بين يدي الحدث:

في 3 غشت الماضي قاد العقيد إعلي ولد محمد فال انقلابا عسكريا ناجحا في دولة موريتانيا، معلنا بذلك عن إسدال الستار عن مشهد معاوية ولد الطايع وبداية مشهد آخر يقوده العسكر مجسدا في “المجلس العسكري للعدالة والديموقراطية”.

وفور نجاح العملية واستتباب التمكين أصدر المجلس بيانات الطمأنة إلى الداخل والخارج مرفقة بالإجراءات الأولية التي تظهر حسن النية وجدية الإصلاح الموعود، فاستقبل الانقلابيون الممثلين الدبلوماسيين، وأطلقوا سراح المعتقلين، وشكلوا حكومة انتقالية، وتعهدوا بـ”خلق الظروف المواتية لجو ديمقراطي منفتح وشفاف يتمكن من خلاله المجتمع المدني والأطراف السياسية من التعبير عن آرائهم بحرية”، ووعدوا بإجراء انتخابات رئاسية بعد فترة انتقالية مدتها عامين … وهي خطوات ورسائل حظيت بالترحيب المصحوب بالتفاؤل الحذر.

وتناسلت الأسئلة حول دور المؤسسة العسكرية وعلاقتها بالأنظمة الحاكمة وعن مداخل التغيير الناجعة لمواجهة ديكتاتورية الدول/الأشخاص، وتوالت ردود الأفعال الدولية مشككة في مشروعية الانقلاب كآلية للتغيير السياسي، وتواترت مواقف القوى المجتمعية الموريتانية معضدة الانقلاب نكاية في نظام معاوية ولد الطايع الذي تسلم الحكم سنة 1984 ممتطيا ظهر الدبابة ومرتديا الزي العسكري معلنا حينها بداية حلقة جديدة في دورة الاستبداد الذي تعاني منه أمتنا.

تلقي هذه القراءة بعض الضوء على تجربة موريتانيا العسكرية، مُستكنهة آلية التغيير التي انتُهِجت، ومُستغربة ذهنية الحاكم الذي انتُزِع، ومُستفهمة الموقف الداخلي للقوى الموريتانية المضغوط بناري استعصاء تغيير ولد الطايع و”عسكرية” تغيير ولد فال، ومُستحضرة المعطى الدولي “الحربائي” الموقف.

1- في مداخل التغيير: هل هو انتصار المدخل الانقلابي؟

شهدت الساحة العربية الإسلامية سيادة المدخل الانقلابي كآلية لتغيير أنظمة الحكم وأساسا في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي حتى توارت معها مداخل التغيير الأخرى، خاصة مع قصور الثورة عن المطامح التي رسمها أصحابها لها وكذا استغلاق الآلية الديمقراطية عن التغيير الفعلي من داخل بنية الأنظمة المستبدة. وهو ما أعطى نوعا من المشروعية للآلية العسكرية كي تتحرك في اتجاه السلطة ما دام الكيل طفح باستبداد الحاكم.

عاشت موريتانية كغيرها من الدول سلسلة من الانقلابات العسكرية خلال العقود الثلاثة الماضية، كان أولها انقلاب 10 يوليو 1978 حيث شارك عدد من الضباط البعثيين في الهيئة العسكرية الحاكمة التي حملت اسم “اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني”، وقد حددت اللجنة العسكرية أهدافها بإيقاف الحرب في الصحراء وتقويم الاقتصاد الوطني وإنجاز المؤسسات الديمقراطية. ثم قام العقيد المصطفى ولد محمد سالك رئيس اللجنة العسكرية بتصفية الجناح القومي العربي، وشن حملة قمع صارمة ضد الضباط السياسيين والبعثيين عام 1982. وأدت دورة الانقلابات الداخلية في اللجنة العسكرية والمحاولات الانقلابية العديدة المضادة إلى تغيير كبير في اللجنة العسكرية أوصل العقيد معاوية ولد الطايع في 12 ديسمبر سنة 1984 إلى رئاسة اللجنة والدولة.

وتعرض حكم معاوية هو الآخر للعديد من المحاولات الانقلابية الفاشلة، ففي يونيو 2003 قاد العقيد “ولد صالح حننا” انقلابا فاشلا لاعتراضه على نمو العلاقات الموريتانية الصهيونية، كما أفشلت الحكومة الموريتانية محاولتين انقلابيتين خلال عام 2004، وذلك قبل أن ينجح “المجلس العسكري للعدالة والديمقراطيبة” فجر يوم الأربعاء 3 غشت في الإطاحة بحكم معاوية الذي دام 21 سنة.

إن هذه الحركية التي شهدها الحكم في موريتانيا والمبنية على اقتحام العسكر للمجال السياسي من أجل الإطاحة بحاكم وتنصيب آخر، يطرح سؤالا جوهريا: هل أثبتت آليات التغيير عقمها عن زحزحة الأنظمة المستبدة إلى الحد الذي جعل العسكر يتدخل في كل مرة ليفرض حاكما آخر؟ وبصيغة أخرى: هل هو انتصار المدخل الانقلابي؟ .

إن الحديث عن مداخل التغيير يستدعي الإشارة إلى فشل المدخل الديمقراطي كآلية للتداول على السلط وتغيير الخطط السياسية داخل أنظمتنا السياسية العربية مادام الحاكم متحكم في كل مداخل الفعل السياسي المرتبطة بالمؤسسات الدستورية وموجه لكل المنافذ والقنوات لتثبيت حكمه. وفي المقابل تستهجن قوى التغيير وعقلاء الرأي ورافعو لواء الإصلاح الانقلاب العسكري كآلية للتغيير السياسي والاجتماعي، وذلك لأسباب أساسية ثلاث:

الأول: نخبوية الانقلاب العسكري وافتقاده المدد الشعبي.

الثاني: غياب المشروع المجتمعي ذو الطابع المدني الذي يحظى فيه المواطن بالاعتبار.

الثالث: شهادة التاريخ على الانقلابات بحاكمية الدم والحديد والنار.

من هنا تبقى الآلية العسكرية مشوبة بالعديد من المحاذير ومرتبطة بحسابات الجنيرالات أكثر من ارتباطها بمصالح المواطنين.

ثمة كثير من المعطيات تبقي على التخوف قائما إزاء وعود العسكر في موريتانيا، فالعقيد الجديد اشتغل مديرا عاما للأمن الوطني الموريتاني منذ أكثر من 20 سنة وكان اليد اليمني للرئيس المخلوع التي يبطش بها، وقد تورط في كثير من القضايا الحساسة في موريتانيا إذ كان من أكبر جلادي العصر البائد بل مهندس عمليات التقتيل والتعذيب التي استهدفت القوميين العرب والزنوج ومن بعدهم الإسلاميين وأصحاب الضمائر الحية، كما أن طول مدة الفترة الانتقالية، سنتين، يطرح العديد من الشكوك والأسئلة على المجلس العسكري، ناهيك عن عدم تمثيلية التيار الإسلامي والقوى الحية في المجلس العسكري والحكومة. ثم إن بعض بنود الميثاق الدستوري الذي أصدره “المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية” تكرس هذا التخوف وتلك الريبة، إذ حرص الميثاق الدستوري على إعطاء العقيد إعلي ولد محمد فال الدور المحوري في النظام السياسي الموريتاني خلال الفترة الانتقالية، فقد نص “الميثاق الدستوري” في مادته السادسة: “يمارس رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية السلطات التنفيذية وخاصة منها الصلاحيات الواردة في المواد من 23 إلى 39 من الباب الثاني من دستور 20 يوليو/ تموز 1991. يعين رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الوزير الأول والوزراء”. ومعنى هذه المادة أن رئيس المجلس سيتمتع بكافة الصلاحيات التي يمنحها الدستور الموريتاني لرئيس الجمهورية، وهي صلاحيات واسعة وغير حصرية تتنافى مع جوهر تغيير ولد الطايع.

إن الرفض المبدئي للآلية الانقلابية ينبع من استنكار فرض التغيير بعيدا عن اختيار وفاعلية الشعب ومن نبذ العنف كوسيلة للفعل ومن سطحية المنهج الانقلابي بل وارتداده القهقرى، يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين: “والتغيير المقترح دائما بل المفروض دائما تغيير يستبدل أشخاصا بأشخاص وفق قانون الغاب المنبني على صراع العنف والدهاء في خدمة الغضب أو الأنانية أو في خدمتهما معا. هذا التغيير المفروض دائما، المتقبل بسلبية، يدخل في دورة مفرغة لا نهاية لها هي دورة الانقلابية. والانقلابية تغيير سطحي لواقع سطحي، لا تربي أبدا لأنها لا تجد مشدا تمتلك به قلوب أمة مسلمة…” بل إن “رجال القوة من الجيش يقلبون حكومة فاسدة وينشؤون مجموعة جديدة تمارس الحكم وتغير رجال الإدارة، لكنها لا تلبث أن يظهر عوارها ويفتضح فسادها فينهض لقلبها ضباط يطمحون لمثل ما ناله إخوانهم، أو يسرع هؤلاء لقلب الحكم اغتناما لفرصة. وتتعاقب الانقلابات على مدى قرن ونصف ولا يحدث تغيير”. (الإسلام غدا، العمل الإسلامي وحركية المنهاج النبوي في زمن الفتنة، ص 608 – 641).

لست هنا بصدد التشكيك في نوايا اللجنة العسكرية التي فرضت التغيير في موريتانيا، ولا بإحباط آمال كثير من الموريتانيين الذين استبشروا خيرا، لكني أطرح معطيات جدية وأسئلة محرجة من أجل المساهمة في إعادة حال الأمة إلى وضعه الطبيعي.

ووضعه الطبيعي أن التغيير ينبغي أن تقوده القوى الحية الصادقة الغيورة صحبة الشعب وعلى عينه ويدها في يده.

وضعه الطبيعي أن يرابط العسكر على التخوم وأن يرجع إلى الثكنات وأن تحرص عينه المستيقظة شعبه من كل مكروه.

وضعه الطبيعي أن يُرغم الحكام على التخلي عن كراسي السلطة ما داموا اغتصبوها كرها ولم يخترهم الشعب شورى.

2- الحكام والكراسي: مبدأ الإكراه على المغادرة

جاء ولد الطايع إلي الحكم عن طريق انقلابه على محمد خونه ولد هيدالة في 12 دجنبر 1984، ومنذ تلك اللحظة أصبح الكرسي والحكم والدولة والشعب في ملكية معاوية، وأصبحت موريتانية -كما هو حال كل دولنا العربية- في خدمة القائد الجديد. وعلى الشعب أن يحمد الله ويشكر الأقدار التي ساقت له هذا الحاكم الفذ والقائد المحنك الذي لم يجد الزمان بمثله وعجزت النساء أن تلد نظيره، إذ في عهده الجديد سيقود موريتانيا إلى الرقي ويدفع بها إلى مصاف الدول المتقدمة ويرفع عنها المحن والإحن!!! إنها السمفونية البئيسة المشتركة التي يعزفها علينا مرضى الكراسي عبر إعلامهم البئيس.

والحقيقة الثابتة الواضحة تجبر وطغيان واستبداد وظلم للعباد والبلاد.

لطخ ولد الطايع يديه بالدماء الموريتانية الزكية وذلك في مذبحة “إنال” ومسلخة “اجريدة” التي راح ضحيتها المئات من معارضي حكمه، وقام بفتح بوابة التطبيع على مصراعيها مع الدولة العبرية عام 1995 ليرفع مستوى علاقات البلدين إلي التمثيل الدبلوماسي برعاية أمريكا، كما كان نظام ولد الطايع عنيفا في تعامله مع القوى السياسية فاعتقل العلماء وحل الأحزاب وكمم الأفواه وزج بالساسة في السجون راسما بذلك مشهدا سياسيا قاتما شديد الاختناق، ناهيك طبعا عن ضروريات تزوير الانتخابات وتنامي تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

تنضاف إلى هذا المشترك العربي علامة فارقة تميز حالتنا المرضية هذه، وهي المحافظة على الكرسي مدى الحياة، حتى أن المرء ليخال له أن الدورة الدموية لهذا الملك وذاك الرئيس تسلك عبر “شرايين” الكرسي و”أوردة” العرش. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الخوصصة السياسية سابقة على الخوصصة الاقتصادية في أوطاننا إذ الحكم وَقْفٌ على آل فلان وعائلة علان من الرؤساء والملوك دونا عن باقي البشر.

جاء في المادة 28 من دستور ولد الطايع “يمكن إعادة انتخاب رئيس الجمهورية”، هكذا بإطلاق دون تحديد عدد ولاياته، وهو ما يسمح له بالبقاء في السلطة ما بقي قيد الحياة.

من الثابت في بلداننا العربية أن التداول على الحكم لا يكون إلا عبر الإكراه، فالحاكم الذي جاء إلى السلطة من غير اختيار الشعب لا يغادرها إلا مجبرا ومكرها. إذ في “استثنائيتنا” يعز أن تصادف حاكما سابقا لأن من يتخلى عن الكرسي فهو إما “راحل” أو “مخلوع”، وهو ما يستوجب منا معشر الشعوب أن نشكر الله على مصيبة الموت في نفس الوقت الذي ينبغي أن نُفَعِّل فيه مبدأ الإكراه على المغادرة ونُوَجِّهَه ليكون في مصلحة شعوبنا.

مبدأ إكراه الحكام على المغادرة يستمد مشروعيته من الانحراف الذي تعيشه الأمة على مستوى أعلى هرم المسؤولية في الدولة، انحراف خطير عرفه تاريخنا بعد ثلاثين سنة من خلافة الراشدين الأربع.

علينا أن نقطع مع ذهنية الانتظار التعس والبلادة المستهجنة والتطبيع المريض مع حكام الجبر، الخارجون عن إجماع الأمة والمناقضون لأصالة شخصيتنا والخارقون كيفيات الحكم كما هي متداولة في العالم.

ولكي يكون مبدأ الإكراه ناجحا باعثا وغاية ووسيلة، وجب على قوى التغيير أن تسترعي منهاج التغيير حتى تحذر العنف والدم بقدر اجتنابها التطبيع والخنوع.

3- الجبهة الداخلية والتغيير: بين الحاجة والمنهاج

ما موقع وموقف قوى التغيير مما حصل؟ وما فاعليتها في جريان الأحداث وتحديد مصير البلاد؟ أسئلة محورية تطرح على الحركة الإسلامية ومعها قوى التغيير في موريتانيا، ومن ورائها كل القوى في كل الدول العربية الإسلامية.

عانت القوى الداخلية الموريتانية من تجبر ولد الطايع واستبداده المقيت خاصة المعارضة الإسلامية. فبعد هجمات 11 سبتمبر 2001 بدأ ولد الطايع في انتهاج سياسية عدائية ضد المعارضة الإسلامية وشن حملات اعتقال في صفوف مؤيديها، كما أغلق العديد من الجمعيات الإسلامية والخيرية، وفي أعقاب الاحتجاجات التي اندلعت في شوارع البلاد ضد زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم لنواكشوط في 3 ماي 2005، والتي فرقتها السلطات بالقوة، توسعت حملة الاعتقالات وامتدت لعدة أسابيع في صفوف الإسلاميين لتشمل أئمة المساجد وناشطات في التيار الإسلامي. ولم تكتف حكومة الطايع بذلك بل سنت قانونا يحظر التدريس وإلقاء الخطب في كل مساجد البلاد عدا خطبة الجمعة، واعتقلت علماء مربين منهم الشيخ محمد الحسن ولد الددو والمختار ولد محمد موسى ومحمد جميل ولد منصور.

إذا كان الحديث عن التغيير يفرض الإشارة إلى ضرورته والحاجة إليه جوابا على سؤال المشروعية، ويفرض تَبَيُّن المدخل الأسلم تحديدا لمنهج التغيير، فإن قتامة الوضع في أوطاننا وصلت إلى الحد الذي أصبح معه الحديث عن ضرورة التغيير متجاوزا وغير ذات معنى إذ المشروعية منعقدة، مادام حكام الجبر يسومون الأمة سوء العذاب، فقط ينبغي الحسم في المدخل والآلية والكيفية والمنهاج.

أيد الإسلاميون في موريتانيا  ومن ورائهم كافة التيارات- الانقلاب، وأكد ثمانية عشر من قياديي الحركة الإسلامية في بيان أصدروه أن “الإسلاميين الموريتانيين يرحبون بالتغيير في البلاد ويؤكدون مجددا ضرورة التشاور مع مجمل الأطراف السياسية” من أجل “قلب صفحة الماضي المؤلمة” وتنظيم العودة إلى الحياة الدستورية.

أكيد أن الموقف له وجاهته بالنظر لنظام سياسي جبري مستبد استعصى تغييره من جهة، وبالنظر إلى حدوث الفعل من طرف “الغير”/العسكر وضرورة التعامل مع الحدث الذي صنعوه وإلزامية اتخاذ الموقف. إلا أننا نروم هنا أن نقف عند تصور التغيير وخططه واستراتيجياته ومراحله وأولوياته، نطرح السؤال على القوى التي تصدت لقيادة الأمة عن المنهاج المتبع وعن وضوح الرؤية وفاعلية الحركة وصلابة الأساس. يقول الأستاذ ياسين: “الجيش هو آلة الانقلاب وآخِرُ معقِل تلتجئ إليه القوة عندما تنهار الأحزاب السياسية، وعندما يحدث فراغ في السلطة، وعندما يكون الشعب غافيا غائبا ألِف “دين الانقياد”. فإذا كان في الشعب قوة منظمة عازمة، وكانت لها كلمة واضحة، ومبدأ وبرنامج، فلا يسع الجيشَ ومطامحَهُ الانقلابية إلا أن يتفاوض ويتعـاون ويترك الأمر لأهله آخر المطاف ليعود لثكناته”. (العدل، الإسلاميون والحكم، ص 522 – 523) قوة عازمة منظمة إذا، وشعب متيقظ مشارك وكلمة مسؤولة ومبدأ أصيل وبرنامج واضح معالم أساسية في تلمس منهاج التغيير.

4- البعد الدولي: “دوران الموقف مع المصلحة وجودا وعدما”

فور ما يقع حدث دولي من هذا الحجم، تتوالى ردود الأفعال معبرة عن مواقف الدول والهيآت، لكن ما يستغرب له الإنسان وهو يتابع صدور هذه المواقف، خاصة من قِبل ما يعرف بالقوى العظمى، هو سرعة تغيرها ودورانها مما يؤكد مقولة الأستاذ عبد السلام ياسين “دين المصلحة” أثناء وقوفه في كتاب العدل عند الخلفية التي تتحكم في القوى الدولية.

أعلنت وزارة الخارجية البريطانية في بيان لها عقب الانقلاب أن “لندن تتابع بانتباه التطورات التي حصلت مؤخرا في الجمهورية الإسلامية الموريتانية وتدين كل محاولة لاستلام السلطة بالقوة”.وقال وزير الخارجية الكندي بيار بوتيغرو أن “كندا تكون دائما قلقة عندما تستعمل القوة لتغيير حكومة بلد ما” .أما فرنسا فقد دعت إلى “احترام الديموقراطية والإطار الدستوري الشرعي” وجاء في تصريح للمتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية أن “فرنسا تتابع باهتمام الوضع السائد حاليا في موريتانيا وهي على اتصال وثيق مع مجمل شركائها”.نفس الموقف صدر عن الولايات المتحدة الأمريكية، حليف الرئيس المخلوع، وأدانت جامعة الدول العربية والأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الاستيلاء على السلطة بالقوة وعلق الاتحاد الإفريقي عضوية موريتانيا به بسبب الانقلاب.

لكن سرعان ما تغير الموقف الدولي لصالح الانقلابيين ليصبح معاوية ولد الطايع بلا سند من الخارج بعد أن طرد من الداخل.

موقف فرنسا الأول المحتشم والذي لم يندد صراحة بالانقلاب لم يلبث أن أصبح موقفا داعما بوضوح للقيادة الموريتانية الجديدة، وهو ما عزز تحليلات بعض المراقبين، والتي لم تستبعد أن تكون فرنسا على عِـلم مُـسبق بالانقلاب، أو على الأقل كان قادته مُـدركين لحقيقة البرودة التي تشوب علاقات فرنسا مع ولد الطايع الذي اختار المعسكر الأمريكي الإسرائيلي.

من جهتها سرعان ما غيرت الولايات المتحدة موقفها لتصطف مع الانقلابيين بعدما ولى زمن معاوية، وأكدت واشنطن أنها تتعامل مع زعماء الانقلاب لإقناعهم بايجاد سبيل لتحقيق انتقال دستوري للسلطة وأكد الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية آدم إيرلي حقيقة الموقف الأمريكي قائلا: (أن هؤلاء القادة الجدد يمشون في الاتجاه الصحيح، ونحن سنتعامل معهم حسب وعودهم، حيث قالوا إنهم سيحترمون شرف كلمتهم بالإبقاء على العقود النفطية والمسار الديمقراطي) !!. وأرسل الاتحاد الإفريقي بعثة إلى نواكشوط سرعان ما قالت بأنها “مطمئنة” للقادة العسكريين الجدد، نفس الشيء فعلت جامعة الدول العربية، ولعل للجامعة والاتحاد مبررهما المنطقي مادام حكام الدول أعضاء هاتين المؤسستين يعرفون أن لا مشروعية لحكمهم وأن ما قادهم إلى الحكم ليس سوى انقلاب مشابه أو توريث مشبوه. وهكذا توالت المواقف الدولية تقر الوضع الجديد راضية به بل متسارعة من أجل تثبيت المصالح الموجودة وانتزاع المكاسب الموعودة.

عند علماء أصول الفقه قاعدة ذهبية: “الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما”، قاعدة يقصدون بها أن الحكم الشرعي في أمر ما يرتبط ارتباطا وثيقا بالعلة التي تستوجب هذا الحكم فهو يدور معها وجودا وانتفاءا. أجد أن القاعدة الأصولية تنطبق تماما على الموقف الدولي في تعاطيه مع المتغيرات التي تطرأ على واقعنا العربي الإسلامي، إذ المحدد في تبني هذا الموقف أو ذاك هي المصلحة أساسا، والمصلحة متغيرة لا ترتبط بشخص معين ولا نظام محدد.

إن هذه القاعدة الدولية “الموقف يدور مع المصلحة وجودا وعدما” تستدعي انتباه القوى الغيورة على أوطانها للاستفادة من منافذها ومداخلها مادام المعطى الدولي حاضرا بثقله في صياغة المعادلة القطرية، لكن على قاعدة تماسك الجبهة الداخلية قيادة وشعبا.

لاشك أن هذا المتغير الدولي قد زلزل الأرض من تحت أقدام الحكام، ولله ذر من نادى “أيها الحكام العرب .. أنتم اليوم أمام صورة الأمس الانقلابية، والتي جاء أغلبكم للحكم عن طريقها، فلا حماية إقليمية أو دولية لكم بعد اليوم، لأن المصالح الدولية أصبحت سيدة الموقف قبل هذا النظام أو ذاك، وليس عمق ارتباطاتكم ومتانة علاقاتكم”.

5- ختاما: همسات أربع

– في أذن العسكر: أنتم أبناء الشعب وذرعه الحامي وسياجه الواقي، اصطفوا إلى جانبه ولا ترهنوا مصائركم مع حكام سائرين إلى زوال، كونوا مع الشعب لا عليه.

– في أذن قوى التغيير: حان الوقت للانخراط في معركة التغيير الحقيقي الجذري وإلا بقيتم وبقيت الشعوب رهينة إرادات سقيمة وآليات عقيمة.

– في أذن القوى الدولية: مصلحتك المستقبلية في أوطاننا مرتبطة بالشعوب وقواها الصادقة الحية على قاعدة الاحترام المتبادل.

– في أذن الحكام: اصطلحوا وأصلحوا أو ارحلوا قبل أن تُرَحَّلوا.