الطواحين التعليمية تخرج أفواجا من اللفظيين. يعزف الطلاب والأسر عن التعليم العملي التطبيقي. وتصبو الأسر ويصبو الطلبة لنيل الشهادات العليا وما تخوله من مكانة وجاه وأبهة ومال قبل كل شيء.

والطموح شيء محمود، حتى الطموح لتجاوز الأقران شيء محمود، حتى الطموح للمال والجاه والمكانة الاجتماعية حافز مهم من الحوافز، عليه يعمل العاملون في بلاد تقدر الاجتهاد والتفوق.

فإذا كان الجهاز التعليمي فيه خلل، وكانت الشهادة العليا تُمنح تقديرا للمواهب النظرية فإن طموح الطالب والأسرة يصب في اتجاه عام نحو الشلل العملي للمجتمع. كل يسارع للشهادة العليا، وفي الطريق يسقط الجمهور، ويصَفّى من يُصَفى، ويحتج من يحتج على غلق الأبواب أمام الطموح.

والنتيجة تسرب الجمهور من الطلبة ورسوبهم. ولو وجه ذوو الذكاء والمؤهلات الوسطى توجيها فنيا عمليا لصنعنا منهم ناجحين لا فاشلين. ولظهرت الصفوة المتوسطة من ذوي المهارات العملية التي عليها تبنى التنمية.

كتبت في العنوان كلمة “تدريب” وكلمة “علمي” وكلمة “عملي” وكلمة “خلقي”. التدريب يعني التعليم بالممارسة الفعلية والمعاناة والتكرار حتى يتقن المتعلم ما يعالجه وتكون له مؤهلات الإتقان.

واقتران العلم بالعمل والخلق يعني أن عقلنة بلا روحنة، وتدبيرا بلا هدف، وعلما بلا عمل، وعملا بلا صلاح، صناعة للفشل ولاستمرار ما هو كائن على ما كان.

هدفنا عمران أخوي، فمن كون الهدف عمرانا ـ قل تنمية لنتفاهم ـ فالمطلوب مهارات فكرية عملية تطبيقية، ومن كونه أخويا فالأخلاق لازمة متلازمة.

العمران تصنيع وبيئة اجتماعية تقدر الصانع.

التصنيع مستقبل من لا يريد أن يبقى مستهلكا مستوردا تأكل المديونية كيانه.

التصنيع والعمران يَصلحان مع تدريب عال يخرج من ميدان النظريات إلى الواقع العيني التعليم العالي. ويصلحان بتعليم متوسط وتدريب متوسط ليعطي المتعلم أحسن ما عنده.

العمران الأخوي يريد الاستخدام الأمثل للقدرات، واستيعاب كل أفراد الأمة. ولا يستخدم ولا يستوعب التسابق غير المتكافئ للشهادات العليا الرائجة وحدها مهما كان مضمونها في مجتمع المظاهر ومكافحة الفصحاء القوالين غير الفعالين. دع عنك الرشوة والغش.

من الاحتباسات العائقة للتنمية عدم ملاءمة التعليم لأهداف التنمية. احتباس له أهميته القصوى بعد احتباس صناعة القرار السياسي المحتكر، وبعد الاحتباسات الخلقية والإدارية وعوائقها الخلقية من رشوة ومحسوبية وخيانة واختلاس وظلم.

ارتباط التعليم بالعملية الاقتصادية ضروري ليتحول التعليم من تلقين نظري إلى تدريب عملي.

محيط منتج يشجع تعليما منتجا. ولا تعليم ينتج بغير التدريب العملي التطبيقي الذي يجد سوقا في محيطه.

لو تأملنا وقارنا بين المنظومات التعليمية عندنا وعند الدول المتقدمة صناعيا واقتصاديا لوجدنا أننا ننظر إلى سماوات التمني بينما ينظرون هم إلى أرض الواقع بعيون تبحث عن الجدوى حين تتطلع عيوننا إلى الخيال. فينجحون ونفشل.

نأخذ مثالا صريحا في هذا المعنى هو نظام سويسرا. سويسرا المهارات الدقيقة. سويسرا مستوى المعيشة والرخاء على أعلى مستوى. لا أدري هل لا يزال دخل الفرد السويسري أعلى دخل في العالم أو فاته أعراب النفط.

سويسرا تقدر حق قدرها عبقريات بنيها وبناتها وتشح بها أن تهدر وتتسرب وتضيع.

لذلك فنظامها التعليمي التدريبي كما يلي: تسع سنوات في التعليم الأساسي حيث يتلقى الأطفال المبادئ العامة مصحوبة بإثبات الباعث إلى الإنجاز العملي والجدية والمكافأة العادلة للجهود.

ويغدو الطفل يافعا في حوالي الخامسة عشرة، فيوجه تسعون في المائة من خريجي التعليم الأساسي إلى المدارس المهنية حيث يتدرب كل يافع على ما تشير به الاختبارات الفرزية المدققة تدقيقا سويسريا. حرفة يتخصص فيها وهو غض الإهاب، هيئ لها قبل ذلك تهييئا نفسيا، وحصرت فيها الأسرة طموحها، وقدرها المجتمع تقديرا، وكافأها المركب الصناعي مكافأة.

تسعون في المائة لا سبعون. ونبأس نحن ونيأس ونحتج إن لم يتجاوز السالكون إلى التعليم الثانوي الخمسين في المائة. تسعون في المائة من جنود للتنمية مدربين معبئين مقدرين. واحسب أنت كم يضيع من خريجي طواحيننا !

في سويسرا الصناعات المتقدمة والمنتوجات المتقنة المفضلة عالميا يسلك إلى الثانوي سبعة في المائة لا سبعون. ولا يتعلم هؤلاء تعليما متوسطا نظريا فحسب، بل التدريب العملي دائما هو الهدف.

نصف السبعة في المائة يسلكون إلى التعليم العالي ليتلقوا دائما مع التعليم تدريبيا.

وهكذا يترابط النظام التعليمي ويتسلسل ويتماسك. ففي أعلى السلم عبقريات للبحث العلمي (العملي التطبيقي دائما). وفي الوسط كفاءات وسطى (عملية تطبيقية دائما). وفي القاعدة جمهور ماهر منفذ.

سلم الأجور هناك، وفي البلاد المصنعة المتقدمة، لا يعطي العامل الماهر جزءا من مائة من أجر الموظف المحظوظ كما هو الحال في تخلفنا. إذا تجاوز أجر الموظف المحظوظ الأرقى في السلم أربعة أضعاف أجر العامل قامت قيامة الاحتجاج.

وللعبقرية مجالها المفتوح للنجاح بلا حدود. نجاح في العلم والابتكار، ونجاح في الكسب والجاه.

في سويسرا وغيرها من البلاد المصنعة المتقدمة علوميا واقتصاديا مكاتب متخصصة في “صيد الرؤوس”، أي صيد الأدمغة النابغة. لا تبحث الشركات العالمية الكبرى عن النابغ في النظريات والفصاحة، بل تبحث وتمول بسخاء القدرات العملية الممتازة المتدربة.

ونعود بالنظرة إلى واقعنا لنرى كيف نطوره إلى حال أفضل. البنية الصناعية عندنا في طور النشوء، ضعيفة عاجزة عن ولوج السوق العالمية، بل هي عاجزة حتى عن تعويض الاستيراد.

تنتظر هذه البنية أن تحتضنها النخبة المتعلمة إن تدربت واحتكت بالصناعة العالمية، وان ترفعها إلى المعايير العالمية للمنافسة.

ينتظر المنتجون المحليون من يقنعهم بربحية البحث العلمي ليساهموا في تمويل البحث العلمي.

تنتظر البنية وتنتظر الأسرة والمجتمع والطالب أن تقود الجامعة والنخبة العاملة العلومية الرحلة من سوء استخدام القوات العاملة، ومن انفصال التعليم عن عملية التنمية، إلى حسن استخدام واتصال.

وينتظر الكل أن يحل محل الاضطراب السياسي الاجتماعي الذي يدني مكانة العامل ولا ينصف الكفاءات ولا يشجع العمل، ويرفع الحثالة اللافظة الطاعمة الكاسية في أحضان الفساد والوصولية.

ينتظر الكل أية استراتيجية وأي مستقبل يستقر عليهما اختيار الأمة.

بالذاتية المستعارة المقلدة، بالتباهي الأجوف والمظاهر نبقى عاجزين عن كبح جماح التغيرات العشوائية، وعن مواجهة التحديات المصيرية.

بداية مستعارة ونمط استهلاك استيرادي بمقتضاه يتعايش البؤس والترف في مرجل الكراهية نبقى عاجزين عن تنظيم حاجات المجتمع الحقيقية الرخائية. من أسبق هذه الحاجات تدريب علمي عملي خلقي ملائم.