يحمل العالم والمعلم رسالة وواجبا. وما يكون العالم عالما ولا المعلم معلما، ولا يستحق تلك المحبة وذلك التبجيل إلا على قدر ما يحرثان في نفوس جُلاساهما والمتعلمين منهما بذرة يزرعها الله وينبتها النبات الحسن.

واجبهما وشرفهما الخالدان أن يحرثا الواجب الباعث في أرض النفوس شعورا، وفي سماء العقول مشروعا، وفي صميم القلب نية وباعثا، وفي حقول الواقع عملا تغييريا ينقل الناس من حياة إلى حياة، ومن عهد إلى عهد.

منبعث قوة اقتحامه منه، من إيمانه، يأوي إلى ركن شديد من توكله على الله فتلك أصالته، ويتولى إلى ظل عبادته فتلك هويته. هل يستوي هذا والمشرد في ثقافة الآخرين هائما مبعثرا؟

منجمع على الله هادف مجاهد لا يستوي معه المشتت المفتت.

هذه وظيفة العالم والمعلم أن يجمعا الناشئة والعامة والخاصة والكبير والصغير والمرأة على الله، وأن يؤصلا في النفوس والعقول والهمم نية باعثة وأشواقا وانصرافا عن اللهو إلى الجد. الأمر عمل. المطلوب عمل. المنشود عمل. لا نظريات محلقة وأفكار عائمة ومهارات لفظية. المطلوب المنشود الغائب في واقع التعليم المنتج للبطالة عمل عيني مؤثر في الواقع على كل المستويات. العلم والعمل متعانقان، المهارات والخلق والبحث العلمي متضافرة مخلصة ماسة بالواقع عاضة عليه.

ماذا يجد الإسلاميون عندما يصلون إلى الحكم؟

من بين ما يجدون، ومن أهم ما ينبغي أن يرعوه مما يجدون، طبقات وطوائف وشرائح من المتعلمين ذوي الكفاءات؛ هم حصيلة جهود من ولد، ومن رعى، ومن علم، من أسرة ومدرسة وجامعة. وهم مراتب في الذكاء والنبوغ. وهم خليط يشتمل على ذوي المروءات والكفاءة، وذوي الكفاءة بلا مروءة، وذوي الدين والمروءة والكفاءة، والمتنصلين من الدين المنافقين.

فماذا هم فاعلون الإسلاميون بهذه الحصيلة التي إما تستصلح فتكون نواة لتعليم تائب وإدارة متطهرة، وإما تعد الحقائب كما فعل المغربون غداة أعلن عن نجاح الإسلاميين في انتخابات الجزائر؟.

طبقات المتعلمين ذوي الكفاءات يكونون برجوازية لبرالية صغيرة ووسطى حسب التحليل الطبقي، ويكونون برجوازية الدولة بعد الثورة الطبقية ويأكلون، كثير منهم، على مائدة السلطان في هذه الصيغة وتلك من صيغ هواننا. ما مصيرهم في الحكم الإسلامي؟ هل يرجى أن يكونوا نواة التدريب العلمي العملي الخلقي البحثي ؟ هل هم رصيد يعتد به، أم حساب على ذمة الماضي الفائت المفوّت؟

أما من حيث النفسيات والذهنيات التي تسكن الأفراد وتحدد تفاعلهم مع التغيير فلا نيأس من أن تمس حرارة الانبعاث الإسلامي الفاترين فينتعشوا من البرودة ولا نيأس خوفا من أن تخطئ الحكمة الحاسبين المصلحين.

وأما من جهة الحاكم الإسلامي فهمه الأول أن يستنهض الطاقات الصالحة من أبناء المسلمين. يخبره عن الرفق وعن التلطف وعن تبديد المخاوف مبادئ إسلامية هي أساس الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.

تخبره هذه عن الرفق واللين والتليين قبل أن يخبره وازع السلطان عن الصرامة والجدية والحلول الحاسمة.

يلتقي الإسلاميون، من أنفس ما يلتقون، مع نفوس تتوجس من الحكم الإسلامي لطول ما نبز الإسلاميون بالألقاب، يلتقون مع عقول وكفاءات وذكاء كان في عُهدة سياق اجتماعي تسوده الكراهية ويسوده الظلم ويسوده احتقار الشعب.

الطبقة المتعلمة ذات الكفاءات العلمية العالية منفصلة عن الشعب بحكم ذهنيتها، والتفافها على بعضها، وبحكم نمط معاشها، هل يغلب داعي العمران الأخوي الذي يبشر به الإسلاميون داعي اللحاق بالفارين حاملي الحقائب الهلوعة؟

فاتر عسى أن تصيبه حرارة. ومصلحي صاحب حسابات عسى أن تتداركه الحكمة، وعسى أن تفضي به الحكمة إلى توبة. وعسى أن يفتح الله القلوب والعقول عندما تثبت التجربة أن إشاعة أمن القومة شيء غير الرعب الثوري الذي يتصدر برنامجه حصد طبقة وسحقها.

إنه دين ندين به، ولو لم يكن دينا لكان حكمة وضرورة. ديننا والحكمة والضرورة التطبيب والتمريض والتألُّف لا القطع والبتر والمحق. وإن تآلف القلوب والعطاء على الإسلام ليحب الناس الإسلام لبند أساسي من بنود العطاء في الإسلام.

عَدِّ القول عن أصحاب المظالم، عد القول على الإلحاديين وهم قلة مآلها الانخناس في النفاق.

ويبقى الاختصاصيون وذوو القدرات يناديهم انتماؤهم الوطني ريثما يسمعون للنداء القلبي العميق، مستجيبين درجة درجة، مستأنسين بالرفق، ثم ناهضين مع العزمة الإسلامية إن شاء الله.

ما نفعل بالمحاضر في “العلوم الإنسانية” الشاعر الناثر في محافل غيرنا وفي الساحة المؤرخ المومن عالي الكفاءة، والأديب المسلم المعتز بإسلامه، والطبيب النظيف الحاذق والباحث الذي تغلب شهامته وحبه لمهنته هواجس المراوغة والفرار؟

من هذه الخميرة الذخيرة يتخذ الحكم الإسلامي بيد السلطان ورفق القرآن مجاهدين لتطوير المنظومة التعليمية وتحويلها من طاحون يفرغ البطالة في الشارع إلى كائن حي بحياة جديدة، هدفه اكتساب العلوم التطبيقية النافعة، لا الآداب والشعر والتنقيب في صحف الأولين تقارن بمناهج المتأخرين. يحمل الأدب ويحمل الشعر رسالة الإيمان متلطفا بها وإلا فهو لهو من اللهو.

هدف التعليم المرجو بناء القاعدة العلمية التقنية البحثية العملية التطبيقية “للعمران الأخوي” الذي نعبر به عن فهمنا وقصدنا للتنمية. هذه الكلمة السحرية التي تنافس كلمة الديموقراطية على الصدارة في سجال المثقفين وشعارات السياسيين.

المأدبة الجهادية التي تنادي إليها الدعوة الإسلامية ويقصدها السلطان الإسلامي هي العمل على إقامة مجتمع العدل في سياق تعبئة جهادية تستنفر الطاقات الإيجابية، وتستفيد من ثورة التواصل، ومن الابتكارات الحديثة، ومن إمكانيات التقدم العلمي التقني.

طاقات لبنينا وبناتنا نستفيد منها ونعبئها لاكتساب ما نفتقده وما هو ضروري لحياتنا مما عند الآخرين. لا يستعصي علينا الاكتساب إن شاء الله إن زاوجنا بين المعرفة العقلية التقنية وبين معرفة الحقائق الجوهرية اللازم فلاحة أرضها، وغرس أشجارها، ثم تعهدها وسقيها حتى تزهر المعارف ونجني الثمار الأصيلة.

نداء وطاقات، ولعظائم الأعمال عزائم الرجال.

ويقفز في وجهي الثوري ذات الشمال والمتشدد ذات اليمين ليذكرني أن التغيير لا يأتي بالكلم الطيب. وتلك هواجس اليأس تغشى العقول المضطربة، والنفوس المحملة بالكراهية. المروءة مع ذوي المروءات، واللؤماء لهم مكنسة السلطان. المروءة أصل والرذيلة وباء لا يصلحه الرفق الحالم. نعم سيدي !

ماذا تحصد إن أعدت زراعة الكراهية في أرض ترابها وماؤها وهواؤها كراهية ؟ تحصد كراهية مضاعفة بكل تأكيد !

من أين تأتي بالأخوة والرفق والمحبة تحرثها في أرض الأمل إن لم تستوح الكلم الطيب، ولم تتقيد بشريعة الرحمة، ولم تتكئ على مثال سنة الرفق ؟

في مجتمع الكراهية الذي يرثه الحكم الإسلامي تختلس الأموال التي ترصدها الدولة للإنفاق على التعليم. يتبخر شطرها مابين وزارة مركزية متأججة بالحركة الصورية، ومابين إدارة محلية تعطيك صورة التعليم ولا تعليم. الخيانة ما دواؤها ؟

الإنفاق على التعليم أهم عوامل النهضة بعد العزمة السياسية. وقد قدمنا أن البذل السخي التطوعي هو الأساس في المجتمع المسلم، تدعمه مالية الدولة ولا تقوم مقامه رذيلة الشح كيف تخليقها؟

الوزارة المركزية التي تقرر من بعيد مثقلة بمكتبيتها وتنازع رؤسائها وخبرائها يجب أن تتنازل عن هيمنتها لتنتقل المهمة إلى القسم والمدرج حيث معلم يعلم وطلبة يتدربون.

ماذا في القسم والمدرج: موظف يؤدي تكليفا مملا أم أمين يؤدي رسالته، تلامذة وطلبة مفتوحة في وجههم أبواب المستقبل، أم رذاذ من الشباب البائس المشاغب ؟

تنقل المهمة إلى إدارة المدرسة والمعهد والكلية حيث يراقب المتآمرون بالمعروف المتناهون عن المنكر المتشاورون في المصالح. تضييع الأمانة ما علاجه ؟

استثمار سخي وإدارة جادة مطلعة قريبة مرنة أمينة متخلقة.

ثم العدل في المكافآت، والعدل في تكافئ الفرص أمام الطلبة والمتخرجين. يا دولة العدل، ما العمل مع الظلم الصغير والعظيم؟

التعليم الصوري الموروث صورة ونسخة للرخاوة العامة والانحلال وقلة الجدوى من بذل المعلم والمتعلم جهده، إذ المحسوبية والرشوة واللامسؤولية هي نحو الفساد في الأرض وصرفه، من يجمع المنحل ويرغم اللاعب على الجد؟

أقزاما عدنا بانحطاط التعليم وانحطاط كل شيء، أما كنا ذات يوم عظاما في التاريخ ! وبم كنا عظاما ؟

وها نحن نطرق على الأبواب الخلفية متوسلين راغبين أن يفتح لنا مقعد في العربة الأخيرة.

آهات تعاود المصاب، ونفثات يلفظ بها المصدور. آه ! آه !

تسيبت الإدارة منذ فجر أمس الاستقلال الصوري.

فيا نزاهة الأتقياء متى تلتقين بكفاءة المقتدرين !

المقتدرين من ذوي المروءة. لا الطفيليين النهابين.

هل يفيد ويعقل أن تحرث المحبة في أرض الرذيلة ؟ وهل يشعر بالأخوة الإنسانية المفسدون في الأرض أعداء الإنسان ؟

غَلَّبْنا مطلب الرحمة والرفق لأن أغلب المسلمين لا يخلون من مروءة وحياء وذمة. وسَبَّقنا أسلوب التلطف صيانة لكرامة من له كرامة أن يطعن في كرامته.

أما وفي التركة حثالة، للتعليم منها نصيب، فإن الحثالات تكنس طفيليات جرثومية في جسم المحموم، ما نفعل بالمحموم غير التلطف به والرفق، ومن الرفق له عزل الجراثيم.

من التطبيب والتمريض أن تعالج باطن المرض وأسبابه، فإن لم تفعل انتكس المريض وارتكس مهما زينت ظاهره العافية.

نعم سيدي عافاك الله !

وإن إصلاح هياكل التعليم، وهياكل الحكم، وإصلاح البرامج والأساليب والمقادير والكيفيات جهود ضائعة وضربات بالسيف في الماء ما لم يطهر الجو العام والخاص.