بسم الله الرحمن الرحيم. (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد). اللهم إني أسألك الذي هو خير في عاقبة أمري. اللهم اجعل ما تعطيني من الخير رضوانك والدرجات العلى في جنات النعيم.

أخرج البخاري في صحيحه في كتاب العلم حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: “حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين من العلم. فأما أحدهما فقد بَثَثْتُه، وأما الآخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم”. قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: “حمل العلماء الوعاء الذي لم يبثَّه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم. وقد كان أبو هريرة يُكْني عن بعضه ولا يصرِّح به خوفا على نفسه منهم كقوله. أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان، يشير إلى إمارة اليزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين للهجرة”. وقال: قال ابن المنير: “جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم، حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرا وباطنا، وذلك الباطن إنما حاصله الانحلال من الدين”.

قلت ولا يزال الخلاف في فهم حديث أبي هريرة قائما بين الصوفية وبين أهل الحديث، الصوفية يستدلون به على وجود علم خاص علَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أمثال حذيفة وأبي هريرة دون بعض، يتعلق بما يسمى “علم الحقيقة” والمحدثون يسدُّون هذه الذريعة وينكرون هذا التفسير مخافة أن يدخل على الدين ما ليس منه كما فعل الباطنية الكفار الذين تأولوا الدين من أوله إلى آخره زاعمين أن ظاهر الشريعة قِشْرٌ على الباب، وملهاة للعامة، وأن الحقيقة وراء مظاهر ما يُتلى وظواهر ما يُفعل.

وفي اشتراك الصوفية مع غيرهم من الزنادقة في استعمال كلمتي “باطن” و”ظاهر” ما يعرِّض كلامهم لسوء الفهم. وليس إطلاع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حوادث الغيب المستقبلة كأحوال أمراء السوء وزمنهم وإطلاعه خاصة من أصحابه عليها أمراً قادحا في الشريعة، كما لا يقدح فيها إطلاع الله بعضَ عباده، من خاصة أحبابه، رأسا، بوحي منام أو إلهام، على حوادث كونية ودقائق فهمية. ولا يزال أئمة هذا الدين منذ عهد الصحابة إلى الآن يعرفون للصالحين من نور القلب ولا ينكرون.

ولئن وقف طائفة من المحدثين على ذريعة التعارض المحتمل بين الظاهر والباطن ليصدوا الزنادقة ويمنعوهم عن التلاعب بالدين فإن كبار الصوفية أنفسهم كانوا في طليعة من حارب الباطنية وجادلهم وكفرهم، ناهيك بكتاب الغزالي في “الرد على الباطنية”.

يقصد السادة الصوفية بمصطلح “علم الباطن” ما يفتح الله للصادقين من علوم قلبية وأنوار هي، إلزاما، نتيجة تطبيقهم للشرع ووفائهم لأمره ونهيه وأقواله وأفعاله، مع إخلاص النية وتوجه الهمة لله عز وجل. روى ابن أبي شيبة والدارمي حديثا مرسلا بإسناد حسن عن الإمام حسن البصري قال: “العلم علمان: فعلم في القلب فذاك العلم النافع. وعلم على اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم”.

وقال الإمام مالك: “من شأن ابن آدم أن لا يعلم ثم يعلم. أما سمعت قوله تعالى: “إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا”؟ وقال أيضا: “إن الحكمة مَسْحَةُ مَلَك على قلب العبد”. وقال: “الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد”. وقال: “يقع بقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله وأمرٌ يدخله الله القلوب من رحمته وفضله”.

هذا كلام واضح في أن أئمة الدين قبل ظهور كلمة “تصوف” كانوا على علم تام بنور القلب والحكمة و”مسحة الملك”، بل كانوا من أهل هذا الشأن أصالة وبحق. وكيف لا يكونون كذلك وإنما يقذف الله عز وجل نور الحكمة في قلب من أقرَّ في قلبه الإيمان فرعى الشريعة حق رعايتها.

وقد كان الإمام الشافعيُّ صاحب فراسة وكشف كما سنقرأ إن شاء الله في فقرة مقبلة. وهو الذي كتب في رسالته: “العلم علمان: علم عامة لا يَسَعُ بالغاً غيرَ مغلوب على أمره جهلُه(…)، (وعلم خاص ب) ما ينوب العبادَ من فروع الفرائض وما يخص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب ولا في أكثره نص سنة. وإن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة”.

وإن كان الإمام الشافعي، والصوفية يعتبرونه من خاصة أولياء الله، لم يتحدث عن أنوار القلب في الرسالة كحديث مالك رحمه الله، فإنه أصَّل لمن بعده، كما قرأنا، مفهومين أساسيين: “العامة” و”الخاصة”. وللمستشرقين وتلامذتهم وَلوعٌ بالحديث عن “الخاصة” و”العامة” يتخذون المفهومين سنداً وآلة لتحليل التاريخ الإسلامي والفقه الإسلامي على هواهم تحليلا ماديا طبقياً. كما يلعبون على التقابل بين “الظاهر” و”الباطن” ليعمقوا فكرة أن التصوف فلسفة دخيلة على الإسلام دين البدو الغلاظ، لم يعرفوا شيئا عن القلب ونور القلب إلا من مخالطتهم للحضارات والديانات العريقة عند الفرس والروم والسِّند والهِند.

نفتح كتاب الله عز وجل لنقرأ من خبر موسى مع العبد الصالح الذي سمته السنة خضراً. أخبرنا الله عز وجل أن موسى رحل مع فتاه، بوحي من الله، ليلقى (عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما). (سورة الكهف، الآية: 64)

بقية القصص الحق تدل على أن من عباد الله من يعلمهم الله من عنده، ومن يأمرهم بأمره، ومن ينصبهم معلمين لعباده. قال الخضر لموسى حين التقيا: (إنك لن تستطيع معي صبرا. وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا. قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا). (سورة الكهف، الآية: 68) وجاء في صحيح البخاري، كتاب التفسير، عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخضر قال لموسى: “يا موسى! إنك على علم مِن علم الله علمكه الله لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه”. وجاء بالقصة في سياق طويل.

في قول الله عز وجل (وعلمناه من لدنا علما) مُستَمسَك القائلين بالعلم اللدُني، مُستمسَك ومرجع للمصطلح، أما المصطلح عليه فعطاء من الله عز وجل لا يد لأحد فيه، و(ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها). (سورة فاطر، الآية: 2) وفتح الله لأوليائه خبَرٌ متواتر على مر الأجيال، يُنكره من جَهل ويجحده من حُرِم. وما علينا إلا أن نُسمع شهادة الحق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

الخضر عليه السلام شخصية مباركة، ثبت في الصحيح، كما قال الحافظ، أنه جاء الصحابة معزِّيا في وفاة رسول الله صلى عليه وسلم. ويقول بعض المحدثين، وفي مقدمتهم الإمام البخاري، أنه عليه السلام مات بعد ذلك، بينما يؤكد أئمة آخرون من أهل الحديث أنه حي يُرزق أنظره الله إلى يوم يبعثون. قال الإمام ابن الصلاح في فتاويه: “أما الخضر صلى الله عليه وسلم فهو من الأحياء عند جماهير الخاصة من العلماء والصالحين، والعامة معهم في ذلك. وإنّما شذَّ بإنكار ذلك بعضُ أهل الحديث. وهو صلى الله عليه وعلى نبينا وعلى آل كلٍّ وسلم نبي. واختلفوا في كونه مرسلا. والله أعلم”.

وقد ألف الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني رسالة سماها: “الزهر النَّضِر في نبإ الخضر” نقل فيه عن الإمام النووي المحدث الكبير الصوفي من خاصة أهل الله قوله: “قال الأكثرون من العلماء هو (أي الخضر) حي موجود بين أظهرنا. وذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة. وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه وحضوره في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثرُ من أن تُحصى وأشهر من أن تذكر”.

شيخ الإسلام ابن تيمية ممن يؤكد في كل مؤلفاته أن الباطن هو أصل الظاهر وعمادُه، وإن كان يحذر من تصور الشيطان لبعضهم يزعم أنه الخضر. ويشدد ابن تيمية رحمه الله وأحسن إليه في أمر الاتباع كما يشدِّد النّكير على من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء بعلم الظاهر ولم يجئ بعلم الباطن، وكلامه في غاية الجودة. قال: “إن كل من بلغه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا يكون وليا لله إلا باتباع محمد صلى الله عليه وسلم. وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أرسل إليه، ومن ادعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من له طريق إلى الله لا يحتاج فيها إلى محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر ملحد. وإذا قال: أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة فهو شر من اليهود والنصارى(…). وكذلك هذا الذي يقول: إن محمدا بُعث بعلم الظاهر دون علم الباطن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض، فهو كافر وهو أكفر من أولئك، لأن علم الباطن، الذي هو علم إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها، هو علم بحقائق الإيمان الباطنة. وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة”.

هذه كلمة رجل شديد سديد في موضوع “العلم علمان”. وهاك كلمات أئمة هذا الشأن ممن لهم الباع الطويل في علمي الظاهر والباطن.

قال الإمام الرفاعي: “لا تقولوا كما يقول بعض المتصوفة: نحن أهل الباطن، وهم أهل الظاهر. هذا الدين الجامع باطنه لُبُّ ظاهره، وظاهره ظرف باطنه. لولا الظاهر لما كان الباطن ولما صح. القلب لا يقوم بلا جسد. بل لولا الجسد لفسد. والقلب نور الجسد.

“هذا العلم الذي سماه بعضهم بعلم الباطن هو إصلاح القلب. فالأول (علم الظاهر) عمل بالأركان، والثاني (علم الباطن) تصديق بالجنان. إذا انفرد قلبك بحسن نيته، وطهارة طويَّته، وقتلت وسرقتَ وزَنَيْتَ وأكلت الربا وشربت الخمر وكذبت وتكبرت وأغلظت القول فما الفائدة من نيتك وطهارة قلبك. وإذا عبدت الله وتعففت وصمت وصدَّقت وتواضعت وأبطن قلبك الرياء والفساد فما الفائدة من عملك؟

“فإذا تعين لك أن الباطن لب الظاهر، والظاهر ظرف الباطن، ولا فرق بينهما، ولا غنى لكليهما عن الآخر فقل: نحن من أهل الظاهر، وكأنك قلت: ومن أهل الباطن. قل نحن من أهل ظاهر الشرع وقد ذكرت باطن الحقيقة. أيُّ حالة باطنة للقوم لم يأمر ظاهر الشرع بعملها. أيُّ حالة ظاهرة لم يأمر الشرع بإصلاح الباطن لها؟

“لا تعملوا بالفرق والتفريق بين الظاهر والباطن، فإن ذلك زيغ وبدعة.لاتهملوا حقوق الفقهاء والعلماء، فإن ذلك جهل وحمق.لا تأخذوا بحلاوة العلم وتُبطلوا مرارة العمل، فإن تلك الحلاوة لا تنفع إلا بتلك المرارة. وإن تلك المرارة تتيح الحلاوة الأبدية”.

كلام معلم كبير يعالج أمراض الغرور عند بعض المريدين الحديثي العهد بالانتساب للقوم، تحدوهم نشوة الأذواق وسكرة القلوب ونورانية الكرامات فتختل موازينهم.

أما الأولياء الكمل فيعطون كل ذي حق حقه، ويعظمون أهل العلم، لاسيما العاملين منهم، وإن كانت أعين قلوبهم التي صقلها الذكر وأحيتها الصحبة وفتح لها فضل الله ترى ما لا يراه الغافلون. هم مع الخلق بالحواس المشتركة الظاهرة والعقل المشترك، وهم لهم حاسة باطنة هي القلب المنور.

قال الإمام عبد القادر رحمه الله: “العقلاء النجباء الصديقون قد نُفِخَ في صورهم، وقد أقاموا القيامة على نفوسهم، وأعرضوا عن الدنيا بهممهم، وعبروا الصراط بتصديقهم. وساروا بقلوبهم حتى وقفوا على باب الجنة. وقفوا عندالطريق وقالوا: لا نأكل ولا نشرب وحدنا، لأن الكريم لا يأكل وحده. فرجعوا إلى الدنيا قَهْقَرى يدعون الناس إلى طاعة الله عز وجل، ويخبرونهم بما هناك، فيسهلون الأمور عليهم.

“من قوي إيمانُه، وتمكن في إيقانه، رأى بقلبه جميع ما أخبره الله عز وجل به من أمور القيامة. يرى الجنة والنار وما فيهما. يرى الصور والمَلَك الموكل به. يرى الأشياء كما هي. يرى الدنيا وزوالها، وانقلاب دول أهلها”.

قلت: ما كتمه أبو هريرة بعد أن أخذه رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من هذا القبيل. وليس خبر الدنيا وزوالها وانقلاب دول أهلها ما يشغل العارفين الكمل.

قال الشيخ عبد القادر: “يرى الخلق كأنهم قبور تمشي. وإذا اجتاز على القبور أحسَّ بما فيها من النعيم والعذاب. يرى القيامة وما فيها من القيام والمواقف. يرى رحمة الله عز وجل وعذابه. يرى الملائكة قياما والأنبياء والمرسلين والأبدال والأولياء على مراتبهم. يرى أهل الجنة يتزاورون، وأهل النار في النار يتعاوَوْن.

“من صح يقينه نظر بعين رأسه الخلق، وبعين قلبه فعل الله عز وجل فيهم، يرى تحريكه وتسكينه لهم، فهذا نظر العزة. من أولياء الله عز وجل من إذا نظر إلى شخص رأى ظاهره بعين رأسه، وباطنه بعين قلبه. وينظر مولاه عز وجل بعين سره”.

قال عالم حر، معتز بعلمه، صائن له بالعمل والتقوى:يقـولون لي فيك انقباض وإنمـا *** رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما

إذا قيل: هذا مَوْرد، قلت: قد أرى *** ولكن نفس الحر تحتمـل الظمـا

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي *** لأَخدُم من لاقيت لكـن لأُخْدَمـا

أأغرسـه عِـزا وأجنيـه ذِلـةً *** إذاً فاتباع الجهـل كـان أحزمـا

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم *** ولو عظّموه في النفوس لعُظِّمـا

ولكن أهانـوه فهـان ودنّسـوا *** محيّاه بالأطمـاع حتـى تَجَهَّمـا

قلت:سَاعَةُ العُسْرَةِ دَقَّتْ *** يَا جُنُودَ الله قُومُـوا

وَأَعِدُّوا مَا اسْتَطَعْتُم *** عُدَّة الدِّيـنِ عُلُـومُ

عِلْمُ قَرآنٍ وَوَحْـي *** عِلْمُ دُنْيَـا لا تَـدُومُ

الهوامش:

[1] نقلا عن “الموافقات” للشاطبي ج 4 ص 61.

[2] رسالة الشافعي ص 154.

[3] فتاوى ابن الصلاح الجلد الأول من الرسائل المنيرية ص 24.

[4] انظر الرسائل المنيرية المجلد الثاني.

[5] الفرقان ص 73.

[6] البرهان المؤيد ص68.

[7] الفتح الرباني ص 93.