ماذا عن الشورى؟تختلط الأفهام وتختلف حول الشورى عندما تنظر إلى الممارسة السياسية الحديثة المتحدرة من المساق الديمقراطي المستقر على أنظمة حديثة مستقرة تتداول فيها السلطة بين المكونات السياسية بطرق سلمية. ننظر إلى بلداننا الإسلامية فنجد أنظمتنا الحاكمة قد استقرت على حكام يرفضون أيَّ معارضة جادة ويعيشون على تزكية الديدان والمنتفعين. حكام جبر جثموا على صدور شعوبهم و”باركهم” المجتمع الدولي لأن المصلحة كل المصلحة  الاقتصادية خصوصا- مع استقرار هذه الأنظمة. أما مقولات التحديث فهي تعيش في أوهام النخبة لا غير، وفي ممارسات شكلية تتيح لبعضهم أن يأكل حقه من الكعكة الديمقراطية.

والشورى، نظام بعيد المنال، عاش لبعض الوقت من قرون عدة، كحلم من الأحلام انقضى واستيقظ المسلمون على كابوس حكم السيف، واليوم تلوك الكثير من الألسنة هذه الكلمة دون أن تستطيع التمييز بينها وبين ديمقراطية شرطها اللازم معانقة اللادينية، تشرئب الأعناق إلى ديمقراطية إسلامية كانت واقعا حيا على عهد الخلافة الراشدة.

في القرآن الكريم سورة تحمل اسم الشورى وتبين السياق الذي يجب أن تمارس فيه الشورى، نجملها فيما يلي:

1- يقين في كون الدنيا متاع قليل، لأنه ما عطل الشورى إلا حب الدنيا وحب الخلود فيها.

2- يقين في كون الآخرة خيرا للإنسان وأبقى.

3- التوكل على الله.

4- الكف عن الآثام والفواحش.

5- الابتعاد عن الغضب للنفس.

6- الاستجابة لله تعالى استجابة كاملة.

7- إقام الصلاة.

8- الإنفاق في سبيل الله.

9- محاربة البغي.

بين ركنين من أركان الدين الصلاة والزكاة تأتي الشورى بهذه الصيغة “وأمرهم شورى بينهم” لتبين مرتبتها وبيئتها. والأمر الشأن المهم، وعلى رأس الشؤون المهمة للمسلمين، تدبير أمور حياتهم في مجال الحكم.

وفي سورة آل عمران نجد قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم. ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر. فإذا عزمت فتوكل على الله. إن الله يحب المتوكلين) الآية 159. دعوة للأمير أن يستشير أهل الرأي في المهم من الأمور مع كل ما يحيط هذه الاستشارة من حنو ورحمة وصفح ودعاء.

خلافة الصديق:اجتمع الأنصار بعد أن فشا خبر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في سقيفة بني ساعدة، وعقدوا العزم على تولية سعد بن عبادة. فسمع بالخبر عمر بن الخطاب فأرسل إلى أبي بكر في دار رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان آل بيته وعلى رأسهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه منشغلين بجهازه. ذهب الرجلان  عمر وأبو بكر- وصحبهما أبو عبيدة بن الجراح إلى الأنصار، ودار بينهم جدال، أو لنقل تبادل في الرأي وتشاور حول من سيخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان من بين الاقتراحات الأنصارية “منا أمير ومنكم أمير” أي حكومة تناوب، لكن الأمر حسم على مبدأ أن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش. هذا مبدأ عام لأن السيادة في ذلك الوقت كانت في جزيرة العرب لقريش. لم يكن هناك نص شرعي كما يؤكد ذلك مؤلف كتاب “محاولة في تصحيح المسار” للأستاذ زيد بن علي الوزير، لأنه كان من الأولى أن يتولى الأمر أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتا، لكننا نجد أن “مجتمع السقيفة” اختار أبا بكر رضي الله عنه نظرا لسنه وسابقته وبلائه وحظه من الله. فهو أول من أسلم في الرجال ولازم النبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته وشهد المشاهد كلها ولم يفته شيء. وكان الصديق عند التحاق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى يفوق الستين من عمره، في حين أن عليا كرم الله وجهه لم يجاوز الثلاثين إلا بقليل. لا شك أن فارق السن كان له دوره، لكن الدور الحاسم الذي حتم اختيار أبي بكر، لم يكن إلا القدر الذي تعجله الأنصار إثر اجتماعهم في السقيفة لاختيار أمير منهم والتحاق المهاجرين الثلاثة بهم لتدارك الموقف أثناء انشغال آل البيت بجهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا فإن عمر بن الخطاب زمن خلافته في عام حجه سمع “أحدهم” يروج أن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقام خطيبا في الناس فقال فيما رواه الشيخان عنه في خطبته: “قد بلغني أن فلانا منكم يقول: لو مات عمر بايعت فلانا فلا يغترنّ امرؤ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وتمت ألا وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله وقى شرها، وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر وإنه كان من خيرنا حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم…” ثم يشرح ملابسات بيعة أبي بكر وما دار من تبادل للرأي إلى أن يخلص إلى قوله: “أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمرا هو أوفق من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم، ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فيه فساد” (1).

لا شك أن هذا الحدث الذي اقتضى هذه الخطبة من الفاروق سيشكل لديه تصورا واضحا عن المنهاج الذي يجب اختيار الحاكم بواسطته، فعمر لن يترك أمرا خطيرا كالخلافة إلى مجرد الفلتات، والشيء نفسه يصدق على الصديق الذي سيشكل حدث السقيفة لديه تصوره الخاص للحكم.

لقد كان من بين آخر ما قال وهو على فراش الموت: “وددت أني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن هذا الأمر؟ فلا ينازعه أحد” (2). هذا السؤال كان سيوفر على المسلمين الكثير ويضمن وحدة كلمة الصحابة من أنصار ومهاجرين، والحاجة إليها ماسة في وقت فقد القيادة، وأبو بكر رضي الله عنه قد رأى ما أسرع ما ارتدت العرب  عدا قريشا وثقيفا- بمجرد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورميهم المسلمين عن قوس واحدة، حتى عادوا “كالغنم في الليلة المطيرة” حسب وصف بعض المؤرخين. ترى ماذا كان سيكون مصير الإسلام لو تضافرت هذه المصائب الخارجية مع مصيبة تشتت كلمة الجماعة المؤمنة؟.

كل هذه الأحداث والمخاوف كانت حاضرة في ذهن الصديق وهو يفكر فيمن سيلي من بعده أمر المسلمين. وكان يحضره أيضا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحدا حتى يتناسق المنهاج النبوي في الحكم مع المنهاج الإلهي الوارد في آية “وأمرهم شورى بينهم”، وإلا فإن الأمر سيصبح نوعا من الملك الوراثي تتداول فيه السلطة بين أبناء البيت الشريف الذين لا نشك في مكانتهم وعدالتهم في الأزمنة المتقدمة غير أنهم غير معصومين وعرضة لأن يتحولوا إلى ملوك العض والجبر كما حصل في العهود المتأخرة، بل ومنذ زمن العباسيين. إذن سيعمل الصديق على أن يستخلف دون أن يغفل الشورى.

خلافة الفاروق:ذكر ابن سعد عن الواقدي مرفوعا إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: لما نزل بأبي بكر رحمه الله الوفاة دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر، فقال: يا خليفة رسول الله هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل، ولكن فيه غلظة، فقال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرا مما هو عليه. ويا أبا محمد قد رمّقته، فرأيتني إذ غضبت على الرجل في الشيء أراني الرضا عنه، وإذا لنت له أراني الشدة عليه، لا تذكر يا أبا محمد مما قلت لك شيئا، قال نعم. ثم دعا عثمان بن عفان، قال: يا أبا عبد الله، أخبرني عن عمر. قال: أنت أخبر به. فقال أبو بكر: علي ذلك يا أبا عبد الله، قال: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأن ليس فينا مثله. قال أبو بكر رحمه الله: رحمك الله يا أبا عبد الله، لا تذكر مما ذكرت لك شيئا، قال: أفعل. فقال أبو بكر: لو تركته ما عدوتك، وما أدري لعله تاركه، والخيرة له ألا يلي من أموركم شيئا، ولوددت أني كنت خلوا من أموركم وأني كنت فيمن مضى من سلفكم، يا أبا عبد الله لا تذكرن مما قلت لك من أمر عمر ولا مما دعوتك له شيئا”. ثم ذكر أنه جمع الناس وخطب فيهم قائلا: “أترضون بمن استخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا” (3).

بايع الناس عمرا فكانت أيامه مضرب المثل في العدل والشورى، وتوسعت دولة الخلافة شرقا وغربا وتوطدت دعائمها وازدادت بالتالي المسؤولية وازدادت المخاوف علة هذا الوليد  الخلافة الراشدة- من أن تعصف به الرياح، حتى كان العام الواحد والعشرون بعد الهجرة وهو العام الذي حج فيه عمر بن الخطاب وسمع ما سمع من مسألة “الفلتة”، بدأ يفكر مليا كيف يجنب الأمة ويلات الاختلاف على الحكم. ويبدو أن أسلوب الصديق لم يرُق له حيث إنه لم يُرد تحمل تبعات استخلاف رجل واحد، ولعله لم يدر أن أبا بكر قد استشار أهل المشورة والرأي قبل أن يتخذ قراره ذاك. وهكذا فإن عمر بن الخطاب سيؤسس لأسلوب جديد في اختيار الحاكم: نموذج تعدد المرشحين حتى يتسع مجال الاختيار والشورى، فاختار ستة من بقية العشرة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض بعد أن استثنى ختنه سعيد بن زيد لأنه لا يريد لرجل آخر من آل الخطاب أن يتحمل تبعات الخلافة يوم العرض على الله. إن عمر هنا وفيٌّ لأسلوب سلفه في أمر استبعاد القرابة وقد سمعناه يتلو في بيان استخلاف عمر: “ولا وليت ذا قرابة”. إن أسلوب الشيخين الصارم هذا سيفتح باب المعارضة في زمن خلافة عثمان رضي الله عنه، من قبل الصحابة حول استعمال الخليفة رجالا من أهل قرابته، خصوصا وقد كان فيهم من ليس له سابقة ولا غناء مقارنة مع الأحياء من الصحابة.

إن مسألة استبعاد القرابة ليست إلا اجتهادا قصد به الاحتراز من تحول الحكم من الخلافة إلى الملك وإلا فإن من أبناء الخلفاء كعبد الله بن عمر رضي الله عنهما من كان أهلا لتولي الحكم. ونجد أيضا أن أمير المؤمنين عليا كرم الله وجهه عندما سئل عند احتضاره عن مبايعة ابنه الحسن قال “ما آمركم ولا أنهاكم” (4).

خلافة ذي النورين:أسفرت الستة عن تولي عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد أن تكفل عبد الرحمن بن عوف باستقراء رأي الصحابة وسائر المسلمين القادمين إلى المدينة. تبين له أن الناس يميلون إلى ذي النورين. ولا شك أن هناك عوامل عدة تضافرت لتعطي هذا الاختيار الذي كان قد انحسر في عثمان وعلي بن أبي طالب أولا ثم مال الناس إلى عثمان.

فعندما أصبح الأمر محسوما على مستوى “أصوات عامة الناس” كان عثمان أوفر حظا، لأن بني أمية قومه أكثر عددا من بني هاشم قوم علي كرم الله وجهه.

ثم إن الظروف الاقتصادية والاجتماعية قد أثرت على النفوس. فالدولة قد اتسعت بشكل كبير ودخل أقوام كثر إلى الدين الإسلامي ليس لهم نفس حظ الصحابة من التربية، بل إن الصحابة أنفسهم كانوا متفاوتين فيها، فكان منهم السابقون الأولون وكان منهم الطلقاء وكان منهم من جاء عام الوفود. وإن السنوات التي أمضاها المسلمون في خلافة الشيخين كانت مطبوعة بطابعهما في الزهد والتقلل اقتداء وتوقيرا، فلما أتيحت لهم فرصة التوسع في الدنيا، خاصة وأن الأموال قد انصبت على بيت مال المسلمين صبا، والناس يعرفون كرم صاحب بئر رومة كما يعرفون تقشف أبي الحسن، اختاروا التوسع على التقشف.

وهكذا اختار المسلمون عثمان بن عفان خليفة لهم، والاختيار مسؤولية واستعداد لتحمل تبعات هذا الاختيار. إن الخليفة له الحق في اختيار عماله ومساعديه حسبما يراه معينا له على القيام بأعباء الخلافة. ولهذا فإن اختيار عثمان لذوي قرابته أعوانا له لم يكن خطأ محضا، والاحتجاج الذي قام في وجهه لم يكن له قوة حجة، وبالتالي فإن قتل الخليفة الراشد كان ظلما محضا.

خلافة أبي الحسن:يذكر الطبري في تاريخه أنه لما قتل عثمان رضي الله عنه، قتله الثوار القادمون من مصر وعلى رأسهم الغافقي بن حرب، ومن الكوفة بزعامة الأشتر بن مالك ومن البصرة مع حكيم بن جبلة، بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي. أتى الناس عليا كما ذكر الطبري مرويا عن الشعبي، وهو في سوق المدينة وقالوا له: ابسط يدك نبايعك قال: لا تعجلوا، فإن عمر كان رجلا مباركا، وقد أوصى بها شورى، فأمهلوا يجتمع الناس ويتشاورون، فارتد الناس عن علي ثم قال بعضهم: إن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان ولم يقم بعده قائم بهذا الأمر، لم نأمن اختلاف الناس وفساد الأمة، فعادوا إلى علي” (5) عادوا ليبايعوه، فقال لهم “ففي المسجد، فإن بيعتي لا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين” بايعه الناس في المسجد ومنهم كبار الصحابة بمن فيهم ومن خرج بعد ذلك عن هذه البيعة أمثال الزبير وطلحة رضي الله عنهما. فكانت بيعة شرعية مكتملة الشروط.

ومن أسف أن زمن خلافته انقضى في حروب الفتنة الكبرى، وإلا فإن كفاءته السياسية التي صقلت بتجارب الخلفاء السابقين تفوق بكثير كفاءته العسكرية، كان من الممكن أن نرى أسلوبا جديدا وفذا في تسيير الدولة واختيار الحاكم، وأن تكون التجربة السياسية في مجال الشورى أكثر غنى، لكن، لله الأمر من قبل ومن بعد.

وخلاصة القول إن الشورى في اختيار الحاكم ليست على نسق واحد في الخلافة الأولى، وكذا تكون في الثانية.

الهوامش:

(1) تاريخ الخلفاء للحافظ جلال الدين السيوطي ص 51-52. دار الكتب العلمية بيروت  لبنان.

(2) تاريخ الأمم والملوك للطبري جزء 2 ص 54. دار الكتب العلمية بيروت  لبنان طبعة 1995م.

(3) تاريخ الطبري ج 2 ص 352.

(4) م. ن. 3/157.

(5) الحكم الإسلامي بين النقض والإبرام، محمد دحان، ص 32-33.

(6) تاريخ الطبري ج 2 ص 696.