مقدمة:

جاء في مصادر عدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من أفكه الناس، وكان قليل الضحك. ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أنا أمزح ولا أقول إلا صدقا”.

أما حديث: “كثرة الضحك تميت القلب” فهو لا يحذر من الضحك بذاته بل من كثرته والإغراق والاستغراق فيه، أي من أن يجعل المرء حياته كلها لهوا ولعبا وضحكا وانشغالا عن أموره الجادة.

وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: “روحوا القلوب، واطلبوا لها طرف الحكمة، فإنها تمل كما تمل الأبدان”.

وقال أسامة بن زيد: “روحوا القلوب تعي الذكر”.

وقال ابن الجوزي: “وما زال العلماء والأفاضل يعجبهم الملح ويهشون لها، لأنها تحجم النفس وتريح القلب من كد الفكر”.

وقد لخص الغزالي رحمه الله في إحيائه وجهة نظر الإسلام في هذا الشأن حين قال: “وأما المزاح فمصايبة وفيه انبساط، وطيب القلب، فلم ينه عنه، فاعلم أن المنهي عنه الإفراط أو المداومة، أما المداومة فلأنه اشتغال باللعب، والهزل فيه واللعب مباح ولكن المداومة عليه مذمومة. وأما الإفراط فيه فإنه يورث كثرة الضحك، وكثرة الضحك تميت القلب، وتورث الضغينة في بعض الأحوال، وتسقط المهابة والوقار”.

ولقد ظهر في تاريخ المسلمين منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة شخصيات تميزت بروح الفكاهة والطرفة وكان ممن عرف منها الصحابي نعيمان، وامتد الأمر إلى أكثر من ذلك ليشمل التأليف والتدوين، ومن أشهر من كتب في المجال نجد الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وابن الجوزي هذا الأخير الذي اشتهر بكتاب “أخبار الحمقى والمغفلين”.

مجالات الفكاهة ووظائفها:

بناء على ما سبق وبالنظر لواقع الحال وباعتبار التحديات التي تواجه الدعوة الإسلامية عامة فإن للفكاهة منافع عدة ووظائف جمة، إذ لا يستطيع غيرها أن ينوب عنها في ثغرها بنفس فاعليتها وتأثيرها، لذلك فلا بد للفنان الفكاهي الداعية أن يستحضر هذه الوظائف لكي يتميز عرضه بالشمولية والتنوع والفعالية والتأثير المطلوب.

ويمكن حصر هذه الوظائف في:

1- الوظيفة التربوية: حيث أثبتت عدة دراسات حديثة أن الفكاهة تعمل على تحقيق تطهير جماعي للانفعالات السلبية المتراكمة بفعل أحداث الحياة اليومية كما أنها تعدل عدة سلوكات سلبية عن طريق السخرية منها وإثارة الرأي حولها.

2- الوظيفة التواصلية: حيث أن الضحك ييسر التفاعل بين الأفراد والجماعات، ويتحقق التواصل نتيجة تلطيف غضب الآخرين وتفادي هجومهم السلبي على الدعوة وجنودها، فيتحول ذلك إلى حالة إيجابية ونوع من المشاركة والمساهمة.

3- الوظيفة السياسية: وذلك بفضح ونقد كل المؤسسات الاجتماعية والسياسية وإثارة الانتباه لبعض الأخطاء قصد التصحيح والتجاوز.

4- الوظيفة التبليغية: فبالفكاهة يمكن أن ننقل أفكارا وآراء وتعريف الناس بها، وهم في حالة استماع وتتبع ذهني لا يتوفر أثناء الموعظة أو المحاضرة أو الندوة.

5- الوظيفة الترفيهية: ترويح القلوب والنفوس، فالقلوب إذا كلت عميت كما جاء في الحديث الشريف، والدأب أو الاستمرار في الجد يجعل النفس تمل وتسأم، وبعض المباح من اللهو يجعلها تنجلي وتشرق حيث يتبدد التعب المتراكم بفعل استمرار العمل ومواصلة التفكير الجاد.

كيف تحقق الفكاهة وظائفها؟

إن الفكرة الأساس للفكاهة والضحك هي انتقاد النقص والحط من قيمته والسخرية منه سواء طال هذا النقص الأخلاق أو المؤسسات المدنية أو الأشخاص، إلا أن تبني هذه الفكرة على إطلاقها قد يؤثر على تحقيق بعض الوظائف والأهداف التي يسعى الفنان الداعية لبلوغها ومن أجل ذلك فلا بد من تقييد هذه الفكرة بما يجنبه السقوط في أحد المزالق التالية:

1. انتقاد خَلق الإنسان بدل خُلقه.

2. استعمال ألفاظ الشتم والسباب.

3. توظيف أسماء أشخاص أو أسماء هيآت بعينها.

4. تناول موضوعات مقدسة (الصوم، الصلاة…) أو أشخاص مرتبطين بها (أئمة، حجاج، فقهاء…).

5. الفكاهة العرقية وذلك بإثارة النزعة القبلية (أمازيغ / عرب..).

6. الارتجال والارتباك أثناء العرض.

7. عدم القدرة على التفاعل وإثارة انتباه الجمهور.

إن هذه المزالق قد تكون عفوية لكن لها تأثيرا على واحد أو أكثر من الوظائف المذكورة سلفا ومن أجل ذلك نعرض هذه الضوابط الأولية التي نعتقد أن الالتزام بها  إن شاء الله- يساعد على تحقيق الأهداف المتوخاة:

1. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا أمزح ولا أقول إلا صدقا”. وقال الإمام الغزالي: “إن قدرت على ما قدر عليه رسول الله وأصحابه، وهو أن تمزح ولا تقول إلا حقا، ولا تؤذي قلبا ولا تفرط فيه، فلا حرج عليك فيه”.

2. تجنب النكت والملح التي تتحدث عن المقدسات الدينية أو ما يرتبط بها قصد الاستهزاء أو السخرية.

3. تجنب الفكاهة العرقية القائمة على التمايز القومي نظرا لما يثير ذلك من حساسية ونزعة قومية لدى الحضور الذي غالبا ما يكون مختلطا.

4. ضبط المادة الفنية سلفا قبل عرضها لأن الارتجال السلبي يسوق لسان الفنان أحيانا إلى ما لا تحمد عقباه.

5. التدرب على آليات التنشيط والاطلاع على كيفية إدارة وتنشيط المجموعات وأشكال الإلقاء.

6. التهمم الدائم بهموم الناس وقضايا الأمة وتتبع المجالات السياسية والاجتماعية والحقوقية.

7. الحفاظ على السمت الحسن شكلا وقولا وسلوكا دون أن يؤدي ذلك إلى التحجر والجمود.