إن الإنسان، كل إنسان، في حاجة ماسة إلى تطهير نفسه وجلاء درن قلبه. لكن قليلون هم من يدركون حقيقة هذه الحاجة، ويشمرون لتطهير أنفسهم وجلاء أدران قلوبهم، نظرا لغلبة الحس، وكثافة الحجب، وكثرة الفتن، وقوة جاذبية الشهوات.

يقول الشاعر:إني بليـت بأربـع يرموننـي *** بالنبـل عن قـوس لهـا توتير

إبليس والدنيا ونفسي والهـوى *** يا رب أنت على الخلاص قديرومن أجل تبصير الإنسان بتلك الحاجة الملحة، التي قد تطمرها الفتن والشهوات، وتبصيره بكيفية تطهير النفس وجلاء صدإ القلب، بل للسير به في ذلك المنحى، والصعود به على ذلك السلم؛ منحى التطهير وسلم التزكية، أرسل الله تعالى الرسل والأنبياء عليهم السلام، وخص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته برحمة وتزكية خاصتين.

يقول الله عز وجل:

– “ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم” (البقرة / 151).

– “هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين” (الجمعة / 2).

– “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم” (الأنبياء / 107).

بفضل الله ورحمته استجاب من استجاب لدعوة خير الآنام عليه أفضل الصلاة والسلام “ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا، ولكن الله يزكي من يشاء، والله سميع عليم” النور / 21. و كانت الاستجابة تزكية متدرجة من إسلام إلى إيمان إلى إحسان، كما ورد في حديث جبريل عليه السلام. تطلع الصحابة رضوان الله عليهم إلى القمم العالية، وارتفعت هممهم، وطلبوا المعالي. طلبوا الله. كل ذلك بفضل صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بفضل تعلقهم بذلك القلب الأسمى والجناب الأحمى؛ بفضل اغترافهم المباشر من مشكاة النبوة التي لا تنضب، واستضاءتهم بنورها الذي لا ينقطع. ما كان عملهم رضوان الله عليهم مفصولا عن العلم. وما كان علمهم مفصولا عن رحمة وقرت في القلوب، منبعها القلب الأعظم، قلب الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.

وكان في تسميتهم رضوان الله عليهم بالصحابة إشارة واضحة إلى ذلك السر العظيم، الذي هو عماد التربية وقوام التزكية، سر الصحبة. الصحبة التي ما قدرها العديد من الناس حق قدرها.

يشير الله سبحانه وتعالى إلى ذلك الأمر العظيم بقوله عز من قائل: “واتبع سبيل من أناب إلي” (لقمان / 15). وقوله عز وجل: “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا” (الكهف / 28). وقوله تبارك وتعالى: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين” (التوبة / 119).

كما يشير إلى ذلك المصحوب الأعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل” رواه أبو داود والحاكم والإمام أحمد وحسنه الألباني.

ورغم أن بعض الصالحين من هذه الأمة تحدثوا على أن وجود المصحوب العارف بالله، الذي من شأنه التوجيه والتسليك والتوصيل، أمر نادر ندرة الكبريت الأحمر، فإن شواهد أخرى من تجارب الرجال كأبي حامد الغزالي رحمه الله وغيره تدل على أن من طلب بصدق وجد بغيته، وأن الله عز وجل تكفل بحفظ تسلسل المدد القلبي من مصحوب إلى آخر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس (جماعات) فيقولون: هل فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم” رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخذري رضي الله عنه.

تحدث الكثير من علماء هذه الأمة عن الصحبة. منهم من تحدث من مقام المجرب الذي ذاق، ومنهم من تحدث بلسان العالم المحقق. هذه بعض أقوالهم رحمهم الله نقرؤها علها تكون سببا في فتح أقفال قلوبنا، فنسارع إلى باب الصحبة، فيفتح الله لنا وبنا.

لا تحجبنا القشور عن اللب، ولا المصطلحات عن المعاني السامية الراقية. نموذجنا الذي لا نبغي عنه بديلا، هو نموذج الصحابة رضوان الله عليهم في صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم. تلك الصحبة التي أورثت رحمة في القلوب، وحكمة في السير بين الناس.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “والشيوخ الذين يقتدى بهم يدلون عليه (أي على الله عز وجل)، ويرشدون إليه، بمنزلة الأئمة في الصلاة (…) وبمنزلة الدليل الذي للحاج، يدلهم على البيت وهو وهم جميعا يحجون إلى البيت” الفتاوي ج 11 ص 499.

ويقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله: “اعلم أن الخلق كلهم أطفال في بحر تربية الحق سبحانه يغذي كل واحد من خلقه على قدر احتمال معرفته. فغذاء الرجال لا يصلح للأطفال، ومراكب الأبطال لا تصلح للبطال. ألا ترى أن الطفل لما لم يطق تناول الخبز واللحم، أطعمته حاضنته فوصل إليه (الغذاء الذي يتضمنه الخبز واللحم) بواسطة اللبن ولو أطعم ذلك مجردا لمات. ومن هنا يقال: من لا شيخ له لا قبلة له، ومن لا شيخ له فالشيطان شيخه” كتاب بين الشريعة والحقيقة ص 29.

ويقول ابن خلدون رحمه الله في كتابه شفاء السائل بعد أن قسم المجاهدة إلى ثلاثة أنواع؛ مجاهدة التقوى ومجاهدة الاستقامة ومجاهدة الكشف و المشاهدة، وبين أن هذه الأخيرة أعظم المجاهدات ، يقول رحمه الله: “وأما مجاهدة الكشف والمشاهدة التي مطلوبها رفع الحجاب والاطلاع على العالم الروحاني وملكوت السموات والأرض، فإنها مفتقرة إلى العالِم المربي، وهو الذي يعبر عنه بالشيخ، افتقار وجوب واضطرار، لا يسع غيره، ولا يمكن في الطالب حصولها بدونه” ص 58-59.

ويقول أيضا: “والحق أنه لابد للسالك من الشيخ، ولا يفضي به النقل وحده إلى مطلوبه، لا من أجل التفاوت في التحصيلين، بل من أجل أن مدارك هذه الطريقة ليست من قبيل المتعارف من العلوم الكسبية والصنائع، وإنما هي مدارك وجدانية إلهامية خارجة عن الاختيار في الغالب، ناشئة عن الأعمال، على هيئات مخصوصة. فلا يدرك تمييزها بالمعارف الكسبية، بل يحتاج إلى الشيخ الذي يميزها بالعيان والشِّفاه (أي المشافهة)، ويعلم هيآت الأعمال التي تنشأ عنها وخصوصيات أحوالها” ص 63.

ويقول الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه في كتاب الفتح الرباني: “إن الله عز وجل أجرى العادة بأن يكون في الأرض شيخ ومريد، صاحب ومصحوب، تابع ومتبوع من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة”.

ويقول أيضا: “هذه الطريق لا تسلك مع النفس و الهوى … هذا شيء لا يجيء بعجلتك. يحتاج إلى حبال ورجال وصبر ومعاناة ومجاهدة. وأن تصحب بعض ملوك المعرفة حتى يدلك ويعرفك ويحمل عنك ثقلك. تمشي في ركابه، فإذا تعبت أمر بحملك، أو أردفك خلفه، إن كنت محبا أردفك خلفه، وإن كنت محبوبا أركبك في سرجه وركب هو خلفك. من ذاق هذا فقد عرف. القعود مع أهل الأهلية نعمة، ومع الأغيار المكذبين نقمة”.

ويقول الشيخ أحمد الرفاعي رحمه الله: “… من ينهض بك إلى العمل؟ من يداويك من سم الرياء؟ من يدلك على الطريق القويم بعد الإخلاص؟ “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” هكذا أنبأنا العليم الخبير” كتاب “البرهان المؤيد” ص 43.

ويقول أبو الحسن الندوي رحمه الله: “من تحت الرماد نقتبس الجِذوة الحُبيَّة، لا مناص من أخذ جوهر ديننا عن الأكابر أهل المعرفة والنور. وإن محاولة تخطي عصور الركام قفزا بلا زاد قلبي يؤصل نسبتنا للنبوة والصحبة لمغامرة في فضاء الإسلام الفكري الثقافي إلى غير وجهة” كتاب “ربانية لا رهبانية” ص 90.

ويقول الأستاذ عبد السلام ياسين يحكي عن تجربته: “كنت حين استوحشت من الدنيا عفت نفسي وطار لبي في طلب الحق عز وجل. اخشوشنت وانقبضت وانصرفت للعبادة والتلاوة والذكر آناء الليل وأطراف النهار. فلما منَّ علي الحنان المنان له الحمد والثناء والشكر بلقاء شيخي رحمه الله وجدت أنسا ورحمة وطلاقة وبشرا وفرحا بالله. ما كنت أتصور مدة انقباضي و”أزمتي” وبحثي أن من شأن مريد صادق أن يضحك، ولا أن يلتذ بطعام وشراب، ولا أن يستقر به فراش وينعم بنوم” كتاب “الإحسان” ج1، ص220.

هذا غيض من فيض من شهادات علمائنا رحمهم الله، والسعيد من طار بجناحي الصدق؛ صدق الإرادة و صدق الهمة؛ للالتحاق بموكب الصادقين. اللهم اجعلنا من الصادقين المصدقين.