تتميز مدينة سيدي إفني بموقعها الجميل على ساحل المحيط الأطلسي وطقسها المعتدل خاصة في فصل الصيف، مما جعلها قبلة لعشاق البحر ورماله. لكن صيفها هذه السنة كان أشد حرارة ليس بسبب أشعة الشمس الحارة وتيارات الشركي الساخنة، لكن بفعل الأحداث الاحتجاجية الصاخبة التي أسمع من خلالها أبناء قبائل ايت باعمران صوتهم عاليا تحت ركام النسيان والتهميش والإقصاء الذي طال مدينتهم لعدة عقود.

فتحولت مدينة سيدي افني يوم ثامن غشت 2005 الماضي إلى معسكر لمختلف أنواع الأجهزة من درك ملكي وقوات التدخل السريع وشرطة القرب (كرواتيا) مدججين بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع, كما تحولت بعض أزقة وشوارع المدينة إلى مسرح للمواجهة بين قوات الأمن وأبناء افني الغاضبين, مما خلف إصابة العشرات برضوض وإغماءات واختناقات خطيرة جراء استعمال غاز السارين والقنابل المسيلة للدموع من قبل أجهزة الأمن الوطني..

ابتدأ الحادث عندما دعت السكرتارية المحلية لقبائل ايت بعمران وسيدي افني- وهي هيئة تتكون من جمعيات مدنية وسياسية – إلى مسيرة شعبية للفت انتباه المسؤولين إلى مطالبهم المتمثلة في تحويل المدينة إلى عمالة تابعة لجهة كلميم السمارة وخلق مناصب الشغل للساكنة أسوة بباقي أقاليم الصحراء وتحسين جودة الخدمات الصحية وتوفير الأطر الطبية مع إلغاء التسعيرة الاستشفائية وربط سيدي افني بمدينة طانطان على الطريق الساحلي…

وبدل أن تستمع السلطات المحلية لمطالب الساكنة وتفادي المواجهات، اختار عامل الإقليم ما أسماه بعض المتتبعين لغة الوعد والوعيد وخطاب الإنذار والتهديد في الاجتماع الذي عقده مع السكان مساء السبت 06 غشت 2005 مما أثار اشمئزاز الحضور الذي يضم إلى جانب بعض الساكنة أفرادا من الجالية المقيمة بالخارج مما دفع بأحد أعضاء السكرتارية للتعقيب على كلام العامل وتكذيبه في ما يدعيه من عدم قانونية المسيرة الشعبية التي عبأت لها السكرتارية المحلية.

في ليلة الأحد 07/08/2005 لم يهدأ بال السلطات وأجهزة الأمن التي عمدت إلى استعراض قواها في شوارع المدينة لاستفزاز المواطنين وترهيبهم وتهديد أصحاب المحلات التجارية لحملهم على عدم المشاركة في المسيرة المزمع تنظيمها, وقد خيب هؤلاء التجار آمال هذه الأجهزة عندما أقدموا على الإغلاق الجماعي لمحلاتهم يوم المسيرة في إعلان صريح ومعبر عن تضامنهم مع المحتجين.

وفي صبيحة الثامن من غشت  الموعد المقرر للمسيرة – شرعت قوات الأمن في تطويق الأزقة والشوارع وسد جميع منافذ المدينة للحيلولة دون توافد السكان للمشاركة فيها, وعلى الساعة التاسعة والنصف صباحا اجتمع بعض المتظاهرين في حي “بو الاعلام” بادئين بترديد شعارات مطلبية مسؤولة. فكان رد السلطة عنيفا إذ بادرت الأجهزة الأمنية للتدخل السريع في حقهم وطاردتهم في أزقة الحي باستعمال الهراوات. وبعد هذا التدخل العنيف بدأت المواجهات الدامية بين الطرفين فكان رد الشبان المحتجين رشق قوات الأمن بالحجارة. حيث أشار بيان السكرتارية «إلى أن الجماهير لم تبق مكتوفة الأيدي بل جاهرت بتحديها للترسانة القمعية, مستعملة حقها المقدس في الدفاع عن نفسها مبدعة أشكالا نضالية رائعة رغم بدائيتها”, كما يشير البيان. والملفت للانتباه هو أن قوات الأمن ترد بدورها على المتظاهرين بالحجارة التي يرشقونهم بها إلى جانب القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي, فدامت المواجهات بين الطرفين مدة فاقت الساعتين.

حصيلة هذه المواجهات كانت ثقيلة في صفوف المواطنين رغم المضادات التقليدية التي لجؤوا إليها لاتقاء الاختناق بالغازات. ولم يسلم أفراد الأمن من هذه الحصيلة فقد تجاوز عدد الجرحى في صفوفهم ستين جريحا نقل بعضهم إلى مستشفى المدينة في حالة خطيرة ناهيك عن الخسائر المادية.

وحيث المواجهات ساخنة بين الطرفين، تمكن بعض السكان القادمين من الأحياء الأخرى للمدينة من التجمهر بالقرب من المقر الرئيسي للأمن الوطني, أسفل شارع محمد بن عبد الله, مشكلين نواة مسيرة سلمية مرددين شعارات تذكر بالمطالب الواردة في ملفهم المطلبي. مما أربك قوات الأمن ووضعها في موقف حرج. فأجبرت على الاقتناع بعدم صواب خيار العنف والإرهاب الذي واجهوا به المتظاهرين. فاضطرت هذه القوات للإعلان عن توقيف المواجهات وسحب قواتها من الميدان في تصرف اعتبره الكثيرون انهزاما لقوات الأمن وانتصارا للمواطنين. هذا التطور المفاجئ دفع السكان إلى الاعتصام أمام مقر الأمن الوطني للمطالبة بالإطلاق الفوري للمعتقلين على خلفية هذه المواجهات وهو ما تم بالفعل بعد نصف ساعة من الشعارات والمفاوضات. ثم انطلقت بعدها المسيرة بشكل سلمي تجوب شوارع المدينة أمام أنظار الأجهزة الأمنية التي اكتفت هذه المرة بالمتابعة والترقب.

وفي تبريرها لوقف المواجهات روجت السلطة لسيناريو مفاده أن مجموعة من الأعيان وممثلي بعض الأحزاب والجمعيات تدخلت لدى عامل الإقليم ملتمسة منه الأمر بسحب أجهزة الأمن من ساحة المواجهة فوجدها فرصة  حسب مراقبين- للخروج من ورطته وحفظ ماء وجهه خاصة وأن هذا المسعى الذي قام به الأعيان تقاطع مع الأمر المباشر الذي تلقاه عامل الإقليم من وزير الداخلية والقاضي بوقف المواجهة على الفور.

هكذا بدأت مسيرة سيدي افني الدموية وهكذا انتهت, لكن من يتحمل مسؤولية ما جرى؟

السكرتارية المحلية حملت المسؤولية للسلطات ولأجهزة الأمن لسببين:

– لأن المسيرة كانت قانونية, فالسكرتارية قامت بكل الإجراءات القانونية التي ينص عليها القانون المنظم للتظاهر.

– لأن أجهزة الأمن تدخلت في حق المتظاهرين دون سابق إنذار مما يعد خرقا فاضحا للقانون الذي يقضي بضرورة تنبيه المواطنين قبل الأمر بالتدخل.

بعض الملاحظين سجلوا على السكرتارية المحلية غيابها عن أي تأطير للمتظاهرين, إذ تحولت المسيرة إلى خروج جماهيري عفوي كما سجلوا على الأحزاب السياسية والجمعيات (باستثناء تمينوت والجسر والتضامن وجمعية السياحة وجمعية المعطلين) انسحابها من السكرتارية استجابة لضغوط السلطة. فقد استجاب الاتحاد الاشتراكي مثلا لطلب السلطات بسد أبواب مقره في وجه اجتماعات السكرتارية, كما أقدمت الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية على فصل الكاتب المحلي لفرع سيدي افني بـ”تهمة” التنسيق مع السكرتارية المحلية. حزب الاستقلال كان أول من أعلن انسحابه بشكل رسمي في بيان وزعه لتبرير موقفه هذا, أما اليسار الاشتراكي الموحد فقد بعث بمراسلة للسكرتارية يعبر فيها عن تجميد عضويته فيها.