بين الهدف التربوي والهدف التعليمي واسطة تصل أو تقطع، هي لغة التربية والتعليم. القرآن لا تكون تلاوته عبادة إلا إن تلي نصه وحرفه العربي المبين، وإلا فليس قرآنا. ونشر لغة القرآن وتعليمها للشعوب العجمية واجب أن ينهض إليه المسلمون العرب. أما أن تكون اللغة العربية لغة التعليم عامة فلا يزال على العرب المسلمين أن يتشرفوا بخدمة اللغة الشريفة وتحميلها زينة الإفصاح عن المعارف الكونية كما هي مشرفة من قبل الحق سبحانه إذ هي البيان والتبيين. اللغات بجانبها خرساء صماء كسيحة عاجزة بتراء عن البيان والتبيين والترجمة عن الوحي. بل العربية جزء لا يتجزأ من الوحي. أعني آيات الله المنزلة بها لا مطلق اللفظ العربي.

من هذه اللغات الحديثة ما زينه به أهلها من حلي العلوم الكونية حين تركنا نحن لغتنا العزيزة عاطلة.

لا نعزو للغزاة المستعمرين وحدهم تأخر اللغة العربية بل نعترف بترددنا واتهامنا للغتنا بدل أن نتهم بالتقصير أنفسنا. مهد الغزاة بالاحتلال الحسي لبلادنا زمانا الاحتلال الثقافي. فلما انسحبوا جسوما بقي المحتل الساكن في لغتهم. سادونا زمانا بالجيوش والإدارة، وهم يسودوننا اليوم بلغاتهم وحمولتها الثقافية العلومية.

سودوا فينا لغتهم حين قدموها ودعموها في مدارس الحكومة الاستعمارية ومعاهد الإرساليات التنصيرية وجامعات أمريكان هنا وهناك.

وسودها فينا، في طائفة المغربين المصنوعين في تلك المدارس الغازية، تقديرنا بلا حدود وإعجابنا وترامي الموالين منا للغة الأعجام السادة.

تقدير وإعجاب وموالاة نشأت عن تغييب القرآن ولغة القرآن وتلقيح القرآن عن المدارس الغازية حتى انفصلنا عن أصولنا ووصلتنا واصلة اللغة بهم، تابعين وهم أسياد، متعلمين وهم أساتذة، سامعين ولهم الكلمة.

العجز منا والتقصير والانقطاع. ورحم الله حافظا إبراهيم قال مترجما عن اللغة العربية ناطقا بلسانها:

وسعــت كتاب الله لفظا وغايـة *** وما ضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلـة *** وتشقيق أسماء لمخترعــات

وينتظر شرف خدمة اللغة العزيزة أجيال القومة الإسلامية لتحليتها بالقدرة على وصف الآلة وابتكار المخترعات. فإن اللغة بأهلها المخلصين لها، مالها وجود في مجردات الفلسفة و”العلوم الإنسانية” والإعلاميات الجرائدية إلا بإخلاص العرب النصارى ومن تعلم من مدارسهم وكتبهم للفلسفة الواردة و”العلوم” الباسطة ظلها على جامعات الكلام المترجم غير الأصيل.

جنت عربية النصارى العرب على لغة القرآن. والقومية جامعة، واللاييكية جامعة، والعربية – العجمية المصحفة المنكرة جامعة. لا نحوها نحو القرآن ولا صرفها ولا اشتقاقها ولا مبناها ولا معناها.

لغة التعليم واسطة تبليغ للرسالة التربوية الباعثة وللمضمون التعليمي العملي.

وهي بين المجالين واسطة تواصل. فإن كان للغة التربية مكان منعزل في برامج المدرسة عن المكان المخصص للبرامج العامة، وكانت هذه تدرس بلغة عجمية صرفة أو عجمية معربة مترجمة، وكانت تلك تحتوي على آيات ونتف فهو انفصام الشخصية.

هي السكيزوفرينيا الثقافية، وهو تشتت الولاء، وهو إنتاج أنصاف المتعلمين العالة على أنفسهم وعلى المجتمع.

تعليم هجين للغة هجينة. ولغة مسكونة لتعليم مسكون.

وتسويد لغة القرآن في دولة القرآن بديهة، والجهاد لذلك واجب. نسأل برامج التعليم القائم الناهض عن إسلامية المضمون التعليمي كما نسألها عن إسلامية اللغة وقرآنيتها.

مطمح عظيم هو مطمحنا، لا تؤديه إلينا ولا تترجمه عنا إلا لغة عظيمة هي لغة القرآن الكاملة الواصلة بين حقائق الأرض ومعاني السماء، المضيئة بما هي وحي طريق الدنيا إلى الآخرة، الهادية بما هي هدى إلى الصراط المستقيم. صراط الله له ما في السماوات وما في الأرض. ألا إلى الله تصير الأمور.

إن جيشان الانفعال القومي العربي وهذه الحساسية الشديدة والاعتزاز والفخر بالعربية ليست بالباعث الذي يكفي لإشعال قومة تستنقذ العربية من وهدة التخلف العلومي.

إن كانت الأقوام الأوربية استقلت بهذه العلوم العصرية مع ضيق نطاقها وقلة أهلها بدافع الاعتزاز القومي، فالعربية التي يتشرف بالنطق بها تلاوة في المصحف مآت الملايين لا يصح إلا أن تحتل مكانة عالمية في مقدمة اللغات الكبرى.

بجهاد إسلامي منبعث على أعلى من العزة القومية فقط تتظافر جهود الشعوب المسلمة لترقية العربية وتسويدها في المجالات الكونية.

الدانماركي يتعلم بلغته، والسويدي والنرفيجي والهلندي واللتواني. طور هؤلاء الأقوام لغاتهم وخدموها. فلهم بوابات مباشرة إلى العلوم والتكنولوجيا. لايجدون حرجا ولا عليهم من تهديد بتتبيع ثقافي إن هم عززوا قدراتهم التعليمية بلغة عالمية ثانية هي الإنجليزية.

أما نحن المسلمين في أزمان انحطاطنا هذه فإنما نطل من النوافذ بلغتنا الهجينة على عالم العلوم إطلال المتلصص. وليس بيننا اعتبار إلا لمن يتقن لغة أو لغات عالمية، ولا في المحافل السياسية والعلومية اعتبار لواحد منا إلا إن ترقت إنسانيته بإجادة لغة الأسياد. يعطونه اعتبار الخادم المتميز بولائه.

شرف الله عز وجل العربية بأن جعلها الوعاء الأبدي لكلمته الأخيرة للإنسان. وذلك سموق لا يطاوله سموق. والمهمة سامية شريفة، مهمة تدريب العربية حتى تصير مستقلة مفتوحة الأبواب على العلوم الكونية والتكنولوجيا، وحتى تتقدم موكب اللغات في مجالات العلوم، إماما لا تابعا، سيدة لا خادمة. تكون إن شاء الله إماما في عالم العلوم يؤهلها لذلك فرادتها بما حملت من رسالة الله تعالى، ويؤهلها خصوبتها، ومرونة اشتقاقها، وثروتها التي لا تطاول.

سيبقى المسلمون لقطاء متطفلين في عالم العلوم والصنائع مادام تعليمهم لا يرتكز على لغة القرآن في المجالين التربوي القلبي والتعليمي الفكري، مسايرا هذا لذلك، موصولا به مستقيا من مبناه ولفظه ومعناه.

مقدمة لابد منها إن أردنا أن نطوع عالم الأشياء لمقاصد الإسلام.

صياغة للعلوم بلغة القرآن لابد منها إن طمعنا في صياغة الإنسان والعالم وطبعهما بطابع القرآن وصياغته. تبليغ رسالة لا إكراها وبطشا.

المتسكع على موائد الآخرين الضعيف المتطفل أنى تسمع كلمته ـ وقد يعوق السمع منا ومن لغتنا العربية، لغة المسلمين، متقلصة في نطاق قوميتها وعروبيتها وتخلفها العلومي.

جعلوا لها في المحافل الأممية مربضا إلى مؤخرة اللغات العالمية المعتبرة كالإنجليزية والصينية والروسية والفرنسية. ذلك لأن الناطقين بها مُهَجَّنَة جرائدية إعلامية لهم كم سياسي. وهم في قبضة التبعية السياسية كما يليق بالكم المشتت، وهم في قبضة التبعية الثقافية لما أضاعوا من إسلاميتهم الموحِّدة، وقرآنيتهم الموحدة. ولغة قرآنهم الموحدة.

كان زمان سادت العربية فيه من غانة إلى فرغانة الشعوب الإسلامية واحتلت المرتبة الأولى في العالم حين كان الأقوام العجم واللغات العجمية في دهاليز التاريخ. الآن انقلب الوضع. والآن بحمد الله تبدو في الأفق علائم العزة المتجددة. والحمد لله رب العالمين.

مادام جهازك المعرفي ملتقطا من مخازن غيرك فأنت تابع لا فكاك لك من التبعية. تنظر نفسك والعالم والتاريخ بمنظار غيرك إذ لا لغة لك إلا لغته، ولا منطق إلا منطقه، ولا حقيقة إلا حقيقته. وتكذب على نفسك إن زعمت أنك تخدم خصوصيتك الثقافية بمشاركتك في المهرجان الثقافي العالمي تتكلم فيه بلغتك المهجنة وأنت لا تشعر، وتنشد الأشعار، وتلقي المحاضرات عن الثرات المجيد.

أنت تابع وثقافتك تابعة ولا تخدم إلا الأسياد، حددوا لك في نطاق التبعية مهمة تؤديها بلغتك التابعة.

لغتك يا مسلم لغة القرآن. إن تأصلت منها وبها ذاتيتك الإسلامية، وإلا فأنت في مدرسة التغريب العالمية المستفحلة الغازية، أنت تلميذ فيها.

العصرنة التي يدعو إليها تلامذة الغرب ما هي إلا فكرة لقنها بدهاء وإقناع الغزاة. ويتصور التلامذة البلداء أن المعاصرة في الزمان واللقاءات في المهرجانات الثقافية مع السادة لهما خصائص تربط الأمم، وتسوي بين الشعوب، وترفع الكل إلى مِحَفة الديموقراطية اللاييكية العزيزة إلى مصاف الإنسانية العليا.

وما العصرنة إلا شرك للتتبيع والتعبيد، من أزِمَّة تعبيدها الاستتباع اللغوي، يتناقل التلامذة الأفكار والمفاهيم والنظريات المستوردة المترجمة إلى اللغة المحلية القومية، لا تردد إلا الدرس الملقن، ولا تعبر إلا عن مقاصد الغزاة المعلنة البراقة والخفية المدسوسة.

وهل لنا غنى في الاستعداد لاستقلالنا عن اللغات العلمية الحية، وفي التهييء له ؟

تقول البديهة وتقول عنه الحقائق الماثلة أنه لا طريق لنا إلى العلوم إلا عن طريق اللغات العالمة بالعلوم الكونية، لا يضيرنا جهلها المطبق بعلم الحق، ولا يعوقنا عن إتقانها وإجادتها والجد في نقل ما هو نافع عنها.

ومعنا مصفاة القرآن ومقاييس البيان النبوي.

هل يستوي أن أدخل في خضم وأنا أنا، بذاتيتي وثقتي وباعثي، أو أدخل ملتقى القابليات والتفتحات والأمعيات خاليا ساليا؟

كذلك الولوج في هذه الثقافات واللغات، لا يستوي من باكرها على فراغ وشربها صبوحا ومن أتاها وقد تحصن وتماسكت شخصيته.

في السنوات التسع الأولى من حياة الناشئ، وهي الفترة التي تأسس فيها قواعد الشخصية ويتأصل فيها الفكر والشعور والولاء والباعث القرآني ولا تصادمه.

ولن يفوت الناشئ شيء من قدراته على تعلم اللغة الأجنبية التي تبقى المفتاح الضروري لولوج الدوائر العليا من العلوم. إلى حين تستقل العربية وتتحلى ويثبت لها قدم في ميادين الخبرة والعلوم والصنائع والكشوف.

ثم لا يستغني أحد في العالم الحديث القريب التواصل المبني على المسابقة والمنافسة واستراق السمع العلومي عن إتقان لغة أو لغات أجنبية. وسيصبح بمثابة الأمي من لا يتقن إلا لغة قومه.

هذا احتراز وتحفظ من أن تصيب المتعلم في بدايات خطواته آفات وجراثيم تحملها في طيات آدابها وأساطيرها وتعابيرها اللغة الأجنبية. تحفظ واحتراز مما تنطق به اللغة عيانا.

فكيف التحفظ مما في باطن هذه العلوم الكونية المصوغة صياغة موضوعية من جراثيم الجهل بالله والتجهيل به؟

الصياغة الحديثة للعلوم الكونية لا تتحدث من قريب ولا من بعيد عن إله موجود أو غير موجود. لا تتحدث عن شيء لا يراه مجهرها، ولا تكشف عنه اختباراتها المدققة المرققة. ولاهي تحارب الدين أو تلمح إلى الدين.

لا تفعل ذلك عيانا ونطقا، لكنها بصمتها وتجاهلها إنما تسقي من تعاطاها على الخواء وبطن قلبه فارغ العلقم السام.

تصمت الموضوعية وتتظاهر العقلانية بالحياد، وهي تكل إلى ضجيعتها الفلسفة مهمة تخريب الفطرة وردم معالم التطلع الفكري إلى العلم بالله الخالق المحيي المميت.

واللغة الأجنبية الممسوحة من ذكر الله جامعة.

ويا حسرة على العباد. اصطبغت على العربية المترجمة بالمهجنة بمفاهيم الثقافة العالمية الممسوحة. واصطبغ حتى الخطاب الإسلامي – يا حسرة على العباد – يا لمُهَجّنة، تساير الموضوعية وتصمت لا تنطق، وتتعقلن وتتحاشى أن تقول ربي الله.

لسنا بحمد الله ممن يخشى على أطفالنا اقتناء الأداة الضرورية لكسب العلوم، بل نأمل أن تنفتح عين العقل على مافي العالم من خير وشر، وعلى ما فيه من ظواهر ودواخل. واللغة الأجنبية – ليس كل لغة أجنبية – مفتاح تلك الآفاق. لكن متى فتحنا على الطفل قبل تمكن الإيمان وباعث القرآن في قلبه نوافذ الثقافة الممسوحة الخرساء وأبواب اللغات الوثنية فإنما نعرضه لأعاصير الشك وأوبئة الكفر. والسالم من سلمه الله.

والتحصين اللبي القرآني لا يعوض. محاربة الثقافة الأجنبية لا تتم بإحراق كتب وآلات البيانو في الساحات العامة كما فعل الثائر الأول، القومي الأول الجماهيري العُظْمِيُّ الأول..

اللغة موحدة ؟هذا المحرق القومي يظن كما يظن القوميون، وهم طوائف ومزاجات، والجنون فنون، أن اللغة توحد، وأن العرب قوم واحد باللغة والدم.

ولا أعرف قوما موحدي اللغة استعملوا اللغة الموحدة سلاح حرب كما استعمله القوميون العرب. وما انتهت بعد حروب الإذاعات بموت عبد الناصر.

لو كانت اللغة توحد والدم يوحد لما عاشت كندا منفصلة عن جارتها، ولا انفصلت إرلندا عن بريطانيا العظمى. والعرب بلغتهم الموحدة على نغمة قومية ومضمون تراثي مهجن مدجن ما هم قوم واحد، بل هم أقوام متنافرة متناحرة. ويا كويت الترف البترولي اشهد على صومال الجوع والفقر والموت.

أية إنسانية مشتركة، بل أية هوة ساحقة، بين إنسانية تتمرغ في البذخ والنعيم ورذائل الغنى الفاحش وبين إنسانية شقية تغوص في الرمال القاحلة الجدبة والنزاعات والحروب الفتاكة!

صاح صدام العروبة على مترفي العروبة بلغة العرب القبلية الجاهلية أن قفوا يا لصوص. صيحة كانت تكون أول كلام فصيح يسمعه العرب منذ قرون لولا أن العنف العسكري ما اعتمد إلا المطالبة القومية القطرية بحدود تُعَدَّل وإقليم يسترجع، ولولا أن البعثية الكافرة ما في جعبتها إلا الشعارات القومية تحولها إسلامية لما أدرك فرعون الغرق. وما عندها من وسيلة توحيد إلا الغزوة والتدمير والقهر. غزو الكويت إعلان عن إفلاس القومية.

أصنام على الطريق وأوثان.

أُمّنا كلمة الله الجامعة، أو أمنا القومية المستبدة، أو أمنا فرنسا الديموقراطية؟ أية لبان رضعت الأقوام الناطقة بلغة العرب؟