لا يخفى على أحد أن حرية وحق الاختلاف لا موقع لهما في المؤسسات والأنظمة المستبدة التي تسعى جاهدة لقمع كل من يحمل رأيا مخالفا، ورميه بشتى التهم الرخيصة قصد النيل من شخصه والاستخفاف بآرائه وإدخالها في خانة الآراء الشاذة التي ينبذها المجتمع. وتعد بلادنا، ككل الدول العربية، من تلك الدول الرائدة في قمع الآخر المخالف لأفكار المخزن وسياساته العرجاء المبنية غالبا على الفساد والاستبداد.

هذا الواقع الذي تتخبط فيه شعوبنا اليوم المثخن بجراح الديكتاتورية، والموبوء بالفساد والتخلف والاستبداد يستنكره الإسلاميون والفضلاء وذوو المروءات أشد استنكار ويتشوفون إلى مستقبل قريب أفضل نقطع فيه مع الظلم الجاثم على صدر الأمة، ومع الأنظمة الشمولية التي شاخت وانهارت معنويا وتنتظر ساعتها ليجرفها الطوفان. مستقبل يسوده العدل، وتضمن فيه الحقوق والحريات.

فهل حقا سيكون الغد الذي نعمل ونسعى إلى تحقيقه أفضل حالا مما نحن عليه اليوم ؟، وبمعنى آخر ما هي ضمانات حرية الاختلاف في العهد الجديد القادم الذي ننشده ؟.

فالحقيقة أن ضمانات حرية الاختلاف ليست مجرد وعود تعطى، وإنما لا بد من تأسيس آليات، اقتضتها سنة الله تعالى في كونه، لصيانتها بدءا من تربية الإنسان، ومرورا بإحداث توازن بين الدولة ومكونات المجتمع، ووصولا إلى إنشاء الدولة القوية العادلة. ولهذا يمكن لنا أن نضمن حرية الاختلاف والتعبير والتعددية الفكرية بما يلي:

أولا- إعداد أفراد الشعب وتربيتهم على التعبير وثقافة الاختلاف. فالمجتمع غير المستعد تربويا وثقافيا يؤول الاختلاف وحرية التعبير تأويلات قد تكون مخيبة للآمال، وقد تشكل سندا للاستبداد، كجعل حرية التعبير أو التعددية الفكرية مرادفة للفوضى… والواقع أن ضمان حرية التعبير والاختلاف دليل على نضج النظام السياسي الحاكم، وقدرته على الحكم.

وهذا الإعداد مهم، وطريقه وعر شديد، فينبغي أن يحظى بالأولوية إذ ليس من السهل استئصال مرض الغثائية وداء الأمم الذي حل بنفوسنا، فقد عشنا قرونا تمتد إلى فترة الانكسار التاريخي ونحن في غياب تام عن حرية التعبير وغيرها من المعاني القريبة منها. وسيكون للدعوة ورجالها ومؤسساتها الدور الأكبر في محاربة كل الذهنيات السلبية من قطيعية ورعوية منقادة وغيرهما، وبناء الإنسان الذي يصنع التاريخ والحياة.

ثانيا- إحداث توازن بين الدولة ومكونات المجتمع يحول دون انقلاب الدولة على المجتمع. فتوازن القوى من شأنه أن يضمن حرية الاختلاف المشروع، والتعددية الفكرية، وكل ما يساهم في بناء المجتمع وتنميته. والمطلوب من الدعوة أن تبقى قوية ومستقلة الوجود تحافظ على إشعاعها الروحي وخدمتها للأمة، وفي نفس الوقت تؤطر الدولة وتوجهها الوجهة السليمة، وتحمي مبادئ العدل التي قامت عليها.

ثالثا- على الدولة أن تكون قادرة ومستعدة لتمثيل الشعب وعكس طموحاته في مواقفها وسلوكها السياسي، والانخراط في إقامة العدل الإسلامي وإحلال العمران الأخوي. وهذا لا يتأتى إلا إذا كان القائمون على أمر المسلمين أقوياء أمناء يمنعهم إيمانهم وخوفهم من الله ويوم الحساب من الزيغ واتباع الأهواء.

رابعا- إن بداية التصحيح تكمن في التفاف مكونات المجتمع على ميثاق يساهم في بنائه الجميع، يؤسس لعهد جديد تحفظ فيه الحقوق وتصان فيه الحريات، ويتخذ أرضية ومنطلقا للتفاعل والتدافع. فهذا من شأنه أن يجعل تنوع الآراء واختلاف الأفكار مدخلا مهما للبناء والإبداع، إذ سيتاح المجال لكل مكونات المجتمع للمساهمة، من منطلقاتها الخاصة ومقوماتها الفكرية، في اقتراح ما تراه سبيلا لبناء الإنسان، وإصلاح المجتمع وتنميته، وتحقيق العدل وغير ذلك من المعاني التي تتوق الشعوب إلى تحقيقها.

إن حرية الاختلاف مع الغير، وهي غير الخلاف المذموم، في جوهرها ثمرة حرية التعبير والتفكير، وهي من الحقوق التي أقرها الشرع. فما ثبت في الإسلام أبدا ما يمنع أن يعبر أحد عن رأيه ويختلف مع غيره، وما اعتبر أبدا أن رأي شخص ما، مهما كانت مكانته، لا يمكن اعتراضه أو مناقشته أو نقده.

وهي مؤشر على سلامة المجتمع من بعض الانحرافات السياسية الخطيرة من قبيل القمع، والحصار والإقصاء، وما إلى ذلك، ومن الأمور الواجبة في جو المسؤولية العامة الشاملة، جو التآخي والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، ولنا في خلافات الرعيل الأول من المسلمين دروسا للاعتبار.

وضمان هذه الحريات والحقوق مسؤولية يشترك فيها الجميع، وتقتضي بالأساس بناء قوة اقتحامية قادرة على خرق جدار القهر والقسر، وتقويم اعوجاج الحكام متى زاغوا عن الطريق.

والدعوة متى أمسكت بالحكم، ولم تفسح المجال لحرية التعبير وحق الاختلاف تكون قد ارتكبت خطيئة كبيرة، وحكمت على نفسها بالفشل والموت.

إن الظلم مهما طال فليله قصير، وعاقبته وخيمة. وفجر الحرية والمستقبل الذي ننشده هو آت لا محالة. مستقبل يحترم فيه الإنسان، يعيش فيه حرا دون خوف، تصان فيه حرية الرأي والمعتقد ويوفر للجميع الأمن الاجتماعي والسياسي الذي افتقدناه لعقود طويلة. فذاك وعد الله ولن يخلف الله وعده. وما علينا إلا اليقين والتصديق بموعود الله ورسوله. ما علينا إلا أن نتخلص من اليأس والهزيمة النفسية التي قتلت في الناس روح الصمود والتغيير. ما علينا إلا المزيد من الصبر والتضحية والبذل والعطاء.

“إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”.

* أحد معتقلي العدل والإحسان الإثني عشر

المحكومين ظلما وعدوانا بعشرين عاما سجنا نافذا

حرر بالزنزانة 5 بسجن فاس.