاقتصادي، وكل ذلك في منظومة منسجمة للتجديد والابتكار.

وبين هذا وذاك، يشكل المجال الإعلامي وسيلة فعالة لنشر الثقافة العلمية في المجتمع، حيث يولى أهل العلم والنبغاء المكانة اللائقة بهم بدل تقديم أبطال الأمة على أنهم الفنانون والرياضيون (بعد محترفي السياسة طبعا).

وليس من العبث أن نجد بعض الدول تشكل مجالس على مستوى أعلى هيئة تنفيذية من أجل الإشارة في القضايا التي تهم العلوم والتكنولوجيا. ونذكر بهذا الصدد: مجلس سياسة العلوم والتكنولوجيا (Office of Science and Technology Policy) بالولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة العلم والتكنولوجيا ببريطانيا ومجلس العلم والتكنولوجيا باليابان…

غياب سلم للأولويات:

بالرجوع إلى التقارير الرسمية وبالنظر إلى الواقع، يلاحظ أن الحكومة لا تستند في تدبير ملف البحث العلمي إلى أية أولويات واضحة. “الأولويات” الوحيدة التي يُتحدث عنها تتعلق بما يسمى “البرنامج الموضوعاتي لدعم البحث العلمي: PROTARS”. وهي في الحقيقة ليست سوى تصنيف حسب الموضوعات لأحقية التمويل بالنسبة للبرنامج فقط.

إن الأمم التي تحترم نفسها وتاريخها تتخذ منظومة من القيم تحكم توجهها وتترجم عن هويتها ثم تسطر على ضوئها أولويات تأخذ بعين الاعتبار الطموحات المرجوة بالنظر إلى الإمكانيات المتاحة. فعلى سبيل المثال، قسمت اليابان غاياتها من البحث إلى مجموعات(6):

– الإسهام في ضمان إمداد مستقر للموارد: الطاقة، الغذاء، الماء…؛

– المساعدة في توفير بيئة مرغوبة العيش وتقديم الحلول لمشكلات البيئة؛

– الإسهام في الحفاظ على الصحة؛

– إنتاج أساليب علمية أساسية رائدة؛

– دعم التعاون الدولي وتدعيم القدرة التنافسية للصناعة اليابانية.

ومن المفيد للغاية أن نقوم بمقارنة مع الأولويات التي سطرتها الحكومة الأمريكية، وهي كالآتي(7):

– الدفاع الوطني؛

– أبحاث وتكنولوجيا الفضاء؛

– الطاقة؛

– الصحة؛

– العلوم العامة والأبحاث الأساسية؛

– الموارد الطبيعية والبيئة؛

– المواصلات؛

– الزراعة.

يتضح جليا الاختلاف بين الخيارين الياباني والأمريكي، ففي الوقت الذي يركز فيه اليابانيون على البحوث السلمية للرفع من تنافسية اقتصادهم، نجد المجال العسكري والسباق نحو التسلح الهاجسين الأوليين لدى الأمريكان ثم تليه المجالات الأخرى.

وإذا كانت الميزانية الضخمة للدول العظمى تسمح لها بقدر من التوسع في تسطير أهدافها فكيف يكون الأمر بالنسبة لبلد ذي ميزانية جد محدودة؟ أفلا يجدر بنا أن نسطر الأولويات ونكون صارمين بشأنها؟

إهمال المصالح الوطنية:

علاقة بالأولويات، نجد قطاعات عديدة تشتكي من ضعف في بنية البحث العلمي المتعلق بها في الوقت الذي تمثل فيه تلك القطاعات مجالات حيوية بالنسبة للبلاد. فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي يتحدث فيه الكل عن المغرب كبلد فلاحي بالدرجة الأولى، نجد أن البحوث في المجال الزراعي جد هزيلة ليس فقط في مؤسسات التعليم العالي، بل في “المعهد الوطني للأبحاث الزراعية ” نفسه الذي تمتص ميزانية تسييره 73 بالمائة من ميزانيتة العامة، ثم لك بعد ذلك أن تتساءل عن القدر الذي يخصص للبحث. ونفس الأمر بالنسبة للمعهد الوطني للدراسات البحرية ومراكز البحث أخرى. ولم يتم التفكير في إحداث “معهد الدراسات والأبحاث حول التصحر” إلا في إطار المخطط الخماسي 2000-2004، غير أنه لا يبدو أنه سيفلت من حبال البيروقراطية وعدم الفعالية مادامت تلك العقليات مترسخة في الإدارة المغربية ككل.

ونسوق هنا ثلاثة أمثلة عن مدى التجاوب مع المصلحة الوطنية. ففي سنة 1958، أصدر الكونجرس ما سمي بالقرار الخاص بالتربية من أجل الدفاع الوطني حين أفاق الأمريكان على خبر إطلاق السوفييت للمركبة الفضائية سبوتنيك. كان محتوى القرار هو تكوين أشخاص ذوي خبرة علمية وتقنية حتى لا تكون الولايات المتحدة عرضة للمفاجئات في ميادين العلوم والتكنولوجيا مجددا. وبُعيد أحداث 11 سبتمبر 2001، اتخذت الحكومة الفيدرالية مجموعة من الإجراءات، يهمنا منها أن ميزانية البحث العلمي المتعلقة بمحاربة الإرهاب (8) قد تضاعفت ست مرات بين سني 2000 و2003. ومؤخرا، أوردت مجلة Nature في عددها لشهر شتنبر 2005 بأن إعصار كاترينا الذي ضرب سواحل الولايات المتحدة بولاية لويزيانا وخلف دمارا كبيرا، سيغير من أولويات الحكومة الفيدرالية في ميدان البحث العلمي(9).

صحيح أن المزاج الأمريكي يتسم برد الفعل، لكن الدرس معنا هنا هو غياب أي نوع من الحساسية لدى الأجهزة المقررة ببلادنا اتجاه المصلحة الوطنية.

كيف يجب أن تكون أهدافنا:

إذا كانت كل دولة تشتق أهدافها من هويتها وترسم خططها بناء على تلك الأهداف، فحري بنا نحن الدولة المسلمة أن نفتخر بديننا ونبني وننسج عليه لا على منوال غيرنا. من دون هذا المنطلق، سيكون نسجنا نسج عنكبوت. وفي هذا الإطار نورد هدفين رئيسيين للبحث العلمي من منظور إسلامي، منهما تشتق الأولويات. أولهما أسبق من ثانيهما، ولا غنى لنا عن أحد منهما:

الأول: هدف تفكُّري: حيث لا تعتبر المعرفة غاية في حد ذاتها (المعرفة من أجل المعرفة). بل تكون وسيلة لمعرفة الخالق تبارك وتعالى ومعرفة بديع صنعه في الآفاق والأنفس والتفكر في كل ذلك كما أمرنا سبحانه ذكرا له ولأسمائه.

الثاني: هدف تسخيري: حيث تُستغل المعرفة المحصلة والعلم بنواميس الله في الكون وقوانين الطبيعة من اجل الانتفاع بالكون الذي سخره الله لنا.

فمن الهدف الأول نشتق علوم الإحسان والعلوم الشرعية بالإضافة إلى الضروري من العلوم الأساسية والتخصصية التي تعرف بنواميس الله في الكون وفي الإنسان. ومن الهدف الثاني نشتق العلوم التطبيقية والتكنولوجية والهندسية بكل أنواعها.

إذا ثبت هذا لدينا، أمكننا بعد ذلك، وبعد ذلك فقط، أن نصوغ ما شئنا من الأولويات القصيرة والبعيدة المدى، ونرتب عليها سياسة تكون من صنع أيدينا لا مستوردة أو ملفقة، ولن نحتاج إلى “خبراء أجانب” من أجل تقويم نتائج عملنا.

بعد ذلك نستفيد من التجارب الإنسانية الناجحة التماسا للحكمة أينما وجدت، لا بهدف المحاكاة البليدة والاستيراد العشوائي للتكنولوجيا، بل من أجل العمل على توطين العلوم والتكنولوجيا في بلادنا مع التدريب واكتساب المهارات اللازمة وبناء تلك القاعدة العلمية المتينة التي بدونها تستعصي التنمية المنشودة. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “هدف التعليم المرجو بناء القاعدة العلمية التقنية البحثية العملية التطبيقية “للعمران الأخوي” الذي نعبر به عن فهمنا وقصدنا للتنمية… ” (10)

والله المستعان، وهو يهدي السبيل.

الهوامش:

(1) تقرير كتابة الدولة في البحث العلمي: La recherche scientifique- rapport d activités 2002-2003, page 17

(2) Science and Engineering Indicators 2004, NSB, National Science Foundation, www.nsf.gov/sbe/srs

(3) تقرير كتابة الدولة في البحث العلمي 2002-2003، ص 15.

(4) نفس المصدر ص 16.

(5) Science and Engineering Indicators 2004, NSB, National Science Foundation www.nsf.gov/sbe/srs

(6) أولويات الحكومة في سياسة العلم والتكنولوجيا: كليم تيسديل، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، الطبعة الأولى 1989، ص 162.

(7) نفس المصدر ص 188-189.

(8) U.S. Office of Management and Budget, Annual Report to Congress on Combating Terrorism (Washinton DC 2002)

(9) Nature 437, 452-452 (22 Sep 2005) Editorial

(10) الأستاذ عبد السلام ياسين، “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين”، ط. 1، ص. 174.